• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : جعفر الصادق.. إمامٌ لم يطلب المُلك ! .
                          • الكاتب : شعيب العاملي .

جعفر الصادق.. إمامٌ لم يطلب المُلك !

 بسم الله الرحمن الرحيم
 
(رَجلٌ قد أنحلته العبادة، واشتغل باللّه عما سواه، وعمّا في أيدي الملوك) !
 
لو وُصِفَ مؤمنٌ في أيّامنا بمثل هذه الأوصاف، لاتُّهِمَ بالتهاون بمصير الأمّة، والاستهتار بهُمومها وشؤونها وشجونها ! وعدم الاكتراث بقضاياها المصيرية !
بل قد يقال له: لستَ ممّن يهتمّ بأمور المسلمين، فلَستَ بِمُسلِم !
 
لكنّ الموصوف في هذه العبارة هو سادسُ أئمة آل محمد، جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، قالها بعض شيعته ممّن كان في رَكب المنصور الدوانيقي، لمّا كانت نفسُ المنصور تُحدِّثُه بقتل الإمام عليه السلام، فقال له الرّجُل:
 
إنّ جعفر بن محمدٍ رَجُلٌ قد أنحلته العبادة، واشتغل باللّه عما سواه، وعمّا في أيدي الملوك ! (عيون المعجزات ص91).
وفي مصدرٍ آخر: اشْتَغَلَ بِاللَّهِ عَنْ طَلَبِ الْمُلْكِ وَالْخِلَافَة (مهج الدعوات ص201).
 
طَلَبُ المُلك والخلافة الظاهرة، إنما يكون لغرضٍ باطل عند أهل الأهواء، وقد قال المنصور (الملك عقيم).
 
ولكن.. لماذا لم يطلب الإمام المعصوم المنزّه عن العيوب الخلافةَ وهي حَقُّه ؟! وقد نَصَّبَه الله تعالى إماماً للأمّة ؟!
أليس في هذا إسقاطٌ لتكليف المؤمنين بِنُصرة الإمام ؟! والتكليف لا يسقط بحال.
وهل يحقُّ لغير الإمام أن يطلب ما لم يطلبه الإمام ؟! وما حالنا نحن الشيعة في زمن الغيبة ؟!
 
1. لماذا لم يطلب الإمام الحُكم ؟!
 
يدخلُ رجلٌ خراسانيٌّ مُتَحَمِّسٌ قد أخذته الحميّة، كما قد تأخذنا في أيامنا حينما نرى الآلاف من شبابنا يحملون السلاح، وأضعافهم يقدرون على حمله..
يقول الخراسانيُّ للإمام عليه السلام: مَا الَّذِي يَمْنَعُكَ أَنْ يَكُونَ لَكَ حَقٌّ تَقْعُدُ عَنْهُ ؟!
وَأَنْتَ تَجِدُ مِنْ شِيعَتِكَ مِائَةَ أَلْفٍ يَضْرِبُونَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالسَّيْفِ !
 
فالمعيارُ في طلبِ الإمام لِحَقِّهِ عند هذا الرّجل هو كثرة الأنصار مِن حمَلَةِ السِّلاح، والإمام (قَعَدَ) ولم يسلَّ سيفه، ولمّا سأله الخراساني امتحن الإمامُ عليه السلام طاعتَه بأن أمره بالدخول إلى التنور، فما نجح في الامتحان، ثم نفى عليه السلام أن يكون من هؤلاء المئة ألفٍ واحدٌ ينجح في هذا الاختبار !
 
ثم قال عليه السلام: أَمَا إِنَّا لَا نَخْرُجُ فِي زَمَانٍ لَا نَجِدُ فِيهِ خَمْسَةً مُعَاضِدِينَ لَنَا ! نَحْنُ أَعْلَمُ بِالْوَقْت ! (مناقب آل أبي طالب عليهم السلام ج‏4 ص237).
 
فالتكليفُ مشروطٌ بالقدرة، وِفقَ الأسباب الطبيعية دون المدد الغيبي.
والقدرة غير متحقِّقَة، وإحدى جهاتها عدم وجود الأنصار، الذين يُطلبُ أن يكونوا على نحوٍ خاصٍ، لا بأن يكون سلاحهم فتاكاً، بل أن تكون عقيدتهم مُحكَمَةً ! إلى درجةٍ يطيعون فيها الإمام مطلقاً، لِما يعرفون من عظيم مكانته عند الله تعالى.
 
فليست كثرة العدد ولا قوّة البدن والسلاح هي الميزان الذي نَظَرَ إليه الإمام، على أهميتها والحاجة إليها.
 
إنما نَظَرَ إلى مَن أحكَمَ عقيدتَه ووافقَ قولُه فِعلَه ! فكان مستعداً لامتثال أمر الإمام مهما كان، سواءٌ فَهِمَ الحكمةَ فيه أو لم يفهم، وسواءٌ خالفَ أمرُ الإمامِ نظرتَه وتقييمه للأمور أم لم يخالف، فإنّ الإمام معصومٌ مُسَدَّدٌ مؤيدٌ من الله تعالى، وليس للمؤمن أن يُعَلِّمَ الإمام، بل يتعلَّم منه عليه السلام في كل آنٍ وحين.
 
وكلَّما تأمّلَ المؤمن ورأى الدُّنيا بِيَد أعداء الله، استذكر قولَ أحد موالي الإمام الصادق له عليه السلام مستفسراً: إِلَى مَتَى هَؤُلَاءِ يَمْلِكُونَ ؟ أَو مَتَى الرَّاحَةُ مِنْهُمْ ؟
 
فقال الإمام عليه السلام: أَ لَيْسَ تَعْلَمُ أَنَّ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُدَّةً ؟ .. هَلْ يَنْفَعُكَ عِلْمُكَ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ إِذَا جَاءَ كَانَ أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ الْعَيْنِ ؟ (الكافي ج‏8 ص37).
 
فتطمئنُّ نفسُ المؤمن، أنّ دُوَلَ الباطل المُتَكثِّرة لها أمدٌ ومُدَّةٌ، وإذا جاء أمرُ الله لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون، فتقرّ نفسه، ويكفّ عن استعجال ما أجّلَهُ الله تعالى.
 
2. أليس في هذا إسقاط للتكليف ؟!
 
فإن قيل:
أليسَ حلالُ مُحَمَّدٍ حلالٌ إلى يوم القيامة ؟!
ألا يكون في مثل هذا القول إسقاطٌ لتكليف المؤمن بلزوم نُصرَة إمامه ؟!
 
كان الجواب:
ليس في البين إسقاطٌ للتكليف، لأنّ تكليفَ المؤمنِ ليس هو طلب الملك والحكم والخلافة كي نقول بسقوطه بعد ثبوته، بل واجبُ كُلِّ أحدٍ اتّباع المعصوم، إن قامَ قاموا وإن قعدَ قعدوا.
 
ولو اتّبعوه فعلاً لانقادت له الأمور، فإن احتاج الأمرُ لحمل السلاح فهو الأعلمُ بموعد حمله، وإن استغنى عنه كان أعلمَ بحكم الله، فهو على كلّ تقدير أعلم الناس بشروط الأحكام، وعِلَلِها ووجوه المصلحة فيها.
 
ولو انقادت الأمّة له لاستغنى عن السلاح منذ اليوم الأول، فليس كلُّ خَلاصٍ يحتاجُ إلى حَمله، وقد قال الصادق عليه السلام:
 
لَوْ لَا أَنَّ بَنِي أُمَيَّةَ وَجَدُوا مَنْ:
1. يَكْتُبُ لَهُمْ.
2. وَيَجْبِي لَهُمُ الْفَيْ‏ءَ.
3. وَيُقَاتِلُ عَنْهُمْ.
4. وَيَشْهَدُ جَمَاعَتَهُمْ.
 
لَمَا سَلَبُونَا حَقَّنَا !
وَلَوْ تَرَكَهُمُ النَّاسُ وَمَا فِي أَيْدِيهِمْ مَا وَجَدُوا شَيْئاً إِلَّا مَا وَقَعَ فِي أَيْدِيهِم‏ (الكافي ج‏5 ص106).
 
فإنّ اتّباع الناس لبني أميّة وغيرهم من الظَّلَمة هو الذي كان سبباً في تقوية سلطانهم، وسَلبهم حقَّ آل محمد عليهم السلام، وتكليفُ النّاس دائماً وأبداً هو لزومُ اتّباع آل محمدٍ عليهم السلام، ولو اتَّبَعهم الناس لارتفعت كلُّ مصائب الدُّنيا، فليس هناك إسقاطٌ للتكليف بحالٍ من الأحوال.
 
3. ما حال الشيعة في زمن الغيبة ؟!
 
فإن قيل:
إن لم يكن الإمام حينها قادراً، فإنّنا اليوم قادرون، وشبابُنا خيرٌ ممّن كان مع الإمام حينها، فَلَئِن فَقَدَ الإمامُ النّاصِرَ في أيامه فأعرَضَ عن حمل السِّلاح لطلب الحكم، فإنّ القدرة متحقِّقَةٌ عندنا، فيختلف حكمنا عن حكمه لاختلاف الموضوع.
 
قلنا:
هذا قياسٌ باطلٌ في مدرسة الصادق عليه السلام، وفي شرع الله تعالى.
 
فإنّ الذي كلَّفَه الله تعالى بالقيام هو الإمام المعصوم المطهَّر عن العيوب، مع توفُّر شروطه ومنها القُدرة، وأمّا المأموم فمأمورٌ باتّباع إمامه لا بالقيام بنفسه.
وكلّ من سوى الإمام مأمومٌ ولو كان فقيهاً وعالماً، وأمرُ الأمّة بِيَدِ الإمام حصراً، إذ لو وجبت طاعة غير الإمام مطلقاً كطاعة الإمام، للزم صحة مدرسة السقيفة التي أوجبت طاعة غير المعصوم، أو سقوط أهم دليلٍ على بطلانها.
 
ومع غياب المعصوم، لا تصل النوبة إلى تكليف مَن سواه في ذلك.
والمؤمن اليوم ينتظر إمامه ليتَّبِعَهُ في كلّ حركةٍ أو سَكَنة.
فإن كان إمامنا غائباً أنطلب ما لم يطلب ؟! أم ننتظر أمره وأمر الله تعالى ؟!
 
إنّ هذا الحراك من اختصاصه عليه السلام، وكلُّ تساهُلٍ بذلك هو تجاوزٌ لحقّ الإمام، وقد قال الإمام زين العابدين عليه السلام: وَلَمْ يَكُنِ الرِّبَاطُ الَّذِي أُمِرْنَا بِهِ بَعْدُ، وَسَيَكُونُ ذَلِكَ ذُرِّيَّةً مِنْ نَسْلِنَا الْمُرَابِطُ (الغيبة للنعماني ص199).
 
ذاك هو الإمام الحجة عليه السلام، فلا ينازِعُ المؤمنُ السلاطين في غيبته، ولا يطلب المُلك من الأدنين والأبعدين، ويكتفي في زمن الغيبة بالدِّفاع عن أرضه وعرضه وماله وسائر إخوانه، وينتظر رايةً واحدةً يسير خلفها، والرُّعب أمامها، وهي راية الإمام الحجة عليه السلام.
 
وليست القوّة والشجاعة في حمل السلاح دائماً، فما كان عليٌّ في خيبرَ بأقوى وأشجع منه عندما كان جليسَ داره، وما كان الصادق عليه السلام إلا أقوى الناس عندما بثَّ علمه في الناس، فإن القوّة كلّ القوة في الصَّبر على أمر الله، وقد قال الصادق عليه السلام: أَ لَا تَعْلَمُ أَنَّ مَنِ انْتَظَرَ أَمْرَنَا وَصَبَرَ عَلَى مَا يَرَى مِنَ الْأَذَى وَالْخَوْفِ هُوَ غَداً فِي زُمْرَتِنَا (الكافي ج‏8 ص37).
 
نسأل الله أن يجعلنا وجميع المؤمنين في زمرتهم في الدّنيا والآخرة.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=169008
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2022 / 05 / 25
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 08 / 17