• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : أخلاقيات الإعلام .
                          • الكاتب : صباح محسن كاظم .

أخلاقيات الإعلام

   عَبَّرَ جميع المنظرين ودعاة القلم وأرباب الفكر بأن للإعلام أخلاقيات تتصف بالمهنية وتوسم بالصدق، والموضوعية، والحيادية، ونقل الحقائق، ورصد الظواهر السلبية عن طريق التحقيقات (الاستقصائية)، وتشكيل الوعي العلمي، والفني، والذوقي.. وكل ذلك لو وظف بالطريق الأمثل لارتقى بالإنسان بروحه، وتفكيره، وعقله، وانتشاله من جهله المعرفي.. 
 ولكن فيما لو ألغيت الأخلاقيات الإعلامية، فتجد تزوير الحقائق وقلبها، والتطبيل الكاذب للطغاة، ومجافاة الحقيقة، ومعاداة الحق وأصحابه، وطمس الحقائق التأريخية، والالتفاف حولها، والتمويه، والتضليل، والتضبيب الذي يمارسه الإعلام المغرض والمشوه للحقائق، بدافع الضغائن أو الحقد الأعمى... 
   فالأخلاقيات الإعلامية تصبّ في صنع الحياة بأبهى صورها؛ لأنها مرآة عاكسة للحقيقة، وهموم المجتمع، تمتلك الضمير الحي النابض بالصدق، وتقدم وجبات معرفية شهية غير موبوءة بالسم وملفوفة بـ(السيلفون) الملون البراق، ولا تعتمد على تحريك الغرائز والشهوات بالإثارة الجنسية. كما يعمد الإعلام الفاضح بالمجلات الخليعة والصحف التافهة.. والأخلاقيات الإعلامية تصحح الظواهر المدانة الشاذة كالإرهاب والفساد المالي والإداري والعنف والسرقة والغش والنصب والاحتيال... 
    إن رحلة الإنسانية من بواكير الحضارة إلى القرن الالكتروني والرجل الآلي والليزر جربت فيها البشرية طرائق، ومناهج، وفلسفات إعلامية مختلفة، يبدو في الأفق سؤال ملح: ماذا قدّم الإعلام الجاد، وماذا جنت الإنسانية في تعاملها اليومي منه؟ وهل أن عمله الاتصالي لخدمة الحقيقة الإلهية، كالقضية المهدوية التي تشترك بها الأديان الكبرى اليهودية والمسيحية والإسلام ويقرون بها؟ 
لمثل هذا السؤال المهم نطرح جملة حقائق لعل من يشتغل بالإعلام يستطيع تطويرها وتتويجها في تصديه لحمل أمانة الرسالة، فالخطابات الإعلامية لازالت متأثرة بالاغتراب والتبعية لخطاب الآخر المصدّر (للعولمة) وليس ذات خصوصية متفردة، فهناك حزمة من الفضائيات تنحو بنفس الاتجاه: الغناء و.. و..، فهي بعيدة عن الواقع الإسلامي بآلامه؛ بسبب الطغاة والتمسك بالمناصب بالتوريث السياسي، والأسر الحاكمة المعتقة والخاوية - والتي ثار الشباب العربي ضد استمرارها بالحكم -، ولم تحقق الطموح المرجو في إيصال رسالة القرآن الكريم والرسول العظيم والعترة الطاهرة والصحابة الأبرار إلى آفاق الإنسانية الرحب، فالخطاب السطحي لتلك الفضائيات تلميع  صورة الحكام فقط !! وليس باستراتيجي ومخطط له بعناية لكسب الرأي العام العالمي للإسلام ودعوته للإنسانية بأن جميع مشكلاته لها حلول من الناحية الاقتصادية، والثقافية، والروحية، والأخلاقية في طيات نصوصه، وما على الإنسان إلا فهم أسرارها والالتزام بتعاليمها لتحقيق السعادة، والاستقرار، وتحقيق الكرامة، والتعاون، والانسجام، والاتفاق على حلحلة الأزمات العالمية: كأزمة المياه العالمية، أزمة الأمراض الفتاكة من أنفلونزا الطيور إلى أنفلونزا الخنازير، ومشكلة ثقوب طبقة الأوزون... الإنسان يعترف بعجزه، فالسبيل لحلّ معضلاته الإيمان بما رسمته الشرائع المقدسة والأنبياء وتطبيق شريعة الخاتم والأئمة الأطهار وصحبه الأبرار من بعده، والانتظار الايجابي للإمام المنتظر.
 إن الغزو الثقافي الهائل والمؤثر يسعى بقوة إلى اجتياح المنظومة القيميّة الأخلاقيّة المدعمة بالسلوك الروحاني لمن يتبع الأنبياء والأولياء والصالحين، بالطبع هذا الاختراق والغزو يقتحم عنوة حياة المسلمة والمسلم، وربما يجرفهم بعيداً عن تعاليم دينهم وأخلاقياتهم المتوارثة، ويبدأ التفكك الأسري وبروز حالات الطلاق الكثيرة في المحاكم، وانتشار العلاقات المزيفة والخادعة التي تفضي للوقوع في الآثام والزنا.
 الإسلام في حقيقته وجوهره يحث على العلاقات الاجتماعية المتكافئة، وإشاعة الحب بين الناس، وينبذ الكراهية والعدوان (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) على أساس الأخوة الإسلامية في البِرّ والخير، ونشر العلم والفكر والثقافة البناءة التي تصنع الحضارة وتطور الأمة.. إن صياغة المشروع الإسلامي وتشكيل الوعي يستدعي التركيز على الإصلاح، فالإصلاح الاجتماعي يتم من خلال وسائل الإعلام المختلفة بربط المتلقي بدينه وعقيدته، وصلبها وصميمها الإيمان بظهور الوعد الإلهي بإقامة دولة العدل الإلهي عن طريق الإمام المهدي (روحي لمقدمه الفداء).
في حقيقةِ الأمر ليس من السهولة بمكان أن يقاوم الإعلام الجاد الرصين والهادف أمام تحول الإعلام المشوه المضلل؛ بسبب التقنية والإمكانيّة والخبرات الفنية التي يتحلى بها الغرب، لكنه بمقدوره بث الوعي وتحصين المجتمع من أدران الخطيئة، والسير بالمنهج الرباني الذي رسمته الشريعة.. فالأخلاقية الإعلامية تستدعي ربط التراث وقيمه ورموزه بالواقع المعاصر ودراسة سيرتهم، ومناقبهم، وفضائلهم، وعلومهم... وتسليط الضوء على حياتهم بكل جوانبها المشرقة هي من شيم الإعلام الهادف والجادّ الذي يبث القيم في المجتمع ليضعه على جادة الإصلاح؛ فإصلاح القواعد الشعبيّة، وإعدادها وتهيئتها لعصر الظهور يعدّ من سمات البنية الثقافية، ومنظومة البناء الأخلاقي التي تهيئ المجتمع الذي يرنو للطلعة البهيّة لإمامه الموعود.
 ربما يتساءل الفرد: هل ما يقوم به الإعلام الإسلامي يعدّ كافياً لتحقيق تلك الغاية النبيلة؟ والجواب: بالإمكان ذلك لو توفرت الشروط العلمية، والثقافية، والتربوية الممنهجة فإنها ستؤثر حتماً بتشكيل الوعي الجمعي بقضية الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) لكنها بهذه الصورة الضئيلة وغير المدروسة، وبهذه الشحّة من البرامج الهادفة التنويرية لا تشكّل قيمة كبرى في زرع الوعي العميق لدى الفرد المسلم؛ بسبب حجم الهدم الكامل من قبل فضائيات الخلاعة، والرذيلة التي تشغل حيزاً واسعاً من البث الفضائي.. وهنا موطن الصراع بين دعوتين الأولى للبناء والتثقيف والأخرى للهدم والتدمير، فالسيل الجارف منه محاكاة الغرائز، من خلال الصورة ذات التأثير السلبي في إبعاد شريحة الشباب خصوصاً عن أصول دينهم وعقائدهم. لكن لا ينبغي أن نفقد الأمل، فمن حيث ينتشر الضلال ينطلق الإيمان معاكساً، يُصنع الأمل من خلال المخلصين والأحرار والمؤمنين الأتقياء لإعادة كفّة الإيمان، وزرع قيم العقيدة الإسلامية لدى الأبناء. 
وبسبب النشاط الإعلامي والعلمي والتنويري، نرى توجّهاً إنسانياً وإسلامياً كبيراً لإتباع وموالاة أهل البيت والأئمة الأطهار (ع)، ونرى أن أكثر من (600) من علماء ومفكري الأمة ينهجون طريق آل البيت ويستبصرون ويعتقدون بالإمام المنقذ، بعد أن محصوا الآيات والشواهد القرآنية والنبوية والآثار الدالة على إمامته في آخر الزمان.
 إن تركيز الإعلام على هؤلاء له أهمية كبرى إعلامياً بإجراء حوارات معهم عن سبب إتباعهم واعتقادهم واعتناقهم لفكر آل البيت (ع) والركون إلى الإمامة والإيمان ببقية الله الموعود؛ فالجولة القادمة للإعلام الإسلامي الهادف والجاد تتلخص بالعمل لتنوير الإنسانية وفق التعاليم الإلهية والمقدسة، بعد أن سئمت الشعوب من كل العقائد والأحزاب الوضعية وما جرّته من انحراف وانحطاط أخلاقي وتربوي.. 
 إن الإيمان به ليس هو أمل للمستضعفين لتمنية النفس بالتوق للحرية والتحرر، بل للحقيقة العقلائية أن الحياة بكلّ مراحل التأريخ البشري هي صراع بين قوى الخير والشر وقوى الإنتاج ومعادلاتها بين الاستغلال والمستضعفين، فلا بدّ من تحقيق الحلم الإنساني بإقامة دولة العدل الإلهي التي يحققها الأمل الموعود، وينتصر لقيم الحق قيم الجمال قيم الحياة... (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا). إن مسؤولية التعجيل بظهور الإمام (عجّلَ اللهُ فرجه) مسؤولية كبيرة تقع على عاتقنا كمتبعين لآل محمد (صلوات الله عليهم أجمعين)، ويتمّ بتنقية النفس وتهذيبها وترويضها على اتباع الحق بالصبر على تحمّل أعباء النهوض بواقع الأمّة، وخصوصاً يتحمّل العبء الأكبر كل النخب العلمية والإعلامية؛ لأن القواعد الشعبية والعوام ينظرون إلى العالم والمثقف النخبوي محطّ احترام لما يختزنه من طاقات علمية وفطنة وإمكانيات تحليلية واستنتاجية، فإذا ما فسد العالم والإعلامي فسدت الأمّة بأسرها.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=156956
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 06 / 17
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 09 / 26