• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : قراءة في كتاب .
                    • الموضوع : علي البدر والذَّرْوَةُ المُحَيِّرَةُ The confusing Climax في قِصَّةِ: "أَنينُ البَراهين" للقاص د. سلمان كيوش .
                          • الكاتب : علي العبودي .

علي البدر والذَّرْوَةُ المُحَيِّرَةُ The confusing Climax في قِصَّةِ: "أَنينُ البَراهين" للقاص د. سلمان كيوش

وسط بُعدٍ مكاني، مساحتُه جزء من أهوار جنوب العراق المرتبطة زمانيًا بِبُعدٍ مداه قرون ممتدة إلى أكثر من خمسة آلاف سنة حيث الحضارة السومرية التي يذكر أحد الألواح الطينية tablet of clay "بأننا نفتخر لكوننا ورثةَ أجدادٍ عظماء...". ولنا أن نخمن عمر هؤلاء الأجداد خاصة وإن عمر اللوح خمسة آلاف سنةّ!

في هذه البيئة كتب الدكتور سلمان كيوش، وهو إبن الأهوار، قصته. أساطيرٌ متجذرةٌ.. الظلامُ وعلاقته بالكائنات الخرافية مثل "ألطنطل Tantalo " الذي يظهر في عتمة الليل ولا ينبغي لمن يراه أن يصرخ. ما عليه سوى الصمت وابتلاع رعبه وبالحقيقة إن الرعب هو الذي يخرسه ويسيطر عليه وإلاّ يتحوَّل إلى حيوان مثل الخنزير المخيف والمنبوذ والمحرم أكله، المرتبط وجوده بالمنطقة. كل شيء غريب في هذه الأهوار.. طباع الناس التي تميل إلى الكرم لحد التطرف، بساطتهم، صدورهم الرحبة وابتسامتهم المريحة وخبرتهم بالصيد، والإعتداد بشخصيتهم وسمعتهم الطيبة التي تقويها وتشدها إرتباطاتهم مع القيم التي تصون كرامة الإنسان وتحافظ على قيمه ووجوده. والأغرب هو بيوتهم الطافية على الماء والمقامة على أرصفة طافية floating platforms تُعمَلُ من طبقاتٍ layers من القصب والطين تُسَمّى جبايش، ومفردها جباشة حيث يُضفَرُ القصبُ أحيانًا ليكون مساحةً طافيةً على الماء.

في هذه الأجواء نشأ "زيني" الذي ورث مشحوفًا canoe وهو زورق مصنوع من حطام سفينة محطمة بأيادي أمهر الصناع الصابئة. مشحوف أصبح حديث الناس وبات كل هم "زيني " المحافظة عليه خاصة عندما كشف سبب حيرته ومعاناته لزوجته " جاءني من يقول ثمة من يخطط لسرقة مشحوفي.... لن أعيش، لا أستطيع تخيل استمرار أنفاسي ونبضي بعده... أنا أنظر إليه كأَني أنظر إلى أبي وجدي وإخوتي وسلالة كاملة عاشت هنا واصطادت بهذا المشحوف السمك والطيور، ولطالما امتلأَ بالقصب وطاف مجاهل الهور وأقاصيه ..". ولقد فقد حماسته للحياة والأشياء، وازداد صمته.." ألأمرُ خَطيرٌ إذن فنحن أمام إنسان بدا في شرودٍ تامٍ، فَلَم " يَعُد يحاور زوجته كما اعتاد فاستبد بها قلق عليه...".

وعندما يُصعق الفرد أحيانًا بخبرٍ يسبب له تهديدًا، فإن نوباتِ الخوف fearتسيطر عليه لتتحول الى قلق worry يهدد كيانه وقد يفقده توازنه ويشعره بتهديد البيئة المستمر. فالقلق هو في الحقيقىة خوفٌ مستمرٌ حيث يعيش هذا الفرد فتراتِ شرودٍ ذهني وسلوكٍ قد يبدو غريبًا عند الكثيرين خاصة في بيئة أسطورية وعليه قرر النوم داخله في الليل، مما أربك اللصان . " أنسرقه وزيني فيه؟"، وكان لهم ما أرادوا عندما ابتعد المشحوف " ببطء وهدوء وَحَذَر عن بيت "زيني"... وما إن انساب المشحوف في ألنهر بنعومة مبتعدًا حتى جذفا وكأنهما في مشحوفهما في رحلة صيدٍ عادية.." . حملاه ووضعاه على جباشة. ياترى. ماذا حدث لزيني؟ أمتعب هو لدرجة فقدان الوعي losing consciousness؟ أهو جبان لهذه الدرجة؟

وبين الوعي وعدمه، أفاق وهو على الجباشة كان يتذكر اسمَه وعندما اتجه لبيته كان " يردد بلا انقطاع مَن أنا؟ فلو كنتُ أنا زيني فما الذي أتى بي الى هنا؟ ولو كنت رجلاً اخر فمن هو؟ " ونلاحظ إن هذه المحاورة مع النفس monologue جاءت باسلوب عميق فلسفي من الصعوبة أن ينتجها شخص فاقد لذاكرته تمامًا أو شخص يعتبرونه مجنونًا، وبواسطة جباشة حاول التوجه لبيته معتمدا على ما تبقى من وعي. هل هو بطريقه الصحيح لبيته وهو بين الممرات المائية وسط القصب المتشابك؟ :كلاب تراقبه على جباشة جانبه. إنه قريب من بيته إذن. لم تنبح عليه. إنها تعرفه. زوجته المرتبكة والمحتارة لغيابه تشاهده الآن وهو يتساءل " زيني.. زيني.. هل زيني هنا؟.. جاء صوتُه مكتومًا". لقد نسي "زيني" نفسه.. أجل نسي وجوده. بماذا سيواجه زوجته، فهو رجل عليه أن يتصف بالشجاعة أمام أهل بيته إضافة إلى السَّلَفِ الذي يعيش وسطه حيث سينعتونه باقسى الألفاظ، عندما تنتشر الشائعات المسيئة لسمعته. ، تهافتَ الناسُ عليه وهم يحمدون الله على نعمةِ العقلِ، منهم مَن قالَ بأن "زيني" قد جنَّ منذ أن ركبَ المشحوفَ الأسودَ أوّل مرّةٍ مع جدّه القديمِ، ومنهم مَن شطحَ خيالُه بعيدًا فاتهمَ زوجتَه بأنّها سقتْهُ ماءً مسحورًا جلبتْهُ من أحفادِ الصابئةِ الذين بنوا المشحوف، لسببٍ لا يعلمه إلا الله. كلام كثير كثير....

وهنا يتركنا د. سلمان كيوش وسط ذروة تبدو لأول وهلة محيرة، وفي تساؤل لابد من فك رموزه لننحاز على الأقل لنتيجة لابد أن تختلف عن تكهنات هؤلاء الناس البسطاء. وحالة فقدان الذاكرة عند "زيني" لم تكن بسبب عضوي وإنما نفسي, psychological cause حيث إنَ فقدان الذا

كرة نتيجة صدمة ما، قد تؤدي إلى التراجع وفقدان القدرة على التذكر بخصوص السيرة الذاتيه والتي تحدث لفترة من الزمن تتراوح بين ساعات إلى أعوام يعيش الفرد فيها وسط حالة تعجب وتيه كما حدث لزيني " أنا أنا؟. "أم لست أنا؟" ومن الممكن ألأتفاق مع مدرسة التحليل النفسي ورأي سيجموند فرويد ٍSigmund Freud بأن هذا النوع من النسيان قد يكون وسيلة للدفاع عن النفس والتخلص من الأِحراج embarrassment من موقفٍ إجتماعي مربك كما هوالحال عند الإغماء وفقدان الوعي، فعندما تذكَر زيني طريقه الى البيت عِبرَ الممرات المائيه "ألكواهين" إعتمد على ما تبقى من خبرته البعيدة وقد عرف "زيني" زوجته التي هي مصدر متراكم من خبرة سابقة لكن عقله الباطن حاول تخليصه من موقف محرج بأن أنساه إسمه ، فماذا سيبرر مجيئه بدون مشحوفه الذي كثيراً ما يطيل النظر إليه راسيًا " عند الضفة برشاقةٍ قَل نضيرها بين مشاحيفٍ بحجمه..." وعندما بادَرَ زوجته قائلاً " هل زيني هنا؟" فإنها بالتأكيد ستنشغل بمصيبةِ فَقْدِهِ للذاكرة ولن تجرؤ على لومه لفقدانه مشحوفه، وهذا بالنتيجة يخفف من الضغط العصبي عليه ويكسبه بنفس الوقت طاقة عصبية مضافة، وبالتالي تساهم في الأسراع بشفائه. وعليه فإن نسيانه المؤقت لإسمه ماهو إلا حيلة لاشعورية للدفاع عن النفس. وعدم نباح الكلاب منحه دعمًا نفسيًا بأنه في الطريق الصحيح لبيته، ساعده على التعرف على ملامح زوجته وإنه موجود فعلًا، ولكن ..." ما أقسى أن تكون الكلابُ دليلاً على صِدقِ وجودِنا؟"




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=153206
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 03 / 19
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 01 / 20