• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : الخواطر القلبية أو حديث النفس .
                          • الكاتب : يحيى غالي ياسين .

الخواطر القلبية أو حديث النفس

يتحدث الإنسان مع نفسه كثيراً ، يناقش فكرة او يلحّ عليه موضوع معين ، تهجم عليه خواطر وأحاسيس ، يخطط لأمر ما ويتوقع حدوث سيناريو معين .. الخ ، كل هذا وغيره نعرفه وجداناً ونعيشه في كل لحظة من حياتنا وهو مما لا يحتاج في وجوده الى إثبات أو تعريف أو شرح أو توضيح ..

نعم ، حديث النفس يحتاج الى إدارة جيدة وقيادة قوية ومهارة في التعامل معه من أجل توجيهه بالشكل الأفضل والإستفادة منه بأحسن وجه ممكن ، وإلّا فالخواطر سلاح ذو حدين ، فقد تفتك بصاحبها وتفعل فيه فعلتها ، وقد ترتفع به الى مستويات عاليه من تهذيب النفس وكمال الروح بل وسعادة الحياة بالكامل ( ١ ) ..

ما يهمّنا هنا هو مناقشة تلك الأحاديث النفسية والمحادثات السرية التي تطلق لسانها الخفي عنوةً في كثير من الأحيان مع صاحبها ، فتزرع في نفسه الشكوك والوساوس ، أو تنفث فيه الظنون السيئة ، أو تزيّن له القبيح وتُحسّن له السيء ، تتسلسل معه في إنكار معتقد او ارتكاب محرّم والعياذ بالله أو التورّط بجريمة .. ولا نريد هنا ضرب الأمثلة بقدر ما نريد أن ننوّه لها إجمالا ..

هذه الخواطر السلبية من حيث المبدأ ليست حالة مرضية عند الإنسان ولا ظاهرة طارئة أو عارضة عند بعض الأفراد ، وبالتالي فلا الله تعالى يُحاسب على أصل وجودها وطروّها ( ٢ ) ، ولا ينبغي للشخص ايضاً محاسبة نفسه او إشعار نفسه بأن عنده مشكلة ..

نعم .. المشكلة تصبح عندما يُطلِق الشخص لهذه الأحاديث العنان ، ويسترسل معها ويسقي الظنون بالظنون ، ويحلّق في اجواءها وسماءها وتصبح لديه حالة وطبيعة وتترتب عليها آثار ونتائج حقيقية وخارجية وواقعية .. فهنا تصبح من أمراض القلوب وعوارض النفس التي تحتاج الى تدخل قوي وسريع ..

واختصاراً ، يمكننا أن نعطي بعض أهم طرق التعامل مع هذه الخواطر والاحاسيس السيئة والتي تُساعد على إدارتها وقيادتها كما قلنا بالشكل الجيد والناجع ( ٣ ) ، وسنجعلها على ثلاثة مستويات :

المستوى الأولى : قطع سلسلتها لحظة حدوثها والإنتباه لها ، ومحاولة الإنشغال بغيرها من الخواطر الحسنة ( ٤ ) ، فحديث النفس يبدأ بخطرة واحدة ثم يصبح سلسلة من الخواطر وحديثاً طويلاً ثم يتطور الى رغبة ثم يصبح قناعة وعزيمة ثم آثار خارجية .. وقطع كل مرحلة سابقة يكون أسهل وأيسر من المرحلة التي بعدها ..

المستوى الثاني : المعرفة من أفضل الاسلحة في مقاومة الأحاديث السيئة ، فتارة تكون المعرفة من خلال معرفة العواقب السيئة التي تنتج عن موضوع الخاطرة المعينة اذا ما تطورت وتسلسلت ، أو تارة تكون المعرفة عبارة عن معلومات وثقافة وعلم تردّ على تلك الاسئلة الغريبة والجهولات المفتعلة والظنون السيئة ، وبالتالي ستُردّ الأحاديث النفسية بأحاديث عقلية ..

المستوى الثالث : علاجات إسلامية ومعالجات روحية دينية علّمنا بها الإسلام لمقاومة هذه الهواجم غير المرغوب بها ، نذكر منها /

● ينبّهنا القرآن الكريم بأنّ الله تعالى على علم وإطلاع كامل بأحاديث النفس ، وهو أسلوب ردع جميل يساعد الفرد على مجابهة تلك الأحاديث ، ففرق بين أن يشعر الإنسان بأن لا أحد يعلم ما في نفسه وبين أن يعلم أن الله تعالى خالق الخلق مطّلع على ذلك ، وكفى بالله رقيباً وشهيدا ، قال تعالى ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) ق ١٦ .

● قراءة وكتابة سورة الناس ، عن الإمام الصادق ع : من قرأها في منزله كل ليلة ، أمِن من الجنّ والوسواس ، ومن كتبها وعلّقها على الأطفال الصغار حفظوا من الجان بإذن الله تعالى . تفسير البرهان للبحراني ج١٠ ص٢٨١

● عن الإمام الصادق (عليه السلام) : ( جاء رجل إلى النبي ص وآله ، فقال : يا رسول الله .. قد لقيت شدة من وسوسة الصدر ، وأنا رجل مَدين مُعيل مُحوج ، فقال له : كرر هذه الكلمات : « لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، تَوَكْلتُ على الحَيِّ الذي لا يَمُوتُ ، الحَمْدُ للهِ الذي لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَداً ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيُّ مِنَ الذُلِّ ، وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً ».. فلم يلبث أن جاءه فقال : أذهب الله عني وسوسة صدري ، وقضى عني ديني ، ووسَّع عليَّ رزقي ) . ميزان الحكمة ، ج ٤ ، ٣٥٢٦

● عن الإمام علي (عليه السلام) : ( صوم ثلاثة أيام من كل شهر - أربعاء بين خميسين ، وصوم شعبان - يذهب بوسواس الصدر ، وبلابل القلب ) الخصال ٢ / ٦١٢ / ١٠

● عن الإمام الصادق (عليه السلام) - وقد سئل عن الوسوسة وإن كثرت : لا شئ فيها ، تقول: لا إله إلا الله . الكافي ج٢ ، ٤٢٤

وغيرها الكثير من الروايات التي تنوّع لنا العلاجات والأذكار الرادعة لهكذا وساوس وأحاديث نفسية ، أعاذنا الله وإياكم من كل سوء ، قل اعوذ برب الناس ، ملك الناس إله الناس ، من شر الوسواس الخناس .

_________ 

( ١ ) فالدردشة مع النفس او الحديث الداخلي كما يسمّيه علماء النفس يكون ضرورياً أحياناً ، لأنه بالتالي تفكير وإعمال للعقل .. وهذا مما لا يمكن الاستغناء عنه ، بل بعضه قد ندبنا إليه الدين والشريعة ، كمحاسبة النفس قبل النوم مثلاً ..

( ٢ ) راجع الميزان ، تفسير آية ( لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) البقرة ٢٨٤ .

( ٣ ) تركنا في هذا المنشور الطرق العلاجية التي قد يقدمها علم النفس او الطب النفسي وما شاكلها ، وهي بالتأكيد لا تخلوا من فائدة خاصة اذا كانت مستندة على أبحاث وتجارب علمية رصينة ..

( ٤ ) كما في حديث النفس عند الصلاة مثلاً ، فإن كان ولا بد من الانشغال عنها بحديث داخلي قهري ، يمكننا أن نفكر بحديث حسن فيه رضا الله تعالى ، فيكون قد خرجنا من صلاة الى صلاة أخرى ..




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=157023
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 06 / 19
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 09 / 26