• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : الإمام علي(عليه السلام) في محراب الذكرى  .
                          • الكاتب : علي حسين الخباز .

الإمام علي(عليه السلام) في محراب الذكرى 

  البحث في شخصية أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في خضم تطور العقل المعرفي وأسلوبيات الحداثة، تضعنا أمام سؤال مهم، كيف نقرأ مصاب إمامنا (عليه السلام) قراءة اسلوبية تسهم في ترسيخ مفهوم هذا المصاب لما يحمل من ثراء معنوي.

 أولاً: لنلج موضوع المؤامرة والوقوف على خصائص هذا الخطاب المؤدلج، البعض يقرأ أهم واقعة تاريخية بأبجديات المؤثر الأموي، للأسف أغلب كتابنا اليوم يروون ما دونته يراعات بعض المؤرخين الجناة أمثال أبي عمر الثقفي، وأبي هاشم الرفاعي، فهم يصفون الحدث (بأن مجموعة من الخوارج اجتمعوا بمكة تذاكروا الامراء فعابوهم وعابوا أعمالهم، فقالوا لو شرينا انفسنا، واتينا أئمة الضلال، وسعينا لمقتلهم لنريح منهم العباد والبلاد، قال حينها عبد الرحمن ابن ملجم انا أكفيكم علياً..).

لنتأمل في اجواء هذه المؤامرة، جعلوا قتل علي (عليه السلام) مسـألة إصلاحية حتى لو كان ذلك في تفكير القاتل، وبعدها جعلوا المسألة شمولية حيث جعلوا امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) من السلاطين الجائرين وجعلوا الامراء الباقين بمنزلة علي (عليه السلام)، والحقيقة انهم أقروا بأن لهم ثارات في بدر وحنين.

لنذهب صوب بنية دلالة هذا المصاب قبل تأريخه، عسانا نجوس عمق الدلالة، نقرأ نبوءات رسول الله (ص) يوم تأسف الإمام علي لنجاته في واقعة أحد، وتحسر على فوت الشهادة، قال له النبي: (صل الله عليه واله وسلم) أنا من وراءك، ويوم الخندق كان النبي (ص) يشد الجرح ويقول: أين انا يوم يضربك اشقى الاخرين، فيخضب لحيتك من دم رأسك.

 كانت ضربة ابن ملجم في رأس علي (عليه السلام) في نفس مكان ضربة عمرو بن عبد ود العامري (لعنه الله)، تسرد النبوءة الكريمة ما سيقع على هذا الرأس الشريف فيأتي سؤال الإمام علي (عليه السلام) الذي هو عبارة عن المكون الاولي.. سؤال لابد ان نقف امامه بكل اجلال نحلل معناه، ماهيته، علاقته بالمرتكز الامامي وبما يمتلك من اثر وجداني، يرسم النبي (ص) له المشهد كأني بك وأنت تصلي لربك، وقد انبعث أشقى الأولين والآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود، فيضربك ضربة على رأسك يخضب منها لحيتك بدم رأسك، يسأله الامام أو ذلك في سلامة ديني..؟

رجل لا تهمه الحياة بقدر سلامة الدين، بهذا المعنى لابد أن نقرأ كل جملة من حياة هذا الامام، في ليلة الخصب الروحي ليلة الوعد والظفر قال الامام وهو ينظر الى السماء الى دلائل هذا الوعد ونبوءة نبي لا تخيب, هي هي والله الليلة التي وعدني بها حبيبي رسول الله, بأي منطق يهم هذا الامام العالي الشأن ليجني ثمرة الشهادة؟ كيف يرى تلك اللحظات التي سبقت الحدث، اعطانا مفاتيح هذه القراءة حين رفع (عليه السلام) يديه الى السماء وهو يدعو (اللهم بارك لنا في لقاك).

شكا أحد الصحابة يوما لرسول الله أن أبا ذر قد كذب عليه:- كيف؟ قال:- سألته من مع رسول الله في المسجد؟ فقال:- رجل لا أعرفه، اجابه النبي (ص):ـ ما كذب أبو ذر وانما صدق، لا يعرف علي إلا الله وانا.. هذا مفتاح الأثر لا بد ان نعرف معناه في الخطاب الإعلامي العام، فهو الرجل الثاني بما يحمل من صفات وفضائل ومناقب ومحاسن أخلاقية وإنسانية.

 ان له ايماناً لا يوازنه ايمان يدفعه الى الافتداء بالنفس راضيا مرضيا، له نصرة كبيرة وموثقة بجميع تفاصيلها وغير الموثق هو اكبر, ففي الخندق قال عنه النبي (ص) ضربته تعادل عبادة الثقلين.

 ولمعرفة كنه هذا الرجل، علينا أن نقف عند خصوصية وصاياه التي تبين لنا طريقة تفكيره وايمان روحه الكبيرة، وتلك الآفاق الكبيرة التي تنطوي عليه سماته، فكانت وصاياه في تقوى الله سبحانه وتعالى وقول الحق، وعدم البغي والعمل الأجدر؛ ليكون الحليم خصما للظالم وللمظلوم عونا.

 هل نحن بحاجة الى إعادة هذه الوصايا الجوهرية؛ لنقف عند قوة معاناته، وهو يوصي بتقوى الله في كل مقام ومقال، ويوصي بتنظيم الأمور والصلاح: والله الله بالأيتام لا تغبوا افواههم أي لا تجيعوهم بأن تطعموهم غبا، والغب يعني ان لا تطعموهم يوما ويوما لا.

 الكثير من السمات الإنسانية التي تحملها هذه الشخصية الربانية نقف عند مراجعتها عن فضائل امام معصوم يتسم بحسن الخلق وكمال الشخصية، فهو قائد محنك شديد على الكفار بليغ عسكري مفكر موسوعة في العلوم, لا بأس إذا ما كررنا البنى المتميزة لشخصية امير المؤمنين (عليه السلام)، مثل الشجاعة والإخلاص والحماسة وحامل اللواء ويتمتع بمميزات الثقة والاستقامة والابعاد الذاتي, سأل احدهم: ماذا لو كان الامام تعافى من ضربة ابن ملجم، هل كان يعفو عنه؟ هو اكد في وصيته ان ابقى فانا ولي دمي ثم قال فاعفوا الا تحبون ان يغفر الله لكم.
للمتابعة الجادة أداء متميز يأخذ بناصية الأوجه المتعددة لسمات امير المؤمنين (سلام الله عليه) فمنهم من يرى في قوله (عليه السلام) لحظة الحدث الجليل (فزت ورب الكعبة)، انها كانت عبارة عن خطاب روحي أعاد المشهد المرتقب الى الذاكرة والذي كان يعيش من اجله ومن اجل ان يتحقق هذا الحلم الثوري، فهو يعرف حيثيات هذا المشهد وعلى بينة من حقيقته, لأجل أن يكون هذا المشهد الرصين - مشهد طبرة المحراب - صرخة مدوية في عالم الحق ستحقق غاياتها, ولهذا يرى معظم الباحثين ان هذه الذكرى لا تخص العالم الشيعي فقط, بل هي لكل مسلم ومسلمة, ونحن نراها لكل انسان.

 لو تأملنا وقت الاستشهاد الذي تميز بقداسة جميع مفرداته, شهر رمضان وهو قائم في الصلاة, صائم, عند صلاة الفجر, وحين قال النبي عن القاتل بانه اشقى الاولين والاخرين شقاوته شقاوة عاقر الناقة, أي اعتداء على اية من آيات الله وليست القضية عقر ناقة، ومشهد القتل الموجع في النفوس له دلالات تاريخية وقف عندها الكثير من المؤرخين حيث كان موضوع الخلافة طموح الأغنياء أمثال عبد الرحمن بن عوف واهب الخلافة لصهره ليليها من بعده، وهذا التشخيص هو تشخيص مولاي ابي الحسن قال لعبد الرحمن بن عوف: اثرته بها لتنالها بعده دق الله بينكما عطر منشم.

ومنشم كانت امرأة عطارة تبيع العطر والحنوط والطيب، فكانوا اذا قصدوا حربا غمسوا أيديهم في طيبها، وتحالفوا عليه؛ لأن يستميتوا في الحرب ولا يولوا الادبار حتى يقتلوا فاذا دخلوا الحرب بطيب تلك المرأة يقول الناس: قد دقوا بينهم بعطر منشم, وإلا فالإمام (عليه السلام) قال لهم بالحرف الواحد: دعوني والتمسوا غيري فانا مستقبلون امرا له وجوه والوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول: (انا لكم وزيرا خير لكم من امير) ولكي نكون على بينة من الامر، ولكي لا يتشعب القول وينزلق على مفهوم اخر غير القصد في قول الامام (عليه السلام).

 الخلافة الإلهية غنية عن البيعة غير خاضعة لأمر الناس, الامامة لم تطرح للحوار حتى يرفضها الامام (عليه السلام) كما اشاع بعض المؤرخين، الامام رفض الخلافة السياسية التي هي عرش السلطنة، وإلا فالخلافة الربانية تنصيب الهي جرى في بيعة الغدير التي بايعها الجميع بما فيهم من قال: بخ بخ لك يا علي أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.. وكان معهم جميع الصحابة وكانت الفتنة, حتى بدأوا برسم معالم الفتنة عن طريق خلق تبريرات واهية وتفسيرات مدعاة للحيرة.

 وللأسف بعض كتابنا يكررون هذه التشخيصات المؤثثة للدسيسة بشكل عفوي لا يفهمون خفايا القصد المضمر مثلا: ان علي بن ابي طالب (عليه السلام) لا يفهم في السياسة ولا تفهمه السياسة..! نقف امام هذا التشخيص الدجال, ونعرف ما يوحي من هذا النسيج ونسأل: باي قياس كان هذا التشخيص المريض؟ كيف فهموا السياسة باعتبار ان الامام (روحي له الفداء) هدم بدفعة واحدة كل ما بناه الخلفاء الذين سبقوه، لم يتدرج في الامر وعند فارس الحكمة الامام المعصوم سيد الاوصياء ان المساومة الأولى تجر وراءها مساومات والترضية تؤدي الى سلسلة من المراوغات.

 علينا ان نقف عند أسباب هذا الحكم الواهي لنعرف سمات هذا الجهل عندهم هو لا يفهم في السياسة؛ لأنه رفض تقسيم المال العام حسب منازلهم الاجتماعية وانسابهم لتتآلف قلوبهم, هو لم يفهم بالسياسة؛ لأنه لم يمنع ماء الفرات عن جماعة معاوية كما فعل معاوية حين استولى على الفرات, لم يفهم في السياسة؛ لأنه كان حازما في أمور الدين, لم يفهم السياسة؛ لأنه لم يشمل الزعماء والاشراف والشعراء بمال يوزع من أموال العامة مثلما يفعل معاوية..!

 ومن بعض المفكرين أشار الى ان هذه الاعمال ليست اعمال من يريد ان يحكم عرشا بل يريد ان يكون فدائيا يضحي بروحه ليرسم طريق الإسلام الحقيقي, يريد ان يقتل في سبيل الله لتبقى بعده نماذج تقتدي بها الأجيال من رجال السياسة, ليفهموا ان السياسة لا تعني اغداق الأموال على الشعراء وعلى الرؤساء, هذه العروش وزعت حقوق الناس منافع لتثبت سلطتها, وشخصية الامام (عليه السلام) كانت نهجا معبرا لشخصيات ومثقفي كل جيل.

 وعند كل قراءة هناك تفسيرات ودلالات وقراءات تستخلص من ابعاد شخصية الامام (عليه السلام) رؤاها، هناك من يرى ان الامام (عليه السلام) كان لمحمد (صلى الله عليه واله) كالعصى لموسى (عليه السلام), والدكتور سعادة يقول: انه امة في رجل، وجورج جرداق (رحمه الله) يقول: هو اول عربي لازم الروح العلية وجاورها, مات شهيد عظمته والصلاة بين شفتيه, قتلوه وفي قلبه الشوق الى ربه, ثم وجدت لهذا المفكر المسيحي الكبير رأيا يستمد قوته من الواقع قوي المضمون فهو يرى: لولا ادراك الأمم لمنزلة علي (سلام الله عليه)، لما عرف العرب مقام امير المؤمنين (عليه السلام) ابدا, هذه لم تكن تصورات بقدر ما كانت حقيقة واعية يقرأها بشغف اهل التحليل.


ابن ابي الحديد له تشخيص اخر فهو يقول:ـ غلام من أبناء عرب مكة لم يخالط الحكماء خرج اعرف بالحكمة من افلاطون وارسطو واعرف من سقراط.. العجيب في سمات المفهوم المكون لمحبة اهل الذمة مثلا هم يكذبون النبوة ويحبون عليا الذي هو جزء فعال من رسالة هذه النبوة الكريمة, ملوك الافرنج والروم والترك والديلم يصورون صورته على اسيافهم, أليست هذه المعلومات مؤلمة.

 رجل يحترم مقامه العالم اجمع وهو الذي تعرض الى مالم يتعرض له أي انسان من كتمان فضائل واطفاء نور والتحريض عليه ووضع المثالب, أيعقل ان رجلا مثل علي (عليه السلام) يلعن ثمانين عاما على منابر المسلمين؟ هل هناك عقل يصدق ما جرى من حقائق، هم توعدوا من يمدح عليا او يحبه، حبسوا أنصاره، قتلوا شيعته ومنعوا رواية أي حديث يتضمن أي فضيلة من فضائله وهناك وصف وتشخيص اذهلني حقيقة بما يمتلك من حصافة رأي اخذ الجاحظ عن النظام, يصف الامام عليا بانه محنة للمتكلم ان وفى حقه غالى وان بخسه اساء.

 في حال ينظر جبران خليل جبران بأن علي بن ابي طالب هو ابن كل زمان ومكان، ويقول ميخائيل نعيمة في تشخيصه للإمام علي انه نسخة مفردة لم يرَ لها الشرق ولا الغرب صورة طبق الأصل, وشبلي شميل مسيحي لبناني من طلائع النهضة العربية ينسب الى الالحاد، لكنه قدم الكثير في دراسة القرآن الكريم دراسة واعية وامتدح النبي (ص) وأعجب بشخصية الامام (عليه السلام) فهو يقول: ماذا عليك يا دنيا لو حشدتي قواك فأعطيتنا في كل زمن عليا في عقله وقلبه ولسانه وذي فقاره.

 واستخلاصا لهذا الأثر الحيوي في تاريخ البشرية نجد ان النبي (ص) اجاد في تزكيته حيث قال: (اللهم وال من وال عليا وعاد من عاداه) (علي مني وانا من علي) والكثير من هذه المضامين التي ترسم لنا وشائج العلاقة بين شخصية النبي (ص) ومواقفه الكريمة وشخصية الامام (عليه السلام)، النبي حين طلبت منه قريش ان يترك الدين قال: والله لو أعطيت الشمس عن يساري والقمر عن يميني ما تركت هذا الامر, وعندما أشار المغيرة بن شعبة على علي (عليه السلام) بإقرار معاوية وعمال عثمان الى حين يبايعون له، وبعد ان يطمئن الامر ليعزل من يحب, قال (عليه السلام): انا لا اداهن في امر ديني، فكانت أطروحة الامام علي (عليه السلام) صيانة حقوق الضعفاء والمتابعة الشديدة لسلوك الاتباع والاقارب والمساواة في التعامل بين الناس في العطاء فهو يوصي ولاته بهذا العهد: واجعل لذوي الحاجات منك قسما تنظر له، تفرغ لهم فيه شخصك وتجلس مجلسا عاما تقعد عنهم جندك واعوانك من حيث يكلمك متكلمهم غير متعتع, ثم احتمل الخرق منهم والعي ونح عنهم الضيق.

 سلام الله عليك سيدي لو ترى حالنا اليوم وكيف باعتنا السياسية في دهاليز ارصدة عمياء، سلام الله عليك وانت تحمل الجرح دعاء وبركة لناس يتقربون بيومك الى الله سبحانه وتعالى ان يعم الخير على العراق ويرحم شهداء الحشد الشعبي وقواته المسلحة ويحفظ مقاتليه الى يوم يعم السلام في بلد السلام.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=155014
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 05 / 02
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 11 / 29