• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : شؤون عربية .
                    • الموضوع : مشيئة أحرار اليمن من مشيئة الله .
                          • الكاتب : محمد الرصافي المقداد .

مشيئة أحرار اليمن من مشيئة الله

عندما شن التحالف الذي يقوده النظام السعودي عدوانه على اليمن بتاريخ 26/3/2015 (1)كان المعتدون يعتقدون أنه مجرد فسحة سوف تنتهي خلال شهر على أقصى تقدير، لذلك اختاروا لها إسم (عاصفة الحزم) وللبرهنةِ على حزم قيادتها وسرعة أدائها، إنهالت فيها أحدث الطائرات الأمريكية والبريطانية والفرنسية بصواريخها الفتاكة، على كل متحرّك وجامد في اليمن، فلم تتْرُك هدفا عسكريا ولا مدنيا بما فيها البنى التحتيّة البسيطة، إلا دمّرتها على رؤوس أهلها، فكان ضحايا غاراتها المتكرّرة من النساء والولدان وكبار السنّ آلاف من المدنيين العُزّل، سقطوا غدرا نتيجة استهدافهم في قضاء شؤونهم بالأسواق أو بالمدارس أو بالمشافي أو بحفلات الزفاف، تحكي بكل مشاهدها وأحداثها المُدمِيَةِ للقلوب، حالة اليمن المظلوم التي وصل إليها، بين أشقاء خليجيين قاسية قلوبهم، لم يعُدْ فيها اعتبار لأواصر الدّم والدين والإنسانية.

إستغاث اليمنيون في أيام العدوان الأولى، وفي ظنّهم أنّ لندائهم آذان صاغية، فلم يجدوا من الدول العربية أذنا حاكمة صاغية تعبّر عن وقوفها إلى جانبهم ولو بكلمة حقّ، مع إدراك هؤلاء بأنّ ما تعرّض له اليمن عدوان شنيع، بل هو أكبر مظلمة وقعت في القرن الواحد والعشرين، والأدهى والأمَرُّ فيه، أنه جاء بأيدي أشقّاء لهم، لكنهم في المقابل لم يفصحوا عن ذلك، ولاذوا بالصمت خوفا من النظام السعودي، الذي يرى من يرى منهم أنه صاحب فضل عليهم، ويطمع من يطمع في أن يُغدق عليهم مساعداته، أو حتى بدافع الخوف أو بالتزلف إليه، من أجل أن تكون حِصّةُ بلاده في الحج أكبر مما هو مُحدد، وحتى الحج أصبح الذي تتصرّف فيه هذه الأسرة المتآمِرة حسب هواها، بابا من أبواب التجارة وطلب الدنيا بالدين.

ولقائل أن يقول لماذا أيّدت أمريكا ودول الغرب ثورات عربية مزيفة، وتوجّست خِيفة من الثورة اليمنية وأختها الثّورة البحرانية، وهما توأمان للثورة الحقيقية؟ وهو سؤال وجيه، سيعكس بالإجابة عليه الوضع الحقيقي لليمن، في ظل ثورة شعبية عجزت أمريكا وحلفاؤها عن كبح جماحها والسيطرة عليها، بأدعياء الثورة خطّطوا لإعاقتها، وهم في واقعهم عملاء الغرب وأذنابه، بينما لا يبدو الجواب بخصوص وضع البحرين صعبا، فهذا البلد الصغير في حجمه تابع للنظام السعودي، ولا يتصرّف في أيّ شأنٍ كان داخليا أو خارجيا من دون إذنه، ومن أراد أن يعرف موقف نظام البحرين من القضايا الإقليمية والدّولية، فليتعرّف على موقف النظام السعودي أوّلا منها، فهو متطابق تماما معه حتى في الصياغة اللفظية.

وفي المقابل، نجد النظام الإسلامي في إيران وحده، وقف منذ البداية مع الشعب اليمني، انتصارا لثورته التي أخرجته من جُحْرِ التبعيّة والعمالة وسوء العاقبة، إلى فضاء الحرّية والإستقلال بالقرارات السّيادية اليمنية، من دون تدخّل خارجي، مهما كانت درجة قربه العِرْقي أو الدّيني، وفكاك رقاب اليمنيين من قبضة زعيمة مجلس التعاون الخليجي، كشفت في العشرية الأخيرة، أنها تُدِيرُ مخطّطاتها وتنفّذها بأوامر أمريكية، مجلسُ تآمرٍ وعدوانٍ على جيرانه وأشقائه، سيء الطبع والنيّة في مجملِ بياناته التي تصدرُ تجاههم، ومتربّص بهم شرّا، من خلال تدخّلاته السّافرة في دولهم تآمرا عليهم، بما يخدِمُ مصالح الدّول الإستكبارية الغربيّة، في الحفاظ عليها والزّيادة في إيراداتها.

وما كان منتظَرا حصوله كنتيجة للعدوان - من جانب المعتدين - تأخّر كثيرا، ولم يتحقّق منه شيء، فلا اليمن خضع لإرادة النظام السعودي وتحالفه المجرم، ولا أمكنت هزيمة رجاله، الذين ركبوا الصّعاب، وتحملوا المشاقّ، ولازموا الصّبر، حتى كأنّ الصّبر استوطن قلوب أحرار اليمن، فلم يرضى مفارقتها، وكأنّي بذلك الرّجل الذي هبّ حافي القدمين، لا يملك سوى القليل من وسائل الدفاع عن حظوظ شعبه، قد جاءه مددٌ من السّماء، قلب المعادلة التي كانت في صالح قوى العدوان، وانقلب السّحر على السّاحر، فإذا الذي كان يستغيث بالأمس، وينادي من يقف معه في محنته ولو بكلمة، أصبح هو صاحب المبادرة في صدّ العدوان، وتلقينه دروسا في عدمِ الإستهانة بشعب يمنيّ مستضعف، دافع على حقوقه بما أوتي من قوّة، وإذا الذين بدأوا بالعدوان عليه، يبحثون اليوم على سبيل للخروج من المستنقع الذي أوقعوا أنفسهم فيه، وإذا الذين ورّطوهم بالأمس عادوا على أعقابهم يطلبون وقف القتال، وما ورّطهم فيه سوى أمريكا والصهاينة والغرب، لكن بأيّ ثمن سيخرجون من اليمن يا ترى؟

ويقترب مركز محافظة مأرب، العاصمة التاريخية لليمن(2) من التحرّر، من عملاء الغرب ومرتزقته، وبه تُسفّهُ أحلام أمريكا والنظام السعودي في السيطرة على نفط اليمن واستغلاله كأبشع ما يكون استنزافا لمورد حيوي هو من حقّ الشعب اليمني دون غيره، ومن آخر المواقع المحاصرة هناك تتعالى صيحات ونّداءات الإستغاثة، وتتردّد على ألسنة أمريكية غربية مخادعة، بضرورة وقف القتال قبل أن تسقط آمالهم منها، لكن كما لم يجد أحرار اليمن من قبلُ من كان على استعداد لسماع أصواتهم والوقوف معهم، لن يجد هؤلاء اليوم آذانا صاغية منهم للإستجابة إلى دعوتهم الملغومة بوقف القتال، والتي تعطي مجالا للمناورة من جانب المعتدين، ليستردوا أنفاسهم المهزومة، ويعملوا على تدارك ما فاتهم من خسائر.

وفيما يتّهِم حزب الإصلاح الإخواني حكومة هادي العميلة وقوى التحالف(3)، بخذلان المرتزقة المدافعين عن مأرب، يبدو الوضع العسكري في المحافظة محسوما، فهي بحكم الساقطة، في انتظار إعلان ذلك وتطهيرها مما تبقى فيها من المحاصرين، تُصبِح كفّة ميزان القوى راجحة اليوم لصالح الجيش اليمني ولجانه الشعبية بما فيها أنصار الله، وليس الحوثيين وحدهم كما يروّج لذلك الإعلام العالمي قَلْبًا للحقائق وتزييفا لما هو واقع فعلا، ولكن لن يطول الأمر، ففي اليمن رجال سيفرضون على دول العالم منطقهم اليمني منطق العزّة والإباء.

أرقام الخسائر المدنية التي لحقت بالشعب اليمني مهولة، وكأنّي بالمعتدين لم يقنعوا بفقر الشعب اليمني وقلّة ذات يده، فعزموا على زيادة تفقيره وتجويعه، أسلوبا جبانا ووحشيّا في اخضاع الشعوب، وتبدو المنظمات الأممية مؤسسات إحصاء فقط، ووسائل نقل صُحُفِيّة متواطئة مع قوى العدوان مقتفية آثارهم في تغطية جرائمهم، دون أيّ إعتبار للموقف اليمني وقرار شعبه السّيادي، في الدفاع عن ثورته ومكتسباتها من التحريف، وإعادتها إلى حيث كانت حقوقهم تداس بالنعال السعودية، بلا أدنى شفقة ولا رحمة.

واليمن اليوم أصبح رقما صعب التّجاهل من طرف أعدائه، فهو يمتلك زمام المبادرة، ويحقّق كل يوم تقدّما ونصرا جديدا، وسط ذهول عالمي كبير أمامه، وسؤال كبير: ماذا سيفعلون بعد أن ينتصر أحرار اليمن، وتصبح لهم شرعية الشعب مع شرعية الدفاع عن حقوقه، بوسائل لم تكن في حسبان المعتدين، أيعتذرون منهم - فيقبل اليمنيون العذر - أم يمضون في عدائهم، بعد هزائم الميدان بأساليب أخرى؟ على أيّة حال، مهما يكن من أمر هؤلاء الأعداء وما يخططون، فإنّ اليمنيين إذا اجتمعوا على أمر لن يثنيهم عليه أحد، مهما بلغ من الغطرسة والجبروت، فما بالُك بقوم اجتمعوا على فكر وأهداف إسلامية، تريد أن يعود اليمن إلى إطاره الديني والعقائدي، حرّا مستقلا في قراراته، عزيزا في مواقفه، مساهما في إنجاح قضايا أمّته المشتركة، وفي مقدّمتها قضية فلسطين.

 

المصادر

1 – عملية عاصفة الحزم - ويكيبيديا (wikipedia.org)

2 – مأرب (محافظة) - ويكيبيديا (wikipedia.org)

3 –اليوم السابع : عاجل: حزب الإصلاح يحمل التحالف مسئولية سقوط مدينة مأرب بيد قوات "أنصار الله" (alyoumal7.com)




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=161779
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 11 / 10
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 08 / 11