• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : قضية رأي عام .
              • القسم الفرعي : قضية راي عام .
                    • الموضوع : إنها سلطة الإمارة الإسلاموية يا تشومسكي! .
                          • الكاتب : نجاح بيعي .

إنها سلطة الإمارة الإسلاموية يا تشومسكي!

 ـ(تتسارع الأحداث وتتفاقم الأزمات ويمر البلد بأخطر المنعطفات)(1).

وما كان بعدها أمر وأدهى..
وما راعني في فاجعة مستشفى الحسين في محافظة ذي قار, إلا تلك الأصوات السياسية (البوليفونية) المتعددة التي صاحبت المشهد الأسود, وهي ذات الأصوات المصاحبة لجميع الفواجع والكوارث المتسلسلة ذات الإيقاع المتسارع والمتفاقم في طول البلاد وعرضها. الأمر الذي زاد من ظلمة المشهد وحلكته, ويضع المرء (المواطن) وجهاً لوجه أمام حقيقة (المأساة الكبرى) التي يعيشها, من أن العراق بما (فيه) و(به) هو في طريق الحرق والإحتراق وتحوله الى رماد بالجملة يوماً ما, والأمر هو مسألة وقت لا غير.
والغريب في فاجعة المستشفى هو أننا لم نسمع لتلك الأصوات السلطوية النشاز نأمة في  الساعات الأولى للحريق وفي طول ذلك الليل الثقيل والمشبع بالموت والنار والدخان, فلم يكن يتناهى الى المسامع حينها إلا هسيس تلك النار المتأججة التي شبت كوحش نهم للموت, بين ظهراني مرضى (كورونا) العواجز في مستشفى العزل, وأطبقت ألسنتها الهائجة عليهم من كل جانب, مصحوبة بصراخ استغاثاتهم المكتومة وأنينهم المؤود, ممزوجا ً بصراخ ونحيب ذويهم الذي راح أدراج رياح السموم , فليس باليد من حيلة حيث لا منقذ هناك.. ولم يمض وقت طويل حتى خيم الموت وجثم الدمار والرماد كلية على المكان الذي صار كساحة حرب ملعونة لا تشبه أي ساحة حرب قذرة تقليدية مما نعرفها.
ولكن.. وبعد سويعات من الفاجعة, خرجت تلك الأصوات السياسية (البوليفونية) المتناقضة والنشاز من أقبائها النزقة, وملئت أصدائها المبحوحة كلا الفضاءين الحقيقي والإفتراضي معا ً, أصوات وكأنها أفلتت من عقالها بلا حياء أو خجل كما يفلت البعير الهائج من عقاله, وراح كل صوت يرفع عقيرته المغرضة ليبرر بوطنية شوهاء زائفة وحرص أخرق الفشل والفساد والدمار في البلد, أمام صوت آخر رفع عقيرته هو الآخر ولم يستحي ولم يخجل, ليرد بردود يجترها اجتراراً لم تعد تنفع أو تصمد أمام آلام ومواجع المواطن المتفجرة, حتى بات على يقين بأن جميع تلك الأصوات الرعناء والنشاز إنما اتقنت التهريج والرقص على الجراح فتبادلت أدوار الخديعة والتسويف والمماطلة وخلق الإسباب وتعليقها على شماعة الآخرين تشبثا ً بالسلطة وعضاً بالنواجذ على النفوذ وانبطاحا ً للأجندات الخارجية.
فمع بروز صوت (بوليفوني) سلطوي ينسب ويرجع المأساة الى (الفساد المستحكم وسوء الإدارة..) في البلد, من غير أن يتهم إسم أو جهة أو طرف, الأمر الذي يجعل من كلامه في نظام (المحاصصة السياسية) الذي هو احد أقطابه, في خانة الإستهلاك الإعلامي والمدافع عن الفساد والفاسدين وأن مداخلته البليدة التي أطلقها لا تعدوا المضي على قاعدة (إبراءً للذمة وإصابة للسنة).
بينما نسمع صوت آخر لا يقل قطبية عن الأول في نظام المحاصصة السياسية, يتناغم ويتخادم معه فينسب الفاجعة الى (الفشل) والى الفشل الكارثي منه, من دون تحديد جهة ما أيضا ً, أو طرف أو إسم ما تورط في ذلك الفشل. فيكون الصوت الأول والثاني عنوانا الفشل ذاته في الدولة العراقية مما لا ريب في ذلك.
وتمضي ساعات الهرج والمرج الإعلامي والتراشق البذيء بينهم, ونمضي ويمضي المفجوعون استغراقا ً بالفاجعة, ومع اندحار ألسنة النيران عند آخر الليل البهيم, وانفراج الدخان الأسود الخانق عن المكان, وإذا الجميع يقف عند أكثر من (40) جثة محترقة معلومة الهوية, وأكثر من (21) جثة متفحمة مجهولة الهوية, وأكثر من (75) مصاب, وجل هؤلاء الضحايا من (الناس) المواطنين (الكسبة) و(ربات البيوت) من النساء.
فما بين آهات الحزن وصرخات الألم  الممزوج بالغضب العارم لذوي الضحايا وغيرهم (اللهُ أكبر ياعلي والأحزاب حركونه) صدحت أصوات (أثيرية) من هنا وهناك وتعالت كخافيش الظلام, وكأنها على موعد واتفاق ترمي بكرة اللوم والتقصير والفساد بما في ذلك فاجعة الحريق على الحكومة, والى جهة الحكومة فقط لا غير. ليرتفع بالمقابل صوت الحكومة عاليا ً ويرد الكرة عليهم بضربة أقوى, متهما ً أطرافا ً لم يسمها بأنهم ابتعدوا عن المبدأ الأخلاقي والإنساني وأنهم (يبغونها عوجا ً)على مبدأ شريعة الغاب, وأن الوطنية الحقة لا تتقبل فكرة أن يتعمد العراقي قتل أخيه من أجل هدف سياسي. ليختم الصوت الحكومي بالقول: (لعنة الله على كل منفعة أو منصب تجعل الإنسان يستهتر ويستخف بدم أخيه).
ويعلو صوت آخر مناصر لصوت جبهة الحكومة يقف بالضد من نوعه الآخر, يُحمّل الحكومات المتعاقبة السابقة مسؤولية جميع الكوارث للتركة الشاذة التي خلفوها وتركوها ومنها فاجعة حريق مستشفى الحسين. الأمر الذي يُعيد الى الأذهان نظرية (المؤامرة) الداخلية, التي جهد الفرقاء السياسيين أن يدفعوها عن أنفسهم بكل صورة, ويلصقونها بأطراف خارجية كأميركا وإسرائيل وغيرهما. وأن الذي يجري إنما صراع سياسي منحرف وتنافس خبيث من أجل المكاسب السياسية والإمتيازات الحكومية, ويدفع ثمنها دائما ً المواطن العراقي البسيط.
ـ و(تتسارع الأحداث وتتفاقم الأزمات ويمر البلد بأخطر المنعطفات)!.
ـ والسؤال هنا:
هل فعلا ً الذي جرى ويجري من أزمات وكوارث وفواجع متنوعة ومختلفة ذات وقع متسارع مخيف مؤامرة؟. مؤامرة غطت وشملت الأصعد كافة منها أمنية وعسكرية ومالية واقتصادية وبيئية واجتماعية والقائمة تطول وتطول وتطول؟. مؤامرة شغلت الناس عن أنفسهم وفقدوا الأمل بالحياة لفقدانهم أبسط مقومات العيش الكريم حتى كانوا بمواجهة الموت بكل صوره وأشكاله المرعبة, ولم تزل تتراكم وتتفاقم الأزمات منذ أكثر من ثماني عشرة سنة؟. مؤامرة أبطالها وأقطابها الفرقاء السياسيين جميعا ً ومن أجل مكاسب سياسية رخيصة؟.
ـ هل فعلا ً مؤامرة؟.
ـ نعم مؤامرة!
بل سلسلة مؤامرات! وأن الطبقة السياسية العراقية تتحمل كامل المسؤولية عن ذلك:
-(من المؤكد أنّه لولا استشراء الفساد في مختلف مؤسسات الدولة ولاسيّما المؤسسة الأمنية، ولولا سوء استخدام السلطة ممن كان بيدهم الأمر لما تمكن تنظيم داعش الارهابي من السيطرة على قسم ٍكبير ٍمن الأراضي العراقية، ولما كانت هناك حاجة الى دعوة المرجعية العليا للعراقيين الى الإلتحاق بالقوات المسلّحة للدفاع عن الأرض والعِرض والمقدسات)(2).
ـ بل أن الطبقة السياسية متورطة بالفعل بتلك المؤامرات التي دفع ولم يزل يدفع ثمنها الشعب العراقي: (قد آن الأوان للأطراف الداخلية والخارجية التي حاولت أن تتخذ من العنف وسيلة لتحقيق أهدافها السياسية من خلال استهداف المدنيين بالسيارات المفخخة والعبوات الناسفة والمجرمين الإنتحاريين لغرض إشاعة الفوضى واشغال الأجهزة الأمنية وتعطيل العملية السياسية ثم جربت الظاهرة الداعشية كوسيلة لتحقيق هذه الأهداف وقد فشلت في كل ذلك . لقد آن الأوان لهذه الأطراف أن تعيد النظر في حساباتها وتترك هذه المخططات الخبيثة التي لم تؤدِ ولا تؤدي إلا الى مزيد من الدمار ووقوع أفدح الخسائر وأعظم الأضرار في الأرواح والممتلكات)(3).
ـ و(إنّ هناك أطرافاً وجهاتٍ داخلية وخارجية كان لها في العقود الماضية دور بارز في ما أصاب العراق من أذىً بالغ، وتعرض له العراقيون من قمعٍ وتنكيل، وهي قد تسعى اليوم لاستغلال الحركة الإحتجاجية الجارية لتحقيق بعض أهدافها..)(4).
ـ و(تتسارع الأحداث وتتفاقم الأزمات ويمر البلد بأخطر المنعطفات)!.
على يد من أتقن الرقص على الجراح وأمِن العقاب من الفرقاء السياسيين, الذين فاقوا نهج (ميكيافيلي) بتطبيق القاعدة الخسيسة (الغاية تبرر الوسيلة) بالحفاظ على السلطة والنفوذ, بالتوسل بوسائل البطش والطغيان وكل ما هو لا أخلاقي ولا إنساني ولا ديني, فقواعد ميكيافيلي مثل (السياسة لا علاقة لها بالأخلاق, وإذا كان يجب إيذاء شخص فلتكن الأذية شديدة بحيث لا يقوى على الإنتقام) أصبحت من أدبيات الحفاظ على السلطة الكلاسيكية القديمة.
بل لم تعد استراتيجيات (نعوم تشومسكي) العشرة للتحكم بالشعوب, كـ(استراتيجيّة الإلهاء وابتكار المشاكل والتدرّج واستراتيجيّة المؤجّــَـل ووووو) تجدي أو تلائم شعب مثل شعب العراق!. وأنهم ينتمون بحق الى مدرسة (عبد الله بن عامر) أحد ولاة ومستشاري الخليفة الثالث (عثمان) والذي غفل عن نظريته التي تحفظ وتصون السلطة (الدينية والدنيوية) معا ً أمثال ميكيافيلي ونعوم تشومسكي وغيرهم, إلا (خلفاء الله على الأرض وأمرائنا وزعمائنا وقادتنا) الإسلامويين عبر التاريخ والى اليوم.
ـ و(تتسارع الأحداث وتتفاقم الأزمات ويمر البلد بأخطر المنعطفات)!.
وموجز القصة التاريخية التي ألهمت إسلامويّ العراق في التشبث بالسلطة على حساب الشعب والمقدسات بالبطش والطغيان هي:
ـ أن أناسا ً من المسلمين في صدر الإسلام الأول اجتمعوا و(تذاكروا أعمال عثمان وما صنع، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا إليه رجلا يكلمه ويخبره بأحداثه، فأرسلوا إليه رجلاً يكنى بـ(العنبري) وهو الذي يدعى (عامر بن عبد قيس) فأتى الخليفة الثالث فدخل عليه فقال له: (إن ناساً من المسلمين اجتمعوا فنظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبت أموراً عظاماً فاتق الله عز وجل وتب إليه وانزع عنها).
ـ قال له عثمان: أنظر إلى هذا فإن الناس يزعمون أنه قارئ ثم هو يجئ فيكلمني في المحقرات فوالله ما يدري أين الله؟.
ـ رد عليه عامر وقال: أنا لا أدري أين الله؟!
ـ قال الخليفة: نعم، والله ما تدري أين الله. 
ـ قال عامر: بلى والله إني لأدري إن الله بالمرصاد لك.
هنا.. أرسل عثمان إلى ثقاته ووزرائه ونصحائه أمثال: معاوية بن أبي سفيان, وإلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح, وإلى سعيد ابن العاص, وإلى عمرو بن العاص, وإلى عبد الله بن عامر. فجمعهم ليشاورهم في أمره وما طلب إليه وما بلغ عنهم فلما اجتمعوا عنده قال لهم:
ـ إن لكل امرئ وزراء ونصحاء وإنكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي، وقد صنع الناس ما قد رأيتم، وطلبوا إلي أن أعزل عمالي وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبون فاجتهدوا رأيكم وأشيروا علي.
ـ سأكتفي بنقل رأي وكلام (عبد الله بن عامر) دون البقية لأنه محل الشاهد هنا.
ـ فقال عبد الله بن عامر للخليفة وكان الأول: رأيي لك يا أمير المؤمنين! أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك, وأن تجمرهم في المغازي حتى يذلوا لك، فلا يكون همة أحدهم إلا نفسه, وما هو فيه من دبرة دابته وقمل فروه.
ـ فما كان من الخليفة (عثمان) إلا أن استحسن الرأي وأمضى كلام (عبد الله بن عامر) وانفذ ورد عماله على أعمالهم, وأمرهم بالتضييق على من قبلهم وأمرهم بتجمير الناس في البعوث، وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه ويحتاج إليه)(5).
ومن هذا المنطلق وبعد أن ألمحت المرجعية العليا بأن (داعش) لم تكن إلا (مؤامرة) خسيسة سيقت ضمن سلسلة المؤامرات التي لا تنتهي ضد الشعب العراقي, أنتجتها مطابخ (سوء استخدام السلطة ممن كان بيدهم الأمر) وتجريب (الظاهرة الداعشية) من قبل بعض الفرقاء السياسيين, و(استشراء الفساد في مختلف مؤسسات الدولة) وتكريسه من قبل الطبقة السياسية الفاسدة, وردعتها بإطلاق الفتوى المقدسة ضدها, فالأمر لم يزل موصول مع الفساد والفاسدين وأن الردع هنا أشد وأقسى كون معركة الفساد لا تقل ضراوة وشراسة عن معركة الإرهاب ذاتها: (إن المعركة ضد الفساد ـ التي تأخرت طويلاً ـ لا تقلّ ضراوة عن معركة الارهاب إن لم تكن أشد وأقسى، والعراقيون الشرفاء الذين استبسلوا في معركة الارهاب قادرون ـ بعون الله ـ على خوض غمار معركة الفساد والانتصار فيها أيضاً إن أحسنوا ادارتها بشكل مهني وحازم)(6).
ـ و(تتسارع الأحداث وتتفاقم الأزمات ويمر البلد بأخطر المنعطفات)!. 
ولا بد للمنعطف الخطير من نهاية!
ــــــــــــــــ
ـ(1) خطبة جمعة كربلاء الثانية في 3/1/2020م:
https://www.sistani.org/arabic/archive/26374/
-(2) أسئلة وكالة الصحافة الفرنسية وأجوبة مكتب سماحة السيد السيستاني (دام ظلّه) عليها:
https://www.sistani.org/arabic/archive/25159/
ـ(3) خطبة جمعة كربلاء الثانية في 1/1/ 2016م:
https://alkafeel.net/inspiredfriday/index.php?id=245
ـ(4) خطبة جمعة كربلاء الثانية في 8/11/2019م:
https://alkafeel.net//inspiredfriday/index.php?id=466
ـ(5) بتصرف عن: كتاب الغدير للشيخ الأميني رحمه الله ج ٩ ص52 ـ 53 ـ ٥٤
اضغط هنا 
ـ(6) خطبة النصر جمعة كربلاء في 15 كانون الأول 2017م:
https://www.sistani.org/arabic/statement/25875/




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=158342
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 07 / 21
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 10 / 18