• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : مدى مشروعية الاعتراضات على دستورية وجود خبراء الفقه الاسلامي في تشكيلة مشروع قانون المحكمة الاتحادية العليا .
                          • الكاتب : د . عبد الهادي الحكيم .

مدى مشروعية الاعتراضات على دستورية وجود خبراء الفقه الاسلامي في تشكيلة مشروع قانون المحكمة الاتحادية العليا

لقد اثار مشروع قانون المحكمة الاتحادية العليا المرسل من الحكومتين السابقة والحالية والمقروء قراءة اولى وثانية في دورتي مجلس النواب العراقي السابقة والحالية عاصفة من الجدل والنقاش والحجاج في مدى قانونية الفقرة( د) من البند (اولا ) من (المادة الثانية) من المشروع قيد التشريع الناصة على عضوية عدد من خبراء الفقه الاسلامي في تشكيلة المحكمة الاتحادية العليا
حتى وصل الحد بمتشددي بعض المعترضين لان يزعم متخطيا كل الحقائق واعراف اللياقة الادبية في الخطاب والوقائع ليقول بان واضعي قانون المحكمة الاتحادية ومرسليه للتشريع (رئيسي وأعضاء مجلسي الوزراء السابق والحالي) قد انطلقا. واقتبس. من "نهج داعشي". لانهم اثبتوا في مشروع القانون المرسل مادة تنص على ان خبراء الفقه الاسلامي حالهم حال القضاة وفقهاء القانون اعضاء في تشكيلة المحكمة الاتحادية العليا.
ولكي القي الضوء على هذه القضية اقول:
لقد نصت المادة (ثانيا) من الدستور على ما يلي. وأقتبس.
"أولاً:- الإسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدرٌ أساس للتشريع:
‌أ- لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام. انتهى الاقتباس.
وورد في البند (اولا) من المادة (٩٣) من الدستور ما نصه. واقتبس:
"تختص المحكمة الاتحادية العليا بما يأتي:
أولاً:- الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة". انتهى الاقتباس.
ومقتضى ذلك ان المحكمة الاتحادية العليا هي التي تفصل وتحكم وتبت في معارضة او عدم معارضة القوانين والانظمة والقرارات الصادرة عن السلطات الاتحادية مع ثوابت احكام الاسلام.

وتأسيسا على ذلك ولضمان تطبيق (المادة الثانية أ ) من الدستور المتقدم ذكرها فقد عمد المشرع العراقي الى كتابة (المادة ٩٢. ثانيا) من الدستور كالتالي. واقتبس:
" تتكون المحكمة الاتحادية العليا، من عددٍ من القضاة، وخبراء  في الفقه الإسلامي، وفقهاء القانون". انتهى الاقتباس.
ذلك ان خبراء الفقه الاسلامي هم المعنيون اولا وبالذات بتشخيص ما يعارض او لا يعارض ثوابت احكام الاسلام .كونهم اهل الاختصاص الدقيق فيه.
ولو لم يتضمن الدستور الفقرة (أ) من البند (أولا) من المادة الثانية التي نصت على عدم جواز سن ما يتعارض مع ثوابت أحكام الاسلام، لما كانت هناك حاجة الى وجود خبراء الفقه الاسلامي في المحكمة الاتحادية العليا.
وفي ضوء ما تقدم يتعين : ان يعهد المشرع الى خبراء الفقه الاسلامي امر تشخيص معارضة او عدم معارضة القوانين والانظمة والتعليمات الصادرة من السلطات الاتحادية لثوابت احكام الاسلام.

وبناء على ذلك فانه لا يجوز ان يكون التشخيص والفصل والبت في مدى معارضة او عدم معارضة التشريعات الصادرة لثوابت احكام الاسلام بيد غير خبراء الفقه الاسلامي من اعضاء المحكمة الاتحادية العليا لعدم اختصاصهم الدقيق في الأمر المحال اليهم النظر فيه.
اما وقد انتهى بي العرض المتقدم الى ان الدستور ألزم مشرعي قانون المحكمة الاتحادية العليا بوجود خبراء الفقه الاسلامي كأعضاء اصلاء في تشكيلة المحكمة الاتحادية العليا، وانهم يعهد اليهم دون سواهم بحكم الاختصاص الدقيق والخبرة المتراكمة بحثا ودراسة وممارسة وتدريسا امر الفصل في معارضة او عدم معارضة التشريعات الاتحادية لثوابت احكام الاسلام. 
اقول اما وقد انتهى بي البحث الى ذلك فاني ساذكر الاعتراضات الواردة على عضويتهم في تشكيلة المحكمة وأهمها :
أولا : ان (خبراء الفقه الاسلامي) يجب ان لا يكونوا اعضاء اصلاء في المحكمة، ولا يحق لهم التصويت على قراراتها، ذلك ان "خبراء الفقه الاسلامي" ليسوا "قضاة" ليكونوا اعضاء في تشكيلة المحكمة، مستدلين على دعواهم هذه بان المادة(92/ أولا) من الدستور نصت على ما يلي. وأقتبس :
"المحكمة الاتحادية العليا (هيأةٌ قضائية) مستقلة مالياً وإدارياً". انتهى الاقتباس.
ولما كان خبراء الفقه الاسلامي ليسوا (قضاة) يمارسون مهمة القضاء الرسمي فلا يحق لهم ان يكونوا اعضاء في تشكيلة المحكمة.
وكأن المعترضين فهموا بان "الهيأة القضائية" منحصر اعضاؤها في من كان قد عين في منصب (القاضي) ضمن الجسم القضائي للدولة العراقية دون غيره.
ولكي أثبت عوار هذا الزعم، وأدلل على ان المقصود بمصطلح (الهيأة القضائية) في قوانين المحاكم الاتحادية او الدستورية هي انها هيأة تحكم وتقضي وتبت وتحسم الامور في القضايا المعروضة امامها، لا ان مقصود واضعي الدستور بها ان عضوية المحكمة الاتحادية مختصة بمن يمارس منصب القاضي في المحاكم فقط دون غيرهم. فقد عدت الى قوانين المحاكم الاتحادية او الدستورية في بعض الدول العربية والأوربية لاستعين بها على نقض الاشكال المتقدم، مختارا منها ما هو سابق في تشريعه على دستورنا العراقي، ومنها ما هو لاحق له.
اما قانون المحكمة الدستورية السابق فهو القانون المصري، كون مقننيه سبقوا مقنني الدول العربية الاخرى قدما وخبرة حتى بات بعض الدول العربية الاخرى تستعين بقانوني مصر في كتابة بعض من دساتير تلك الدول.
واما قانون المحكمة الدستورية اللاحق فهو القانون التونسي.
وسابتدأ اولا بالقانون المصري:
لقد ورد في المادة الاولى من قانون المحكمة الدستورية المصري المرقم (48 لسنة 1979). تعريف المحكمة الدستورية العليا، فعرفها كالدستور العراقي بانها (هيأة قضائية) فقال ما نصه . واقتبس :
"المحكمة الدستورية العليا هيئة قضائية مستقلة قائمة بذاتها في جمهورية مصر العربية " انتهى الاقتباس.
ثم ثنى فذكر في المادة(الرابعة) من القانون نفسه صفات العضو فيها ، مشترطا ان يكون من بين الفئات الاتية. وأقتبس.
" (ا) اعضاء المحكمة العليا الحاليين.
(ب) اعضاء الهيئات القضائية الحاليين والسابقين ممن امضوا في وظيفة مستشار او ما يعادلها خمس سنوات متصلة على الاقل.
(جـ) اساتذة القانون الحاليين والسابقين بالجامعات المصرية ممن امضوا في وظيفة استاذ ثماني سنوات متصلة على الاقل.
(د) المحامين الذين اشتغلوا امام محكمة النقض والمحكمة الادارية العليا عشر سنوات متصلة على الاقل" .انتهى الاقتباس.
وواضح جدا من النص أعلاه ان المقصود ب( الهياة القضائية) في القانون المصري اوسع من ان يقتصر أعضاؤهاعلى القضاة فقط، بل يشمل غير القضاة ايضا.

اما قانون المحكمة الدستورية التونسي المرقم ( 50 لسنة 2015) فقد عرف في الفصل الاول من الباب الاول منه المحكمة الدستورية بقوله. وأقتبس:
" المحكمة الدستورية هيئة قضائية مستقلة (....)".انتهى الاقتباس.
ثم عدد القانون التونسي في (القسم الاول من الباب الثاني) منه الخاص بتشكيلة المحكمة الاتحادية وشروط عضويتها امورا عدة، يهمنا في مجال بحثنا منها ما جاء في الفصلين (السابع و التاسع) منه ما نصه. وأقبس: 
" الفصل 7 ـ تتركب المحكمة الدستورية من إثني عشرة عضوا، ثلاثة أرباعهم من المختصين في القانون.
الفصل 9 ـ يشترط في العضو المختص في القانون أن يكون :
ـ من المدرسين الباحثين التابعين للجامعات منذ عشرين سنة على الأقل برتبة أستاذ تعليم عالي،
ـ أو قاضيا مباشرا للقضاء منذ عشرين سنة على الأقل ومنتميا إلى أعلى رتبة،
او محاميا..الخ
ويشترط في العضو من غير المختصين في القانون أن يكون حاملا لشهادة الدكتوراه أو ما يعادلها".انتهى الاقتباس.
وواضح ايضا ان (الهيأة القضائية) في القانون التونسي كما هي في القانون المصري وغيرهما كما سياتي لا ينحصر اعضاؤها بالقضاة فقط ، بل تشمل الهيأة القضائية مدرسي الجامعات من الباحثين والمحامين وحاملي شهادة الدكتوراه من المختصين بالقانون وغير المختصين به ايضا.
بل زاد قانون المحكمة الاتحادية التونسي على ذلك بان اشترط في تركيبة المحكمة الاتحادية ان يكون ثلاثة ارباع (هيأتها القضائية) من المختصين في القانون باقسامهم السابقة، وليسوا من (القضاة) حصرا ، كما هو الحال في أغلبية عدد القضاة في قانوننا قيد التشريع .
واشترط ايضا بأ يكون ربع اعضاء المحكمة الدستورية التونسية من غير المختصين بالقانون اصلا .لا قضاة، ولا اساتذة جامعيين في القانون، ولا محامين، بل من اختصاصات علمية اخرى. 
ناهيك عن ان قوانين المحاكم الاتحادية في بعض الدول الاوربية اذكر منها: ايطاليا والمانيا، والعديد من الدول العربية اذكر منها: لبنان والجزائر والمغرب وغيرها مما لا يسع المجال لاستعراضها جميعا نصت على وجود غير القضاة في تشكيل هيئاتها القضائية.
بل ان قانون المحكمة الدستورية المغربي نص على وجود احد فقهاء الشريعة ضمن هيئتها القضائية. 
فأثبت في قانون المحكمة الدستورية وجود احد فقهاء الشريعة. واقتبس: 
"تتألف المحكمة الدستورية المغربية من 12 عضوا، يعينون لمدة تسع سنوات غير قابلة للتجديد، ستة أعضاء يعينهم الملك، من بينهم عضو يقترحه الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى (مجلس رسمي للفقهاء)" انتهى الاقتباس.

هذا ما يتعلق بالاعتراض الاول الذي ساقه المعترضون الخاص بقصور فهمهم للمراد بالهيئة القضائية رغم انهم مختصين في القانون واساتذة في الجامعات وقضاة فعليين.

ثانيا : ذهب المعترضون الى ان خبراء الفقه الاسلامي الوارد ذكرهم في النص الدستوري هم في حقيقة الحال (مستشارون) للمحكمة ، وليسوا اعضاء في تشكيلتها كالقضاة، فلا يحق لهم التصويت على قراراتها بأي حال من الاحوال.
وهذا الاشكال غريب ايضا ذلك ان المادة(٩٢/ثانيا) من الدستور نصت بما لا يقبل الشك على ان المحكمة الاتحادية تتكون من (القضاة) و(خبراء الفقه الاسلامي) و(فقهاء القانون). وأقتبس:
" تتكون المحكمة الاتحادية العليا، من عددٍ من القضاة، (و) خبراء في الفقه الاسلامي، (و) فقهاء القانون" انتهى الاقتباس.
فعطفت المادة الدستورية بحرف العطف (الواو) بين مكونات المحكمة الثلاثة : (القضاة) و(خبراء الفقه الاسلامي) و(فقهاء القانون).
ومعلوم ان حرف (الواو العاطفة) كما يقول النحاة واللغويون والقانونيون والفقهاء والاصولويون والمفسرون كلهم انها تعني (التشريك في الحكم) اي اشتراك ما بعدها بحكم ما قبلها، او حسب قول النحاة. وأقتبس "أول أحرف العطف التي ذكرها ابن آجروم رحمه الله، هو حرف العطف الواو، والواو هي أمُّ هذا الباب، وهي من الحروف السبعة التي تفيد مشاركة المعطوف للمعطوف عليه في الحكم، قالوا او تُفيد أن ما بعدها يشترك مع ما قبلها في معنى واحد، ومثال ذلك: قوله سبحانه: ﴿ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً ﴾ [الحاقة: 14]؛ فإن حرف العطف (الواو) هنا قد دلَّ على أن كلًّا من الأرض والجبال قد اشتركَا في معنى واحد، وهو أنهما يحملان يوم القيامة، فيُدكَّان دكةً واحدةً" انتهى الاقتباس.

اما كيف حجب المعترضون معنى (الواو) العاطفة في النص فسلبوها معنى ( المشاركة في الحكم) وان (ما بعدها يشترك مع ما قبلها في الحكم) خلافا لبديهيات اللغة العربية والقانون والفقه وأصوله والتفسير وغيرها، فهذا ما يحتاج ان يجيبنا عليه المعترضون.
كما على المعترضين ان يجيبونا ايضا عن سؤال مؤداه: من اين جاؤونا بقولهم ان مقصود كتاب الدستور بخبراء الفقه الاسلامي في تكوين المحكمة الاتحادية هو منحهم الصفة (الاستشارية) لا عضوية المحكمة الكاملة.
لقد كنت عضوا في لجنة كتابة الدستور، ولم يزعم اي عضو منا خلال كتابة نص المادة اعلاه ان عضوية خبراء الفقه الاسلامي وفقهاء القانون هي (استشارية) وليست عضوية كاملة.

ثالثا : ذهب المعترضون الى ان القانون حصر اختيار خبراء الفقه الاسلامي بالوقفين الشيعي والسني دون غيرهما من غير المسلمين، وفي هذا الحصر تمييز ضد غير المسلمين.
وكأن المعترض يريد ان يضيف عضوا غير مسلم ليقرر هذا العضو غير المسلم ان هذا القانون مخالف لثوابت احكام الاسلام او غير مخالف.
لقد نص القانون قيد التشريع على ان يكون عدد اعضاء المحكمة ١٣ عضوا، وعلى من لهم حق ترشيح الاعضاء ان يختاروا من القضاة او من فقهاء القانون، لا من خبراء الفقه الاسلامي طبعا اعضاء غير مسلمين في المحكمة وهذا حق ، وهو ما ماذهب اليه العديد من اعضاء مجلس النواب خلال مناقشتهم للقانون وهذا متفق عليه.
هذه هي اهم الاعتراضات على عضوية خبراء الفقه الاسلامي في تشكيلة المحكمة الاتحادية ، مع ردودها، ارجو ان تكون نافعة وملمة بالموضوع محل البحث.
بقي لي ان اشير الى شيء مفاده ان الاشكالات التي وردت على عضوية خبراء الشريعة للمحكمة ترد ايضا على عضوية فقهاء القانون كذلك سواء بسواء .
ومع ذلك لم يشكل احد من المحاججين والمناقشين على عضوية فقهاء القانون رغم انهم من اساتذة القانون وليسوا قضاة .
بل انصبت اشكالاتهم كلها على عضوية خبراء الشريعة فقط لغرض في نفس يعقوب.
ولكم ان تستنتجوا سبب ذلك ؟ وتشخصوا مدى علمية الاشكالات عليها من عدمها وما هي دوافعها الحقيقية




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=152745
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 03 / 04
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 05 / 18