• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : الجُمُعَة.. نافِذَةٌ على الأموات! .
                          • الكاتب : شعيب العاملي .

الجُمُعَة.. نافِذَةٌ على الأموات!

 بسم الله الرحمن الرحيم 

روي عن رسول الله (ص) أنّه قال:
إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ:
1. عِلْم يُنْتَفَعُ بِهِ.
2. أَوْ صَدَقَة تَجْرِي لَهُ.
3. أَوْ وَلَد صَالِح يَدْعُو لَه‏ (روضة الواعظين ج‏1 ص11).
 
الميّت: لَا يُسْعِدُ بَاكِياً وَلَا يُجِيبُ دَاعِياً!
 
لكنَّ صِلةَ الأحياء بالأموات لا تنقطع رغم ذلك!
ولئن كان عمل الميت مقطوعاً إلا من هذه الثلاث، فإنّ بين الأحياء والأموات نافذةٌ تُفتحُ فيها الأبواب المُغلقة، ويحصلُ فيها نوعُ اتِّصالٍ بينهما، في يوم الجمعة!
 
كم فقَدَ المؤمنُ من عزيزٍ على قلبه، وتألّم شديداً لذلك، ثم تمنّى لو تعودُ به الأيام ليُسعد ميِّتاً أو يأنس به أو يؤنسه..
 
لقد جعل الله تعالى في سيِّد الأيام وخيرها وأفضلها نافذةً بين الأحياء والأموات..
إنّه يوم الجمعة.. عيد الولاية الثالث!
 
ولهذه النافذةِ جهتان:
1. فتارةً يزور الأموات الأحياء!
2. وتارة يزور الأحياء الأموات!
 
1. زيارة الأموات للأحياء!
ورد في الحديث عن الصادق عليه السلام:
إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَزُورُ أَهْلَهُ فَيَرَى مَا يُحِبُّ وَيُسْتَرُ عَنْهُ مَا يَكْرَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ لَيَزُورُ أَهْلَهُ فَيَرَى مَا يَكْرَهُ وَيُسْتَرُ عَنْهُ مَا يُحِبُّ.
 
كم هي عظيمةٌ رحمتك يا رب العباد، تستُر أعمالنا القبيحة التي يكرهها الأموات، لئلا يتأذوا بها عند زيارتهم لنا!
وكم هو عظيمٌ عذابك يا جبّار السماوات والأرض على الكافر، حيث تستُر عنه أعمال أهله التي يحبُّها فيرى أعمالهم التي يكره، ليكون في ذلك مزيدُ عذابٍ معنويٍّ له في ذلك العالم المهول المخوف!
 
وكم هو جاهلٌ ابن آدم: لا يتّعظ من هذه الرحمة وذاك العذاب!
 
ثم يحدِّدُ عليه السلام وقت الزيارة فيقول:
وَمِنْهُمْ مَنْ يَزُورُ كُلَّ جُمْعَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَزُورُ عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِ (الكافي ج‏3 ص230).
 
هوَ يومٌ يترقَّبُ فيه المؤمن زيارة أحبائه المؤمنين، فيأنسون به وإن عجزَ عن رؤيتهم والنظر في وجوههم والحنوّ عليهم والتعبير عن مكنونات نفسه لهم..
إنّ من المؤمنين من يزور أهله كلّ يوم أو يومين أو ثلاثة بحسب فضله عند الله تعالى، ولكنّ: (أَدْنَاهُمْ مَنْزِلَةً يَزُورُ كُلَّ جُمْعَةٍ).
 
يومُ الجمعة إذاً يوم زيارة جميع الموتى المؤمنين لأحبائهم الأحياء، ولهذه الزيارة ساعةٌ مخصوصةٌ حقَّ للمؤمن أن يعرفها ويتحضّر لها، فمَن عرف زيارة قريبٍ أو عزيزٍ له أعدّ نفسه خير استعداد..
لقد روي استحباب التنظُّف والتطيُّب والغسل يوم الجمعة قبل الزوال، فإذا فعل الإنسان ذلك كان على أحسن هيئة عند زيارة وفود المؤمنين لأهاليهم..
 
وقد كشف لنا الإمامُ الكاظم عن وقت هذه الزيارة لمّا قال أنّها تحصل: (عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ) (الكافي ج‏3 ص231).
 
هي ساعةُ اللقاء الموعود إذاً، هي نافذةُ الأموات على الأحياء ظهيرة يوم الجمعة، حيث يرى المؤمن ما يسرُّه من أهله، ثم: يَرْجِعُ إِلَى قُرَّةِ عَيْنٍ..
هي ساعةٌ يستحقُّ فيها الأموات أن ننتظر قدومهم ونسرُّهم بأعمالٍ حسنةٍ تُهدى إلى أرواحهم، وتكشفُ لهم أنهم ما صاروا منسيين عند أحبائهم..
 
2. زيارة الأحياء للأموات!
كما فتَح الله تعالى نافذةً للأموات على الأحياء، فقد فتَح لنا نافذةً من نوع آخر، وهي زيارتنا نحن الأحياء للأموات! وفي يوم الجمعة خصوصاً..
 
روى الشيخ الطوسي رحمه الله عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْبَاقِرِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ. قَالَ:
إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَزُرْهُمْ، فَإِنَّهُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ فِي ضِيقٍ وُسِّعَ عَلَيْهِ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، يَعْلَمُونَ بِمَنْ أَتَاهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ كَانُوا سُدًى.
قَالَ: قُلْتُ: فَيَعْلَمُونَ بِمَنْ أَتَاهُمْ، فَيَفْرَحُونَ بِهِ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَ يَسْتَوْحِشُونَ لَهُ إِذَا انْصَرَفَ عَنْهُمْ (الأمالي ص688).
 
كشف لنا هذا الحديث عن أمور:
 
أولها: استحباب زيارة الأموات في القبور يوم الجمعة، فهو يومُ تبادُل الزيارات بين الأحياء والأموات، والنافذة المفتوحة بين عالم الدنيا والبرزخ.
 
ثانيها: أن في الزيارة توسعةً على من كان في ضيقٍ من الأموات، فمَن من المؤمنين لا يهتمُّ لأمر أعزائه الأموات، ولا يسعى للتوسعة عليهم بعدما انقطعت أعمالهم إلا من ثلاث هو أحدها.
 
ثالثها: أن الميّت يعلم بزيارة الحيّ له، ويفرح بذلك، وفي حديثٍ آخر: (وَلَا يَزَالُ مُسْتَأْنِساً بِهِ مَا دَامَ عِنْدَ قَبْرِهِ)..
الحيُّ يزور الميِّت ثم يعجل بالخروج، ولسانُ حال الميِّت: أطل مكثَك، ها أنا ذا مأنوسٌ بك، لكنّ الحيَّ لا يسمع صوته ولا يعلم حاله، إلا بتعليمٍ من الإمام المعصوم.
 
رابعها: أن الميت يستوحشُ لما ينصرف عنه أهله، وفي حديثٍ آخر: (فَإِذَا قَامَ وَانْصَرَفَ مِنْ قَبْرِهِ دَخَلَهُ مِنِ انْصِرَافِهِ عَنْ قَبْرِهِ وَحْشَةٌ)..
لقد استوحش الميّت ساعة موته، حين (قُبِضَ بَصَرُهُ كَمَا قُبِضَ سَمْعُهُ، وَخَرَجَتِ الرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ فَصَارَ جِيفَةً بَيْنَ أَهْلِهِ)، ثم أوحشَ أهله (مِنْ جَانِبِهِ وَتَبَاعَدُوا مِنْ قُرْبِهِ)، ثم يستوحش أهلُ القبور (إِذَا انْصَرَفَ عَنْهُمْ) الأحياء!
 
قال الصادق عليه السلام عن أهل القبور هؤلاء:
إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ بِكُمْ وَيَفْرَحُونَ بِكُمْ وَيَسْتَأْنِسُونَ إِلَيْكُمْ (فلاح السائل ونجاح المسائل ص85).
 
ثمّ علّم الإمام أصحابه دعاءً يدعى به في زيارة هؤلاء القبور:
اللَّهُمَّ جَافِ الْأَرْضَ عَنْ جُنُوبِهِمْ، وَصَاعِدْ إِلَيْكَ أَرْوَاحَهُمْ، وَلَقِّهِمْ مِنْكَ رِضْوَاناً، وَأَسْكِنْ إِلَيْهِمْ مِنْ رَحْمَتِكَ مَا تَصِلُ بِهِ وَحْدَتَهُمْ، وَتُؤْنِسُ بِهِ وَحْشَتَهُمْ، إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِير.
 
رحمةُ الله تعالى هي التي تصل وحدتهم وتؤنس وحشتهم إذاً.. أُنسُهم بالأحياء له سويعات.. لو ذكرهم الأحياء..
أما ما يؤنس وحشتهم حقاً ويصل وحدتهم فهو رحمة الرحمان الرحيم..
 
رحمَكم الله أيها المتقدِّمون..
وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون..
 
اللهم إنّا نسألك في يوم الجمعة، عيد الولاية.. نافذة الأحياء على الأموات.. أن تؤمنّا وإياهم يوم الفزع الأكبر..
وأن تستبدل تقصيرنا بحقهم رحمةً منك تغنيهم عن رَحمةِ من سواك.. إنك رؤوف رحيم.. وأن ترحم من المؤمنين من ليس له وارثٌ يذكره.. ولا زائرٌ يزوره..
وأن تختم لنا بحسن العاقبة، وتحشرنا مع محمدٍ وآله عليهم السلام
 
والحمد لله رب العالمين




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=156988
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 06 / 18
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 09 / 17