• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : تهديمُ البقيع... مأساة تخضبُ قلبَ الانسانية .
                          • الكاتب : رضوان السلامي .

تهديمُ البقيع... مأساة تخضبُ قلبَ الانسانية

عن أنس قال: خرجتُ مع رسول الله صلى الله عليه وآله نتماشى، حتى انتهينا الى بقيع الغرقد، فاذا نحن بسدرة عادية لا نبات عليها، فجلس رسولُ الله صلى الله عليه وآله تحتها، فأورقتِ الشجرة وأثمرت...
حينما نتلمسُ الحقيقة بعين التأريخ، نجدنا قبالة اتجاهين يمثلان مساراً خطياً للأحداث التي مرّت، الأول: مزيف مظلم؛ يحاولُ الإنسان أو المجتمع برمته اخفاءه وتناسيه، لما يحملُ من محطات تعكر الصفو، وتعرقل مسيرة الحياة، وتعطل كلّ مسعى إصلاحي، غالباً ما يكون الهدفُ من ورائه خدمة السلطة والملك والطغاة، حتى وأن اقتضى الأمرُ تدميرَ المؤسسات الدينية والاجتماعية والاقتصادية برمتها. والثاني: مشرق براق؛ مدعاة للفخر، يسمو بالإنسان لشحذ الهمم والتفاخر، وهو يقف أمامه كونه يبعث الأمل في بناء أمة تصنع التأريخ بيد بيضاء، لم تلوّث بانجرار خلف ملذات الدنيا، أو سعياً لتمجيد الباطل الأحلك في مسار الحياة، وليمثل الاتجاه الانساني في صنع الارث المبجل الذي يستحق الانحناء.
بقيع الغرقد مكانياً، يعيش - من نصاعته- في وجدان كل مسلم له ارتباط حقيقي بوجه تأريخ خطّه الرسول وأهل بيت النبوة (ع) بمداد الرسالة السمحاء، كان فيما مضى مزاراً ينبضُ بالحياة، ويؤمّه المسلمون من كل حدب وصوب، لزيارة قبوره والتشفع لله تعالى بمن مدفون في أرضه، اقتداء بقول رسول الانسانية محمد (ص) في حثه على زيارة القبور: (فزوروا القبورَ فأنها تذكركم بالموت)، إضافة إلى الروايات الكثيرة التي تؤكد عظمة ومنزلة هذه الأرض المباركة المغفور لمن دُفن فيها من أئمة وشهداء وصالحين، وهم يستمعون لقول الرسول الأكرم محمد (ص) وهو يصدحُ في أرواحهم: (السلامُ عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غداً مؤجلون، وإنا إن شاءَ اللهُ بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد).
اليوم وبعد أن تطاولتِ الأيادي الماكرة الخبيثة للعبث بمقدرات الاسلام، خدمة لمصالح وأهداف لا تمد إلى إليه بصلة، حثاً منها على إبراز أنياب الكره، والحقد الذي واروه لآل الرسول، والخيرة البررة من تابيعهم، أصابوا كبدَ الاسلام، وكلموا قلبَه النابض بجرح الجراح الأعظم، وهم يعيدون ما حاكه الأجداد من مؤامرات في وضح النهار، ليجعلوا منها أرضا جرداء بقبور مندرسة، حق لها أن تكون شامخة تعاق عنان السماء علواً ورفعة.
   نحن اليوم نعيشُ قبالة وجه تاريخ مظلم، سعى لأن يتطاولَ على قبور أئمتنا البررة، نحملُ أرواحَنا على راحتنا، مطالبة واستنكاراً وشجباً، لبقاء الحال على ما هو عليه، حتى بعد مرور أكثر من نيف وثمانين عاماً على فاجعة التهديم... الأمانتان العامّتان للعتبتين الحسينية والعباسية المقدستين بكل ما تمتلكه من جهود وطاقات، تسعى كل عام لإظهار مظاهر الحزن والأسى، ولبس السواد، وإقامة المؤتمرات والمحافل التأبينية، من أجل أن تكون رسالة موجهة، وضميراً ناطقاً، أن لن يذهبَ حق ووراءه مطالب.
فعلى قاعة خاتم الأنبياء بالعتبة الحسينة المقدسة، وفي حضور جماهيري كبير، أقامت الأمانتان العامتان للعتبتين المقدستين الحسينية والعباسية، محفلا تأبينياً بمناسبة مرور ذكرى سنة أخرى على الواقعة، التي أقدم عليها علماء الكفر والضلالة والسوء، بفتاوى وعّاظ السلاطين التي ما انفكت تداهنُ الباطلَ وأهلَه، الحفل التأبيني تضمّن الكثير من الفعاليات التي جسّدت الحادثة بكل تفاصيلها، سواء كانت من خلال الكلمات أو الأشعار وحتى الحضور.
الحفلُ ابتدأ بتلاوة آيات من الذكر الحكيم، بصوت المقرئ السيد حيدر الغرابي، بعدها كانت كلمة الأمانتين العامتين للعتبتين المقدستين الحسينية والعباسية، ألقاها فضيلة السيد عدنان جلوخان الموسوي، ابتدأها بقوله (جلَّ وعلا) في الآيتين (36-37) من سورة النور: (في بيوتٍ أذنَ اللهُ أن ترفعَ ويُذكر فيها اسمه يُسبح له فيها بالغدو والآصال، رجالٌ لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تنقلبُ فيه القلوب والابصار) مستعرضاً الحادث التي جرت مع الرسول محمد (ص) حينما سأله رجلٌ عن أي البيوت التي أذن الله فيها أن ترفع؟ أجابه رسول الله (ص): بيوت الأنبياء، فقام الخليفة الأول، وقال: يا رسول الله هذا البيت منها، وأشار الى بيت علي وفاطمة (عليهما السلام)، فقال (ص): من أفاضلها.. فبيت أمير المؤمنين (ع) من أفاضل البيوت التي أذن فيها الله أن تُرفع، وهذا الرفع إما أن يمثل البناءَ إذا كان الرفعُ مادياً، أو تقديساً لهذه البيوت إن كان الرفعُ معنوياً، وكل ما يضاف إلى ذات مقدسة يضاف إليه أثر، وهذا الأمر نشهده في عتباتنا المقدسة، فالباب والصحن والضريح لكل عتبة من عتباتنا يجب أن يُقدّس، وأن يُعظم، ويُحترم، ويُشيّد، وأن يُهتم به أيما اهتمام.
كما وتطرقَ فضيلة السيد في كلمته إلى رؤية العالم لرموزهم، سواء كان هؤلاء الرموز مفكرين أم رجالات سياسة وعلم.. وكيف أنهم يهتمون بهم ويسعون لإظهار آثارهم: (نحن نرى اهتمام العالم برموزه، وكيف يتم تعظيم ما ترك هؤلاء الرموز من آثار، تارة بنصب تذكاري، وتارة أخرى بشهادة تقديري، فهي تمثل قيمة كبيرة يعتزون بها، وهذا الأمر منذ القدم، نذكر بعضاً مما جاء في القرآن الكريم فيما يخص أصحاب الكهف: (... لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً)، وذاك الذي وقف يحاورُ يزيداً (لعنه الله) حينما تطرّق لقصة حافر حمار عيسى، وغيرها من الأمور...
 نحن أحقّ من غيرنا في تعظيم رموزنا، إذ لا يُوجد أعظم من محمد وآله (ص)، لنرانا نشهدُ الظلامة تلو الظلامة ابتداء لآل الرسول (ص) في حياتهم كما ظلموا بعد مماتهم، فحقد المبغضين جعلهم يستهدفون حتى قبورهم عليهم السلام، وأساس ذلك هو الحقد الكبير الذي أسسه أولُ ظالم ظلمَ حقّ محمد وآل محمد.
ثم تطرقَ فضيلته إلى التعرض لقبور أهل البيت (عليهم السلام) حينما قال: (إن الذي جعل المبغضين يتمادون في غيّهم، ويتطاولون على قبور أهل البيت (عليهم السلام)، هو ظنهم حينما يهدمون القبور سيمنعون الزائرين من اداء الزيارة والوقوف عندها، والتضرع لله تعالى بهم، فانهم خير الوسيلة للتقرب من الله عز وجل، عقائدنا في التوجه لأوليائنا منبثقة من إيمان بأن الوليّ له أذن من الله سبحانه في الاستجابة، ليبقى الصوتُ الذي يصدح في الاذهان، أن الظالمين إن هدّموا شواخص القبور، سيبقى في قلب كل مؤمن قبرٌ يضمّه بالايمان، سيأتي اليوم القريب الذي نرى فيه إعادة تشييد هذه القبور وبناءها من جديد، فحبل الظلم والطغيان مهما طال سيبقى قصيراً ويندثر).
 بعدها كانت كلمة لسماحة الخطيب الحسيني السيد (مرتضى القزويني)، ركّز في مستهلها للإستنكار واستهجان الحدث الأروع في تاريخنا المعاصر، وما قامت به الطغمة الكافرة التي لا تنتسبُ إلى دين أو مذهب، في تطاولها الآثم على مراقد وقبور أهل البيت (عليهم السلام): (إن الذي أقدمت عليه الزمرة الضّالة قبل أكثر من نيف وثمانين عاماً، لم يكن ليبرر من منطق عقلائي متزن، وهو ليس بالأمر الجديد على من عُرف حسباً ونسباً بولائه المطلق لنسب آبائهم من اليهود، ونحن لنا قرائن وبراهين تؤكد كل كلمة نقولها، والمتصفح لوجه التاريخ سيلمسُ حقيقة ما نقول، إذ كان لهم في آبائهم قدوة سيئة!! حينما تآمروا على رسول الله (ص) في حياته، وسمّوا الإمام الحسن (ع)، لتستمر معاداتهم بعد إذ ذاك، لإحدى مآثر المتوكل اللعين، حينما أمرَ بنبش قبر الحسين (ع)، لنرى أن من انبرى لفعل ذلك هم اليهود.. فلا غرابة أن كان فعلهم هذا يستمر في أولادهم - وهم المعروفون بعدائهم لآل البيت - ينالون من قبور ومراقد أهل البيت (عليهم السلام)، يوم أمس كان في بقيع الغرقد، وقبل سنوات قريبة كان في سامراء، ولا نعرف ما إذا كان لقلوبهم الغلف أن ترعوي).
كما وأشار سماحة السيد القزويني في كلمته، إلى أن السببَ الذي يجعل المتربصين بمذهب آل البيت (عليهم السلام) اليوم يتمادون في عنجهيتهم المقيتة إلى يومنا هذا، هو التفرق الذي يصدع لمّ الشمل، مع مناشد للخيّرين من رجالات الدين والسياسيين والمفكرين، ومن طوائف ومذاهب وقوميات متعددة، للنظر بجدية في أمر هذا المرض المستفحل الذي صار يفتكُ بالفكر الاسلامي النيّر قائلاً: (لم يكن لمنطق العقل الذي تحلى به أصحاب مذهب أهل البيت (عليهم السلام) أن يقفَ كرادع للتسلط الأرعن للأفكار الهدامة التي ما زالت تنخرُ في قلب الاسلام والانسانية، ولم يكن لهم أن يتمادوا في ظلمهم وتجاوزهم لولا التفرق الذي ما أعزّ الذمار ولا صان الديار... نحن مسؤولون اليوم، رجال دين ومنظمات ومسؤولي أحزاب وقوى مجتمعية، شيعة وسنة، عرب وأكراد، للوقوف يداً واحدة للمطالبة بإعادة بناء قبور رموزنا وقباب أوليائنا، والوقفة الحاسمة بوجه المتجبرين الذي يسيئُون للإسلام بفكرهم وفتاواهم الضّالة المضللة، عندها سيعلم الذين ظلموا محمداً وآل محمد أي منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين).  
اختتمَ الحفلُ التأبيني بقراءات شعرية من الشعر القريض والشعر الشعبي، صدحت بها حناجرُ الشعراء وهم يستنكرون الفاجعة، وما ألمّ بقلوبهم المكلومة، وكانت القراءات لشعراء من داخل مدينة كربلاء المقدسة ومن خارجها، بمشاركة الشاعر عبد الرضا هيكل، والشاعر الشعبي خادم أهل البيت أبو حسنين الربيعي، والشاعر الشاب زيد السلامي.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=156921
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 06 / 16
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 09 / 17