• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : تأريخ نشوء كربلاء وأصل تسميتها .
                          • الكاتب : جسام محمد السعيدي .

تأريخ نشوء كربلاء وأصل تسميتها

 يقول الإمام علي بن الحسين (ع): (اتخذ اللهُ أرض كربلا حرماً آمنا مباركاً قبل أن يخلق اللهُ أرض الكعبة ويتخذها حرماً بأربعة وعشرين ألف عام،...)(1)، وعن أبي جعفر (ع) قال: (خلق اللهُ كربلاء قبل أن يخلق الكعبة بأربعة وعشرين ألف عام وقدّسها وبارك عليها، فما زالت قبل أن يخلق الله الخلق مقدسة مباركة، ولا تزال كذلك حتى يجعلها اللهُ أفضلَ الأرض في الجنة)(2).
 والقدر المتيقن - بعد ما قرأناه - هو معرفة قدسية هذه البقعة من قبل أولئك العظماء الذين مرّوا بها وبعض من أتباعهم، وقد كان قسم منهم من أهل العراق الأوائل، وبعض من أنبيائهم (ع) كذلك، والمظنون بشدة انتقال تلك المعرفة من جيل إلى جيل، وبالتالي يضعف الرأي القائل بعدم الدليل على هذه الحرمة، بل يبطل.
 ويبقى لدينا مدى احتمالية صحة وجود المعبد، ونحن نعتقد بناءً على ما ذكرناه آنفاً، قوة هذا الاحتمال وهو يؤيد ما ذهب إليه أكثر الباحثين قبل ذلك من الذين أشاروا إلى وجوده، بعنوان (كرب - إل) أو (كرب - إيل) أو (كرب - إيلا)، سواء أنشأه المؤمنون أو غيرهم، وبهذا يضعف الرأي القائل بعدم الدليل على وجود المعبد، ويبقى مجرد احتمال.
 ونحن نعتقد احتمال انشائه من قبل المؤمنين الموحّدين، أكثر رجحاناً من الخيار الثاني، لاعتبارات عدة، قد يأتي في مقدمتها، قدسية المكان، وانعدام التوفيق الإلهي لغير الموحدين ليُناط به شرف بناء موضع للعبادة في هذه البقعة الطاهرة، وبالتالي رجحان التوفيق للمؤمنين الموحّدين منهم على ما سواهم، والله العالم.
 وعلى هذا الأساس، ولأن شعب العراق القديم كان يتكلم اللغات السومرية والأكدية (بلهجتيها البابلية والآشورية اللتين يُشار لكل منهما بكونها لغة) والآرامية(3) (بلهجاتها المندائية والسريانية وغيرها)، إما في فترات تأريخية متتالية لبعض تلك اللغات، أو تواجد البعض الآخر كلغات محكية في فترة تأريخية واحدة، ولأن تلك الأقوام من ذلك الشعب، كانت تسكن العراق منذ فجر التأريخ، بل أنها سكنته منذ خلق البشرية كما تدلّ على ذلك النصوص الأثرية المكتشفة والنصوص الدينية الموثوقة(4)، قبل قدوم هجرات القبائل الناطقة بالعربية إليه، فمن الطبيعي أن يكون هذا المعبد - إن وجد- أو المكان المتسم بالحرمة الذي يعتقد هؤلاء القوم بحرمته - كما يذكر ذلك بعض المؤرخين وكما أثبتناه في محله - والذي ضمّ فيما بعد عتبات كربلاء المقدسة، أن يكون هذا المكان حاملاً لإسم أو صفة تتناسب ولغات شعب العراق القديم من حيث البناء اللغوي وهو(كرب - إل) أو (كرب - إيل) أو (كرب - إيلا)، أو كل تلك الألفاظ مجتمعة، بلحاظ نطق أيّ منها من كل فئة عراقية بحسب ثقافتها ولغتها، في زمن واحد، أو في أزمان مختلفة.
 وإن هذا اللفظ المركب المنتهي بـ(إل) أو (إيل) أو (إيلا)، أمر طبيعيُ الجعلِ من قبل أولئك الأقوام من أهل العراق الأصليين، فهم من استخدم جزء اللفظ هذا في أكثر من مدينة عراقية قديمة من العصرين البابلي والآشوري، فهناك مدينة بابل - التي تجاور كربلاء وتتبع الأخيرة لها سابقاً - المكونة من (باب) و(إل)، ومعناهما (باب الإله)، ومدينة أربيل في شمال العراق، أو أربل - كما تعرف في التأريخ الإسلامي- أو أربيلا - كما تعرف في التأريخ الآشوري-(5)، أو أربائيلو(6)، المكونة من (أربا) و(إل) والتي تعنيان الآلهة الأربعة على رأي البعض(7)، فالملحق بالكلمة الأولى، هو (إل) أو (ئيلو) أو (يلا) وربما (إيلا) ولكن خففت بحذف الألف، والظاهر أن لا فرق بين هذه الألفاظ في المعنى.
ومن ذلك نشاهد انتماء هذه الألفاظ مع ألفاظ كربلا - بلغات العراق القديمة - لحضارات تشترك في أرض واحدة هي العراق، ولها بناء حضاري ولغوي متقارب، حيث تنتمي إلى عائلة لغات واحدة هي عائلة اللغات الشرقية القديمة التي يُصطلح عليها بـ(السامية)(8)، باستثناء اللغة السومرية التي يختلف بعض الباحثين بين من يعدها من اللغات الآرية وبين من يعتبرها لغة عراقية أيضاً، مستنداً إلى الدراسات اللغوية المقارنة التي تؤيد اتجاه كونها كذلك، لاشتراكها مع الأكدية في بعض المفردات(9).
المصادر:
(1)  كامل الزيارات/ جعفر بن محمد بن قولويه: ص 451.
(2)  وسائل الشيعة/ الحر العاملي - ج 14: ص 516.
(3)  ذكر السيد سامي البدري في كتابه (النجف مرسى سفينة نوح عليه السلام) ص23: "أن اللغة الآرامية لغة البابليين في عهد نبوخذنصر وهي فرع عن اللغة الأكدية".
(4)  هناك الكثير من الأحاديث التي نقلها المعصومون (ع) التي نستفيد منها أن أول مجموعة بشرية سكنت الأرض بعد الطوفان قد اختارت العراق موطناً لها؛ لأنه كان وطنها الذي انتقلت منه كما ورد في حديث آخر، حيث يبيّن أن السفينة بُنيت في الكوفة حيث سكن النبي نوح (ع)، كما أنه قد ورد عن أمير المؤمنين (ع) بما يُفيد أن العراق كان قبل ذلك مسكناً لأبي البشرية الأول النبي آدم (ع)، إذ قال الإمام علي (ع) في جزء من حديث طويل يبيّن مزايا الكوفة: (يا أهل الكوفة لقد حباكم الله (عزّ وجل) بما لم يحب به أحداً، ففضل مصلاكم وهو بيت آدم، وبيت نوح، وبيت إدريس، ومصلى إبراهيم الخليل، ومصلى أخي الخضر (ع)، ومصلاي...)، (بحار الأنوار97/390)، وانظر(العراق في التأريخ) لمجموعة من المؤلفين المختصين، حول الأقوام التي كونت الحضارة في العراق.
(5)  بتصرف من: موسوعة العتبات المقدسة/ جعفر الخليلي، ج12 قسم سامراء، ص: 7، من بحث فيه للدكتور مصطفى جواد بعنوان (سامراء قديماً).
(6)  مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة/ طه باقر: ص169، الطبعة الأولى لشركة دار الوراق للنشر المحدودة2009م.
(7)  بتصرف من بحث للدكتور مصطفى جواد (رحمه الله) منشور في موسوعة العتبات المقدسة - ج8 (قسم كربلاء)/ جعفر الخليلي: ص 14، دون أخذ تفسير المقاطع منه، كما أن هناك رأياً آخر يقول بأن (أربيل) تتألف من مقطعين هما (أر) وأصله (أور) و(بيل) وأصله بعل ومعناه (الرب)، وبالتالي يكون المجموع (مدينة الرب) والذي أورده العلامة المحقق السيد سامي البدري في كتابه (علم آثار القرآن الكريم)/: ص20.
(8)  بتصرف من: النجف مرسى سفينة نوح (ع)/ السيد سامي البدري: ص43.
(9)  يذكر الدكتور محمد مصطفى في كتابه (أسرار صناعة اللغة – دراسة مقارنة) في هامش رقم (1) من صفحة 9، ما نصه: يذكر كثير من العلماء والباحثين اللغويين إطلاق مصطلح "اللغات السامية" ويقولون: إن المستشرقين هم اللذين ابتدعوا هذه التسمية للإشارة إلى القرابة بين اللغة العبرية واللغات الأخرى كالعربية والسريانية والحبشية، ونظراً لكون أغلب المستشرقين من اليهود، فقد تمسك هؤلاء بكلمة "سامية" مصطلحاً ليكسبوا التوراة، صفة القداسة والعراقة، ويفضل هؤلاء العلماء والباحثون استعمال مصطلحات بديلة للسامية مثل: اللغات العربية القديمة، أو اللغات العروبية، أو اللغات الشرقية القديمة، ونحن نقترح في هذا الصدد، تسمية هذه اللغات باللهجات العربية القديمة؛ لأنها تنتمي جميعاً إلى أرومة واحدة هي اللغة العربية الأم، والعربية هي أم اللغات السامية قاطبة. ولكننا ما زلنا نحتفظ بعبارة "اللغات السامية" تسمية إصطلاحية على الرغم من أن العلم قد أثبت أنها ليست صحيحة تماماً (علي، جواد، المفصل في تأريخ العرب قبل الإسلام 1/222).
وهناك رأي آخر يتبناه آخرون حول العربية واللغات السامية، ومنهم السيد سامي البدري، إذ يذكر في كتابه (النجف مرسى سفينة نوح عليه السلام): أما الأكدية فهي من اللغات السامية، وتشترك مع العربية الحديثة بظواهر لغوية كثيرة تجعلها الخلفية الأساسية لها، وبالتالي فإن اللغة العربية وأخواتها تصلح لتوضيح غوامض الألفاظ الأكدية والآشورية.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=156952
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 06 / 17
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 09 / 17