• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : أَ لِمِثْلِ جعفر بن محمد يقال هذا؟! .
                          • الكاتب : شعيب العاملي .

أَ لِمِثْلِ جعفر بن محمد يقال هذا؟!

بسم الله الرحمن الرحيم
 
(اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ)
دعاءٌ عظيمٌ يتلوه المسلمُ في اليوم عشراً أو يزيد، لما قد اشتهر عن النبي (ص): لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب‏.
 
يفسِّرُ الصادقُ جعفر بن محمد (ع) المراد من الهداية بالإرشاد إلى الطريق المؤدي إلى محبة الله ورسوله: وَالْمَانِعِ مِنْ أَنْ نَتَّبِعَ أَهْوَاءَنَا فَنَعْطَبَ، أَوْ نَأْخُذَ بِآرَائِنَا فَنَهْلِكَ.
 
ثمرةُ الصراطُ المستقيم إذاً محبة الله ورسوله، ثم المنع عن:
1. اتباع الأهواء.
2. والأخذ بالآراء.
ففي ذلك العطب والهلاك.
 
ثُمَّ قَالَ (ع): فَإِنَّ مَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ وَأُعْجِبَ بِرَأْيِهِ كَانَ كَرَجُلٍ سَمِعْتُ غُثَاءَ الْعَامَّةِ تُعَظِّمُهُ وَتسفه [تَصِفُهُ‏] فَأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْرِفُنِي لِأَنْظُرَ مِقْدَارَهُ وَمَحَلَّهُ..
 
مرَّ هذا الرجلُ بخبّازٍ فتغفَّلَهُ، وسرق منه رغيفين، ثم من غيره رمّانتين، ثم مرَّ بمريض فوضع الرغيفين والرمانتين بين يديه.
 
فلمّا حدّثه الصادق عليه السلام وعرف أنه جعفر بن محمد عليهما السلام قال المُتَّبِعُ لهواه لعالم آل محمد:
فَمَا يَنْفَعُكَ شَرَفُ أَصْلِكَ مَعَ جَهْلِكَ بِمَا شُرِّفْتَ بِهِ!!
وَتَرْكِكَ عِلْمَ جَدِّكَ وَأَبِيكَ لِئَلَّا تُنْكِرَ مَا يَجِبُ أَنْ يُحْمَدَ وَيُمْدَحَ عَلَيْهِ فَاعِلُهُ.
 
ما أعظم هذه الكلمة وأشدّها! يقول هذا الجاهل لجعفر بن محمد: ما ينفعك شرف أصلك مع جهلك؟!
جعفر بن محمدٍ صار جاهلاً عند أصحاب الآراء والأهواء، فهل من عَطَبٍ بعد هذا العطب أو هلاك؟!
 
إمامُ الأمّة وقيِّمُها.. من أقرّ له كلُّ من فيها بأنه البحر الزاخر، ورأى كل من شاهده العلم طافحاً من بين جوانبه، يُنسَبُ إلى الجهل وترك العلم؟!
 
يَصعُبُ على بعض أهل العلم أن يُستنكر قولهم أو يُردّ عليهم، فما بالك بنسبتهم للجهل؟!
ثم يتنبهون إلى أن الدنيا دار افتتان، فإذا كانت الدنيا داراً يُنسب للجهل فيها أعلم من عليها! فكيف بمن يقتات على مائدته؟!
 
لقد احتجّ هذا المُتَّبع للهوى بآيةٍ في كتاب الله تعالى (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى‏ إِلَّا مِثْلَها) ثم قال:
وَإِنِّي لَمَّا سَرَقْتُ الرَّغِيفَيْنِ كَانَتْ سَيِّئَتَيْنِ، وَلَمَّا سَرَقْتُ الرُّمَّانَتَيْنِ كَانَتْ سَيِّئَتَيْنِ، فَهَذِهِ أَرْبَعُ سَيِّئَاتٍ، فَلَمَّا تَصَدَّقْتُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ لِي بِهَا أَرْبَعِينَ حَسَنَةً، فَانْتَقَصَ مِنْ أَرْبَعِينَ حَسَنَةً أَرْبَعٌ بِأَرْبَعِ سَيِّئَاتٍ بَقِيَ لِي سِتٌّ وَثَلَاثُونَ حَسَنَةً.
 
فكان هذا ممن يحسب أنّه يحسنُ صنعاً!
بَيّنَ لهُ الإمامُ أن ما ظَنّه حسناتٍ هو سيئات: وَلَمَّا دَفَعْتَهُمَا إِلَى غَيْرِ صَاحِبَيْهِمَا بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبَيْهِمَا كُنْتَ إِنَّمَا أَضَفْتَ أَرْبَعَ سَيِّئَاتٍ إِلَى أَرْبَعِ سَيِّئَاتٍ، وَلَمْ تُضِفْ أَرْبَعِينَ حَسَنَةً إِلَى أَرْبَعِ سَيِّئَاتٍ.
 
وقال (ع) كلمةً في منتهى الروعة:
بِمِثْلِ هَذَا التَّأْوِيلِ الْقَبِيحِ الْمُسْتَكْرَهِ يَضِلُّونَ وَيُضِلُّون‏ (معاني الأخبار ص33).
 
لقد أغمض هذا الجاهل عن آيات الكتاب الكريم حين تقول: (إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)، فذكَّرَهُ بها الإمام عليه السلام.. لكنّ للذِّكرِ أهله، وللحق أنصاره، وللباطل أتباعه.
 
لقد روينا أن مدينة الرسول (ص) قد ارتجّت يوم خطَبَت الزهراء عليها السلام، وهاجَ الناس وارتفعت الأصوات، فخافَ الأول افتضاح أمرهم لمعرفة الناس بالحق الذي طالبت به، وخشيَ انكشاف ما ستروه من الغدر بالنبي (ص)، لكن الثاني، المؤسس لأساس الظلم والجور، المتبع لهواه، هدّأ من روع صاحبه قائلاً:
 
هَلْ هِيَ إِلَّا غَمْرَةٌ انْجَلَتْ، وَسَاعَةٌ انْقَضَتْ، وَكَأَنَّ مَا قَدْ كَانَ لَمْ يَكُنْ..
أَقِمِ الصَّلَاةَ وَآتِ الزَّكَاةَ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَوَفِّرِ الْفَيْ‏ءَ، وَصِلِ الْقَرَابَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: (إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئات‏)..
ذَنْبٌ وَاحِدٌ فِي حَسَنَاتٍ كَثِيرَةٍ، قَلِّدْنِي مَا يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ..
فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى كَتِفِهِ، ثُمَّ قَالَ: رُبَّ كُرْبَةٍ فَرَّجْتَهَا، يَا عُمَرُ. (دلائل الإمامة ص122).
 
ليس ذاك الأحمق سارق الخبز والرمان إلا متعلِّماً من جُهّال، يرون أن الذنبَ واحدٌ، وأن الحسنات كثيرة!
فيصير عندهم عليُّ بن أبي طالب جاهلاً! ومن بعده بنوه كجعفر بن محمد عليهم السلام!
 
يتعامى هؤلاء عن أنّ كلّ تصرُّفٍ في هذه الأمّة هو تَصَرُّفٌ في سلطان الله تعالى، إنّه منصب الخلافة الإلهية، خلافة الله بين خلقه، ومنصب حججه على عباده، وكلُّ فعلٍ يحتاج إلى إذن منه، وسيسألان يوم القيامة: (قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُون‏).. ولما لم يأذن لهم، كان كلُّ تصرُّفٍ منهما إثماً، فجمعا إلى آثامهم آثاماً..
 
سلام الله عليك يا عالم آل محمد (ص)..
لقد قلت يوماً: إِنِّي لَأَرْحَمُ ثَلَاثَةً، وَحَقٌّ لَهُمْ أَنْ يُرْحَمُوا:
 
1. عَزِيزٌ أَصَابَتْهُ مَذَلَّةٌ بَعْدَ الْعِزِّ.
2. وَغَنِيٌّ أَصَابَتْهُ حَاجَةٌ بَعْدَ الْغِنَى.
3. وَعَالِمٌ يَسْتَخِفُّ بِهِ أَهْلُهُ وَالْجَهَلَةُ. (الخصال ج1 ص87).
 
ولئن رأينا في أيامنا من أصابه ذُلٌّ وحاجةٌ بعد العزِّ والغنى، فحَقَّ لهُ أن نرحمه..
فلطالما لَمَسنا احترام عوام الشيعة لعلمائهم.. وتقديرهم لهم.. رغم استخفاف المخالفين..
 
لكن في أيامنا هذه..
انبرت ثلَّةٌ ممن تزعم الموالاة لمحمدٍ وآله، لتطعنُ في كلّ عالمٍ ينتسب لهم، وتستخفّ به!
 
فماذا يريد هؤلاء؟
أيريدون أن يعمَّ الجهل؟!
ألا يكفي افتقارُ الشيعة لإمامهم المعصوم وحاجتهم له؟ وشدة ما يَرِدُ عليهم؟!
أما وجد هؤلاء في أهل العلم سلوَةً للمؤمنين وصِلَةً بينهم وبين علوم آل محمد (ص)؟! أنحافظ على ذلك أم نفرِّطُ به؟!
 
أنُريد أن نفتح باب التأويلات الباطلة القبيحة المستكرهة، حتى نرِدَ موارد الضلال والعمى؟!
ألم يقل الصادق عليه السلام: بِمِثْلِ هَذَا التَّأْوِيلِ الْقَبِيحِ الْمُسْتَكْرَهِ يَضِلُّونَ وَيُضِلُّون‏!
 
فماذا يريد المشكِّكون؟! المستخفون بالعلم والعلماء؟
أيريدون أن تُخرَق سفينة الشيعة المجتمعين حول علمائهم وتنتشر مدارس الضلال والإضلال؟!
 
أما سمعوا وهم ينتسبون للأئمة المعصوميمن عليهم السلام قول الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام أنّ:
الْمُؤْمِنِينَ الْفُقَهَاءَ حُصُونُ الْإِسْلَامِ كَحِصْنِ سُورِ الْمَدِينَةِ لَهَا.(الكافي ج‏1 ص38)
 
فأيُّ مدينة لا تسقط أمام أعدائها المتربصين بها إذا ما أسقط أهلُها سورَها بأيديهم؟!
 
أما بَلَغَهم قول الإمام عليّ بن محمد الهادي عليه السلام:
لَوْ لَا مَنْ يَبْقَى بَعْدَ غَيْبَةِ قَائِمِكُمْ (ع) مِنَ الْعُلَمَاءِ الدَّاعِينَ إِلَيْهِ، وَالدَّالِّينَ عَلَيْهِ، وَالذَّابِّينَ عَنْ دِينِهِ بِحُجَجِ اللَّهِ، وَالْمُنْقِذِينَ لِضُعَفَاءِ عِبَادِ اللَّهِ مِنْ شِبَاكِ إِبْلِيسَ وَمَرَدَتِهِ، وَمِنْ فِخَاخِ النَّوَاصِبِ، لَمَا بَقِيَ أَحَدٌ إِلَّا ارْتَدَّ عَنْ دِينِ اللَّه‏ (الإحتجاج ج‏1 ص18)
 
نعم إنّها فِخاخُ النواصب وشباك إبليس.. تظهر:
 
1. تارة بصورة خليفة للمسلمين يسلبُ الزهراء حقّها.. ويزعم أن الحسنات يذهبن سيئاته، ويعمى أو يتعامى عن أن سيئته هذه لا تُغتفر لأنه صاحب بدعة لا يوفق للتوبة..
2. وثانية تظهر بصورة من يراه غثاء العامّة عالماً، يسرق ويتصرف بما غصب ثم ينسبُ عالم آل محمد (ع) للجهل!
3. وثالثة في أيامنا عندما يُستخفّ بالعلم والعلماء، ويُفتح باب الضلال والإضلال بالتأويلات الباطلة..
 
وكلَّما توسّعت دائرة الضلال، كلّما أيقن المؤمنون بقرب الفرج، ولا فرج إلا على يدي المهدي المنتظر عليه السلام..
اللهم عجل فرجه.. وسهل مخرجه.. واجعلنا من أنصاره وأعوانه..




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=169100
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2022 / 05 / 28
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 08 / 12