• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : ثورة العشرين... الأسباب والنتائج الحلقة الأولى .
                          • الكاتب : د . عبد الخالق حسين .

ثورة العشرين... الأسباب والنتائج الحلقة الأولى

 كان البريطانيون يعتقدون قبل إقدامهم على احتلال العراق في الحرب العالمية الأولى، أن الشيعة سيستقبلون قواتهم بالأحضان والورود، لأن الشيعة كانوا من أكثر المستفيدين من هذا الاحتلال أو التحرير، وقد بنوا اعتقادهم هذا على أساس أنه طالما كان شيعة العراق هم أكثر من تعرض للظلم والاضطهاد في الحكم العثماني وعلى أساس طائفي؛ ولكن خاب ظنهم، لماذا؟ لأن هذا التفكير البريطاني يختلف كلياً عن ذهنية رجال الدين، وبالأخص الشيعة منهم، حيث لهم طريقتهم المختلفة في التفكير، فهم يضحون بمصلحة أبناء طائفتهم الدنيوية في سبيل الإسلام والمصالح الأخروية، ولذلك فُوجئَ الإنكليزُ بحرب الجهاد من قبل العشائر العربية الشيعية، وبقيادة زعماء الدين ورؤساء العشائر؛ ومن نتاج هذه الحرب نشوء الوعي الوطني الذي حفَّز على القيام بثورة العشرين التي كان من بين أهدافها طرد المحتلين البريطانيين، وتأسيس الدولة العراقية ذات سيادة كاملة. 

في الحقيقة، كانت هناك مدرستان في التفكير لدى البريطانيين حول مصير العراق بعد احتلاله، الأولى: تتمثل في جماعة (مكتب القاهرة)، وكان (برسي كوكس) من هذه المدرسة التي ترى منح العراق استقلاله والانسحاب منه تدريجياً؛ وجماعة أخرى من البريطانيين في الهند (المكتب الهندي)، كانت ترى العكس، وكان (أرنولد ويلسون)، حاكم العراق أيام الثورة، من هذه المدرسة. لقد كان هؤلاء الإنكليز المعارضون لخطة (كوكس) متشبّعين بما يسمى برسالة الرجل الأبيض في تمدين الشعوب، فقد كان رأيهم أن العراقيين لو أتيح لهم الاستقلال التام في حكم أنفسهم لأكل بعضهم بعضاً، ولهذا أصبح من واجب بريطانيا أن تستمرَ في حكم العراق مدة كافية، إلى أن يتعوّد العراقيون على الحياة المدنية الحديثة، ويتركوا عاداتهم القبلية القديمة في الغزو والثأر وسفك الدماء...! ليس هذا فحسب، بل كان يعتقد البعض أنه كان في نية المدرسة الأخيرة أكثر من ذلك، أي حكم العراق حكماً استعمارياً استيطانياً، وفصل البصرة عن العراق وربطها بالهند، وجلب عدة ملايين من الهنود إلى العراق لتهنيده، وتغيير ديموغرافيته، وعزله عن البلاد العربية، واعتباره بلداً غير عربي، وتسمية خليج البصرة (العربي لاحقاً) بالخليج الإنكليزي- الهندي. ورداً على هذا المخطط الاستعماري، إلى جانب الأسباب الموضوعية الأخرى، انفجرت الثورة العراقية الكبرى التي انطلقت رصاصاتها الأولى في 30 حزيران/ 1920م من قبل عشائر بني حجيم في الرميثة بلواء (محافظة) الديوانية، على أثر قيام الحاكم البريطاني بتوقيف زعيمهم الشيخ (شعلان أبو الجون). 

مرت الثورة في مراحل ثلاث: أولاها تتمثل في الأحداث التي مهدت للثورة، وهي الأحداث التي جرت في بغداد وكربلاء ودير الزور وتلعفر والموصل... والثانية تتمثل في الثورة المسلحة التي انطلقت في الرميثة، ثم عمّت منطقة الفرات الأوسط. أما الثالثة فتتمثل في انتشار الثورة في مناطق العراق الأخرى كديالى والغراف وغيرهما. (والجدير بالذكر، أن الثورة الكردية حصلت عام 1919 بقيادة الشيخ محمود الحفيد في كردستان العراق ضد الاحتلال البريطاني، فتمّ القضاء عليها ونفي الشيخ محمود). 
 وتعد الثورة في منطقة الفرات الأوسط بمثابة العمود الفقري لثورة العشرين كلها؛ ففي هذه المنطقة حصلت الانتصارات الكبرى للثورة، كما إن هذه المنطقة هي التي تحمّلت العبء الأكبر من التضحيات في الأنفس والأموال، وصمدت للقتال فترة طويلة نسبياً (نحو ثلاثة أشهر). أما المناطق الأخرى التي انتشرت الثورة فيها بعدئذ، فلم تكن ثورتها سوى صدى لثورة الفرات الأوسط، وقد تمكن الإنكليز من القضاء عليها بسهولة، وفي وقت قصير. 
 كما وأصدر المرجع الديني الشيعي الميرزا محمد تقي الشيرازي، فتوى أجاز بها الثورة المسلحة تسمى بـ(الفتوى الدفاعية)، وهذا نصها: 
(مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين، ويجب عليهم في ضمن مطالبتهم رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية، إذا امتنع الانكليز عن قبول مطاليبهم). 
 ومن هنا نعرف أن الثورة كانت بدفع، وتخطيط، وتحريض، وفتاوى المرجعية الدينية الشيعية بالتحالف مع العشائر الشيعية وشيوخها في الوسط والجنوب التي قدمت من التضحيات حسب ما قدَّرها الجنرال هالدين، أحد القادة العسكريين البريطانيين آنذاك، بـ(8450) بين قتيل وجريح، مستنداً في تقديره هذا على عدد القتلى الذين عُثرَ على جثثهم، وعلى التقارير الواردة من مختلف المصادر، وعلى سجلات الدفن في كربلاء والنجف؛ ومعظم الخسائر كانت من عشائر منطقة الفرات الأوسط، وهذا عدد كبير في تلك الفترة التي كان عدد نفوس العراق فيها نحو مليونين ونصف المليون نسمة.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=156977
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 06 / 18
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 09 / 19