• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : عرين الشمس .
                          • الكاتب : رجاء بيطار .

عرين الشمس

 بين المدينة ومرو، اصطفت مواكب الرحيل.. وبينها وبين القلوب الوالهات مواعيد وداعٍ جديد.. هو الرضا.. يقرع أبواب الأرواح المحلّقة بوعودٍ وعهود، لا تفلّها نارٌ ولا حديد، ولا زمنٌ يطول ويصول ويجول، بل ينصاع تحت جنح العزم الذي لا يحيد.. هو الرضا، علي بن موسى (عليه السلام)، سليل المصطفى؛ مجدٌ ونقاءٌ وتقى.. قمةٌ من قمم آل محمدٍ صعبة المرتقى..! وتنسكب خيوط الشمس من عليائها، لتلتفّ حول موكب يزري بضيائها، فتلامس مشارق العصمة، وتستمدّ الدفء والنور من قلبه الصبور، فيحمّلها رسائل شوقٍ وتوقٍ إلى كل آبائه الكرام وأمهاته الطاهرات..
 "وقبرٍ ببغدادٍ لنفسٍ زكيةٍ ... تضمّنها الرحمن في الغرفاتِ.. 
وقبرٍ بطوسٍ يا لها من مصيبةٍ ... توقّد بالأحشاء في الحرقاتِ 
إلى الحشر حتى يبعث الله قائماً ... يفرّج عنا الهمّ والكرباتِ" 
لا فضّ فوك يا (دعبل)؛ لقد نطق الروح القدس على لسانك، فأبنت بأبياتك ما حفّز الإمام على إظهار علمه وإتمام بيانك، فألقى علينا بعض ما خفي من سرّ آل محمد.. هو الرضا.. حبيبٌ من أحبّاء الله، ووليٌّ من أوليائه، كريمٌ لا يُعرف الكرم إلا في مواطئ عطائه، عليمٌ لا يُستقى العلم إلا من مواطن ثنائه.
 ويقف علماء المصر إلى جانب فقهائه، ويقف موسى والسحرة بإزائه، فإذا عصاه تلقف ما يأفكون، وإذا شمسه الباهرة تكشف زيف معادنهم فيطأطئون لعلاه ويُطرقون..! وينقلب السحر على الساحر، ويُلقى السحرة سجّداً، فيعلم المأمون أن ما يخطّط له ويقدّر وهمٌ وجنون، وأنه في وحول دنياه غارق، كلما تململ ازداد غوصا، وكلما أتى بحركةٍ يروم بها الخلاص ساقته إلى عمقٍ ساحق، أعمق من كل عمقٍ سابق، فهو يبحث عن الكدر في الصفو الرائق.. ويريد أن يكيد للرضا (عليه السلام)، فيعرض عليه الخلافة؛ لكي يشكّك العوام في أحقيّة إمامته، ويصوّره طالباً للسلطان في وهج زهادته، ولكن الإمام العالم بطويته، يرفض مظهراً لحجته: "إن كانت الخلافة لك وجعلها الله لك، فلا يجوز أن تخلع لباساً ألبسكه الله، وتجعله لغيرك، وإن كانت الخلافة ليست لك، فلا يجوز لك أن تجعل لي ما ليس لك!"* حتى إذا علم فرعون أن أمره مكشوف، وأنه عند الإمام ظاهرٌ ومعروف، لجأ إلى التهديد والوعيد ليحقق مأربه: " إنك تتلقاني أبداً بما أكرهه، وقد أمنت سطوتي، فبالله أقسم لئن قبلت ولاية العهد وإلا أجبرتك على ذلك، فإن فعلتَ وإلا ضربت عنقك!"(1).
 لقد علم المأمون أن السلطان لا يحتاج طاغية زمانه ليُتوِّجَه، فهو للقلوب سلطانٌ تعرفه بفطرتها، وهو قِبلتها وهي إليه تتوجَّه، ولقد بهت الذي كفر، وإنما قبل الإمام بذلك العهد المنكر مكرَهاً، لأمرٍ قد قُدِر، و{يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} ولئن نادى السحرة: "بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون"، حتى إذا رأوا آيات الله أُلقوا ساجدين، فلقد قهرت آياتك يا بن النبي والوصي كل جبارٍ عصيّ، كما فعلت آيات أبيك إذ وعظ في طامورته كل سجّانٍ عتيّ، وتاب على أكفّ ورعه وتقاه حتى قلب تلك البغيّ، ولكن من "غرّته الدنيا وباع حظّه بالأرذل الأدنى، وشرى آخرته بالثمن الأوكس، وتغطرس وتردّى في هواه"، ما كان له إلى التوبة سبيل، وما التوبة إلا حبّ علي (عليه السلام)، وبين "علي" و"علي" و"علي"، ضربة خارجيّ وشربة أمويّ وسمّ عباسيّ، حتى لكأن السم الذي نقع فيه ذاك الشيطان سيفه الأخرس أربعين صباحاً ليضرب به هامة الحق، قد سرى إلى قلوب أبالسة الإنس، فبثّوه دنساً ممجوجاً في هوى النفس، يحملها على كلّ إثمٍ وعدوانٍ ورجس، فتتلوّث أيدي الخطاة بدماء القدس، ويغورون كما عاد وثمود وأصحاب الرسّ، إلى أعمق لحدٍ وأشقى رمس، ليكون عليهم شاهداً في الدنيا والآخرة أنهم قد أضاعوا الطريق، وتاه عنهم في غمرة عماهم حتى عرين الشمس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 (1) المصدر: منتهى الآمال للشيخ القمي، المجلّد الثاني.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=154287
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 04 / 17
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 07 / 24