• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : جديد العَروض في هندسة العَروض من جديد الجزء الأول .
                          • الكاتب : د . نضير الخزرجي .

جديد العَروض في هندسة العَروض من جديد الجزء الأول

 لكل مادة علمية مصطلحاتها يعرفها من يتعامل معها ويعايشها وتعصى على الفهم لدى عامة الناس، وربما عرفها البعض عرضياً من باب الثقافة العامة، دون أن يتعرف على كامل مضامينها، والأدب لا يختلف عن غيره من مواد المعرفة فيه من المصطلحات والمفردات يستدل عليها العارف بها، والمشتغل بها يقف على مضامينها، بعضها أو كلها.
وتتوفر في الأدب المنظوم مجموعة من المصطلحات دالةٌ عليه من قبيل القافية والوزن والروي والعروض، ولكل مصطلح مفهوم ومصاديقه، وهي محل ابتلاء الشاعر ونظمه والحاكمة عليه لا يجد عنها فكاكاً؛ ومن المفارقات الظريفة أن عدداً غير قليل من شعراء القريض تتوفر قصائدهم على كامل الموازين، لكنهم يعجزون عن معرفة الأوزان الشعرية والبحور؛ لأنَّ البديهة ديدنهم في النظم والإنشاء، وقوافيهم تنساب على بعضها دون قياسات مسبقة أو حدود ثابتة، فهي كامنة في ضميرهم الشعري، وهذا ما كان عليه الشعراء في عصر ما قبل الإسلام وبعده حتى جاء الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي (100- 173هـ) ووضع الأوزان الشعرية وبحورها بالنظر إلى إيقاع كل بيت، واستمر الأمر بعده، ولهذا فإن معرفة المصطلحات والثبت من جزئياتها لها أصحابها وعلماؤها، فربما كانوا من طبقة الشعراء أو عموم الأدباء، فالشعر العربي قائم على عمودي الوزن والقافية، فإذا كانت الثانية معروفة من خلال الحرف الهجائي لخاتمة البيت، فإنَّ مربط الفرس في الأولى كون الوزن الشعري وهو ما يعبر عنه بالعَروض أو ميزان الشعر أو الإيقاع الشعري له خبراؤه وهم في نادي الشعراء عملة صعبة.
ولأن العروض أو الوزن له قياساته التي لا ينبغي الخروج عن سياجه وبه يقوم البناء الشعري، فيصح حينئذ وصفه بهندسة العروض؛ لأن الهندسة دالة على حسن الأسس التي يقوم عليها البناء، والبيت الشعري في حقيقته أشبه بالبيت المسكون، فما كانت هندسته مضبوطة والمواد المستعملة فيه وفق قياسات موزونة، كان بناؤه حسنا رصيناً يعجب الساكنين والناظرين ومهوى القلوب على تنوع آمالها وأحلامها وتفجعاتها.
وإذا كان ابن الجنوب العراقي في البصرة الفيحاء الخليل الفراهيدي قد حصر الأوزان الشعرية الخمسة عشر: الوافر، الكامل، الهزج، الرجز، الرمل، السريع، المنسرح، الخفيف، المضارع، المقتضب، المجتث، الطويل، المديد، البسيط، والمتقارب، في ثمان تفعيلات وهي: (فعولن، فاعلن، مفاعلتن، متفاعلن، مفاعيلن، مستفعلن، فاعلاتُنْ، مفعولات)، فإن ابن وسطها في كربلاء المقدسة والمولود فيها سنة(1947م) العروضي الدكتور محمد صادق الكرباسي تمكن من التوسع في التفاعيل والبحور والأوزان، ليصل بالتفعيلات إلى(43) دائرة بحرية تولدت عنها(210) بحور، وكما يقول الشاعر الجزائري الدكتور عبد العزيز شبِّين وهو يقدم ويعلق على كتاب (هندسة العروض من جديد) الصادر عام(1432هـ -2011م) عن بيت العلم للنابهين ببيروت (لبنان)، ومكتبة علوم القرآن بكربلاء المقدسة (العراق) في(391) صفحة من القطع الوزيري: (أخذ كل وزن منها شكلاً إيقاعيا خاصاً، عُرف ببحر مستقل، اشتق له المؤلف اسماً مُستخلصاً من نعت البحر أو الوزن ذاته، وقبل أسماء البحور اشتق للدوائر المستحدثة أسماؤها، المستوحاة من نعوت فنية وشكلية تربط بين كوكبة من البحور بعلائق متعددة في دائرة واحدة).
ويمثل كتاب (هندسة العروض قراءة جديدة) أحد أضلاع مثلث في قواعد الشعر العربي وفنونه صاغها يراع الكرباسي، ضلعاه الآخران هما كتابا (الأوزان الشعرية العروض والقافية) في(719) صفحة و(بحور العروض) في(157) صفحة، وكلاهما من القطع الوزيري، والثلاثة صدرت في آن واحد، مع التأكيد أن الكرباسي انطلق في اكتشافاته العروضية الجديدة من عروض الخليل الفراهيدي وتفعيلاته الثمان، لكن لم يقع تحت تأثير سحرها المانع عن الجديد لإيمانه الكامل: (إن التفعيلات هذه ليست مقدسة، فبالإمكان استحداث ما يمكن شرط أن تتقبله الآذان الحرة وصفاء القلوب)، وقد ترجم هذا الفتح العَروضي في بيت من الشعر كان شاهداً على (بحر المهزّج) وهو مما ابتكره:
هل أتى حديثٌ في القوافي مستنهضاً *** أم أتاكَ نهيٌ عن عروضي مُسترفضا
وهذا ما جرى عليه قلمه، فاستشهد لكل بحر جديد ببيت شعر، ولأن البحور مستحدثة فإن الشاهد كان من نظمه مع شروحات للأديب (عبد العزيز شبّين)، وفي حقيقة الأمر أن الكرباسي تعامل مع التفعيلات كما يتعامل الإنسان مع العجينة لها أن يشكلها كيفما يشاء بما يعجب الناظر دون أن ينقص من وزنها أو حجمها؛ وهو بذلك يفتح الآفاق أمام الأدباء والشعراء وبخاصة الراغبين في معرفة هندسة العروض بعامة، وقواعد الشعر العربي بعامة.. ولذلك لا يرى الأديب الجزائري (شبّين) بُدّاً من الإقرار أن الكرباسي بما جاء به في هندسة العروض من جديد لم تستوعبه ذاكرة التاريخ في شعرنا العربي: (فحق أن يُلقَّب بالخليل الثاني اعترافاً بعبقريته في تحديث هذا العلم، والخروج به من دائرة الإنغلاق، والسمو به إلى أفق الإنفتاح، شارحاً للناشئة معالمه وفصوله، باسطاً بين أيديهم مفاتيح فهمه، وأشرعة الغوص في بحار معانيه).




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=159001
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 08 / 06
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 11 / 28