• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : تهذيب النفس  .
                          • الكاتب : الشيخ احمد الساعدي .

تهذيب النفس 

 الحمد لله الذي حمد في الكتاب نفسه  وافتتح بالحمد كتابته  وجعل الحمد أول محلّ نعمته وأخّر جزاء أهل طاعته وصلّ الله على محمد خير البريّة  وعلى آله أئمة الرحمة ومعادن الحكمة حجج الله تعالى على خلقة

شرطٌ أساسي لبلوغ المقامات الإنسانية الشامخة، والكمالات المعنوية الرفيعة، والسعادة الأبدية الخالصة. وهو بالدرجة الأولى تخلية النفس من الصفات والأخلاق السلبية والرذيلة والتحلي بالأخلاق الحسنة والفاضلة. والتقوى والطاعة لله سبحانه وتعالى هما الطريق الأسلم والمنهج الأقوم لمخالفة هذه النفس وترويضها حتى تصبح مطيّعةً لأمر الحق فلا تعمل بخلاف إرادته ومشيئته فتدخل بذلك في عباد الله الصالحين وتصبح مؤهّلة للتحلي بالأخلاق الحميدة والصفات الإلهية
حيث إن الاخلاق الحسنة تقوي العلاقات بين الأفراد وتزيد الثقة بينهم، فيصبح الإنسان واثقاً بأخيه وبأنه لن يغشه ولن يغتابه ولن يكذب عليه، فيطمئن إليه وتقوى علاقته به، كما ويصبح المجتمع بالأخلاق متمتعاً بالأمانة والنزاهة والإخلاص، فتقوى أواصر المحبة والمودة بين أفراده. تعتبر الأخلاق حدى مقومات شخصية المسلم
فهي تزرع في نفس صاحبها الرحمة والصدق والعدل والأمانة والحياء والعفة والتعاون والتكافل والإخلاص، والتواضع وغيرها من الأخلاق الحميدة، فالأخلاق الحسنة هي اللبنة الأساسية للفلاح والنجاح
وسلوك الإنسان والتزام اتجاه الله واتجاه مخلوقاته. ويترجم ذلك في آداء واجباته اتجاه ربه، ووالديه، ووطنه ومجتمعه. والتقوى هي أيضا ذلك الحب والاحترام الصادقين وهي دعائم الدين والإيمان التي تتجلى في سلوكات الإنسان وتصرفاته. كما أن التقوى هي تلك التضحيات التي نقدمها للوالدين وللآخرين دون انتظار المقابل حينئذ مرتبة فوق التقوى  ويشهد على إرادة الملكة من التقوى في عدة من الآيات والنصوص كثرة ذكر المتقين بصيغة الفاعل الظاهرة في إرادة الصفة دون الفعل وعد العمل بالوظائف الدينية من علامات المتقين ، ووقوع التصريح في بعض النصوص بأن التقوى في القلب وما أشبه ذلك كما أن القرائن قد تشهد على كون المراد بالتقوى في بعض النصوص  هو نفس الأعمال الخارجية كما ورد في تفسير التقوى عن الصادق [عليه السلام] « أن لا يفقدك الله حيث أمرك ولا يراك حيث نهاك » وسائل الشيعة ج11 ص189
فقد ورد في الكتاب الكريم  [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ] آل عمران 
وقوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} الحجرات
قال الله تعالى: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾
وجعل الله التقوى هي ميزان الحقِّ الذي يوزن به الناس لا ميزان الحَسَب والنسب والمال والشهرة فقال الله عز وجل   ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13]
وأن { وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ } [الأعراف : 26].
ثم إن الآيات الشريفة القرآنية ونصوص أهل البيت في المقام كثيرة جداً سيقت لبيان نفس التقوى وما يترتب عليها من الآثار الدنيوية والمثوبة الأخروية إن أساس الامتياز بين الناس في نظر الإسلام فليس التفوق بكثرة الأموال، ولا بالمتع الزائلة، وإنما هي بالتقوى وعمل الخير «إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم» الدلالة على الخير [وتعاونوا على البر والتقوى]
وقال تعالى في كتابه الكريم على فعل الخير والمسارعة إليه، ورتّب عليه الأجر العظيم والثواب الجزيل قال تعالى {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّـهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} كما أمر سبحانه بالدعوة إلى فعل الخيرات، فقال ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾
قال رسول الله صلى الله عليه وآله [من فتح له باب خير فلينتهزه، فإنه لا يدري متى يغلق عنه] 
قال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام [عليكم بأعمال الخير فتبادروها ولا يكن غيركم أحق بها منكم] 
وقال عليه السلام: [فعل الخير ذخيرة باقية، وثمرة زاكية] 
عن الإمام الكاظم [عليه السلام] إن لله تحت عرشه ظلا لا يسكنه إلا من أسدى إلى أخيه معروفا، أو نفس عنه كربة أو أدخل على قلبه سرورا [ بحار الأنوار ج ٤٨ - ص ١٧٤] 
يقول الإمام زين العابدين سلام الله عليه، في فقرة أخرى من دعاء مكارم الأخلاق «وأجرِ للناس على يديّ الخير، ولا تمحقه بالمنّ». والخير بعد ذلك مطلق ولما كان محلّى بالألف واللام فهو ظاهر في العموم أيضاً كما هو عليه جمهرة عظيمة من اللغويين والبلاغيين والفقهاء والأصوليين. فالخير ليس منحصراً بالمال والطعام والملبس والمسكن وحلّ المشكلات والأمور المادية والمعنوية الأخرى بل كلّ ما هو خير في منطق الإسلام يسأل الإمام من الله تعالى أن يجريه على يديه للناس
ثم إن الإمام سلام الله عليه بعد ذلك يقول إلهي أنت إذ وفقتني وأجريت للناس على يدي الخير فـ «لا تمحقه بالمن» أي احفظني من الشيطان ولا تكلني إلى نفسي فإني لا أستطيع النجاح مستقلاًّ عنك
إنّ فعل الخير بأنوعهِ المختلفة يُساعدُ كثيرًا على تنقية النفس البشريّة وتنظيفها من كل الصفات السيئة و إصلاح النفس بالتزكية والأخلاق: أي تربية النفس على الفضائل والمحامد كالعفة والحياء وطهارة القلب وحب المعروف والصدق والأمانة والصبر، وتزكيتها من المفاسد والأخلاق الذميمة ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس] فقد يبتدئ الإنسانُ بإصلاح نفسه بكلمة طيبة يقولُها لمن أساء إليه، وتكون تلك الخطوة السهلةُ طريقاً للوصول إلى منهج إصلاح ذات 
تَقويّةُ العلاقةِ باللهِ تعالى والارتباطِ به على وَجَهِةِ الحَقِّ والطّاعةِ والإخلاصِ في النيَّةِ والفِعلِ فهُناكَ علاقةُ الخوفِ وهُناكَ علاقةُ الرَجَاءِ والمَحبةِ وهُناك الشعورُ بالرقابةِ الإلهيّةِ وهُناك حُسنِ الظنِ باللهِ تعالى كما قال في كتابه الكريم {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحجرات.] 
وينبغي للمرء أن يأنس بكتبٍ ثلاثة يتزوّد منها بالتأمّل والتفكير كما ارشدنا سماحة المرجع السيد علي السيستاني دام ظله 
1  القرآن الكريم فهو آخر رسالة من الله سبحانه إلى خلقه وقد أرسلها إليهم ليثير دفائن العقول ويفجّر من خلالها ينابيع الحكمة
2 نهج البلاغة فإنّه على العموم تبيين لمضامين القرآن وإشاراته بأسلوب بليغ يُحفّز في المرء روح التأمل والتفكير والاتّعاظ والحكمة
3 الصحيفة السجّادية فإنّها تتضمّن أدعية بليغة تستمدّ مضامينها من القرآن الكريم وفيها تعليم لما ينبغي أن يكون عليه الإنسان من توجّهات وهواجس ورؤى وطموح

من أقوال الإمام الخميني [قدس سره] 
لو أراد الإنسان أن يهذب نفسهُ  لأن العلم لا يهذب الإنسان بل قد يبعث به الى جهنم ، وعلم التوحيد قد يرسل الإنسان إلى جهنم ، وعلم العرفان قد يرسل الإنسان إِلى جهنم. وعلم الفقه احياناً يرسل الإنسان إلى جهنم ، وعلم الأخلاق أحيانا يرسل الإنسان إلى جهنم ، فالانسان لا يصلح بالعلم  بل يحتاج الإنسان إلى التزكية {] يزكيهم [} لأن التزكية مقدمة على كل شيء 

ثم يقول السيد الإمام [قدس سره] في كتابه هنالك سبعة أقاليم تدور فيها المعركة ، فمن المعلوم أن المعارك لها ساحات قتال  وساحة قتال الجهاد الأكبر عبارة عن - الأذن - والعين - واللسان  والبطن - والفرج - واليد - والرجل.. أي أن كل هذه الأعضاء ساحات للقتال مع الشياطين وجنود الشياطين..
فهذا تصوير عام للمعركة  والفوز في هذه المعركة يعني الخروج بالتزكية إذ أن التزكية في هذه المعركة تساوي القضاء على العدو في المعركة الأخرى..
وتزكية النفس تتمّ باتّباع تعاليم الدين والنيّة الخالصة لله واتّباع أوامره ونواهيه وإمامنا الباقر [عليه السلام] يرشدنا إلى مقوّمات تلك التزكية فطالب التزكية لابدّ له مِن استاذٍ مرشدٍ عارفٍ بالأمراض النفسية وعلاجاتها, يشخص مصالح الامور ومفاسدها ولهذا ورد عن أحد المعصومين هلَكَ مَن ليس له حكيم يرشده
قال الإمام الصادق [عليه السلام] 
إذا فرغت من صلاتك فقل : اللهم . . . أسألك أن تعصمني من معاصيك ، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا ما أحييتني ، لا أقل من ذلك ولا أكثر ، إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحمت يا أرحم الراحمين....
والتزكية تعني تهذيب النفس باطناً وظاهراً في حركاته وسكناته.

أتمنى من الله تعالى أن أكون قد استطعت توضيح كافة الجوانب التي تتعلق بهذا الموضوع وأن أكون قدمت معلومات مفيدة وقيمة




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=160585
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 09 / 27
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 11 / 29