• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : قراءة انطباعية في كتاب الفتوى الخالدة..(2) .
                          • الكاتب : علي حسين الخباز .

قراءة انطباعية في كتاب الفتوى الخالدة..(2)

  مواكبة جادة تتابع تنامي فتوى الدفاع المقدس عبر آيات الصمود البطولي للحشد الشعبي وما قدمه من انتصارات لا بد أن تتكلل بجهود توثيقية تراعي دوام حضوره في ذاكرة التواريخ، وكتاب الفتوى الخالدة الذي أعدّه سماحة السيد محمد علي الحلو بمساعدة لجنة مكونة من الشيخ أياد الطائي والسيد صلاح الحلو والأستاذ مهند البراك قدمت متابعات توثيقية دونها عدد كبير من الكتاب والكاتبات ستقدمهم صدى الروضتين تباعاً في سلسلة من القراءات، وتخصص متابعة اليوم للكاتبة (ايناس حسن) من مركز الحوراء، قدمت مجموعة من القصص والحكايات التي تسهم في بلورة وعي المرأة وما تحمله من علاقة حميمية بالقيم التضحوية.

 والمعروف أن في أدب المرأة مجسات اجتماعية لا يجيد التعبير عنها سوى المرأة (مشاعرها، احاسيسها، فهمها لهذا الواقع التضحوي، والمشاركة الفاعلة)، فالدور الحياتي للشهيد ينتهي عند عتبات الاستشهاد، ليبدأ الدور الحياتي الحقيقي للمرأة, جهادها من أجل حياة بيت الشهيد – أولاده – صيانة كرامته.
 سعت الكاتبة ابداعيا لقراءة توثيقات معنونة لتكون هي الأقرب الى الادب التسجيلي المعبرة عن تدوين السير الذاتية المحفوظة في وجدان المرأة الام والزوجة والابنة والاخت لنتابع سير التجربة التي قدمت حكايتها برؤية المرأة الناهضة بأعباء المسؤولية, ابنة الواقع وسيدة الجرح العراقي, النظر الى معاصرتها عبر الإرث الطاهر وصبر الصابرات من اهل البيت (عليهن سلام الله)، فكانت الخطوة الأولى حكاية بعنوان (صدمة) صفحة 56 قدمتها براوية انا المتكلمة – الساردة زوجة الشهيد, عملت الكاتبة على تطعيم السيرة الذاتية بالروح الشعرية لتحرك أجواء حكاياتها مثل قولها: (هبت ريح أولى لتقتلع عزيمته) او لنقرأ (كانت اول حبو للجري نحو الشهادة في تكريت).
 لم تأتِ الشهادة في ادبيات ايناس حسن بصورة اعتباطية وانما هناك مكونات دلالية ترتبط بسمات الشخصية كالرغبة اللحوحة لنيل الشهادة والاقبال على الشهادة والتهجد بالصوت الرخيم لتلاوة القرآن، تقدم شهيدها باستقرار روحي يعيشه في حياته يتمنى بها نوال الحسنى (يا لله كم تمنيت لو كنت انا مكان هذا الشهيد).
 ليس في هذا الامر تجاهلاً للواقع المأساوي، وانما هناك تحديات عالية رصينة تمنحنا الفهم الكافي لمعنى الحرب، ولكن في نفس الوقت تعكس الملامح النفسية لمكونات بطل حكايتها (عبد الحسن) الذي نجا من التفجير بأعجوبة، نهض مبتسماً يقول لصحبه (سأعد لكم الفطور).
 حضور الحيز الدلالي يأخذنا باتجاه فطنة الكتابة, الشهيد هو ابن بيته، يحمل قيم الشهادة وعياً وتربية؛ لتكون لديه كل هذه المقدرة على تحمل عبد الحسين الأخ الأكبر للشهيد عبد الحسن (انا اردت الشهادة يا اخي وانت نلتها قبلي فهنيئا لك) وام الشهيد (اغمضت عينها وهي تنثر الجكليت – تطلق زغاريد العزاء بين بكائها وفرحتها المسروقة بالعافية، هذا عزائي لك سيدتي الزهراء تقبليه مني يا ام الحسن)، والابن الصغير يخطط لرفع صورة كبيرة لأبيه الشهيد.
 وفي حكاية (سر من رأى) صفحة 84 تؤكد حضور المرأة المحوري رغم ان الرواية تروى عن الغائب هو (عباس شراد) يرتبط بأنثاه من خلال التحاقه بالجبهة من اخوان زوجته الخمسة وهو الذي اسر زوجته بعشقه لمناهل الشهادة.
 لم تدون الكاتبة في هذا المقطع سمة الزوجة، وانما ضخمت الدلالة، اسر بأمنيته لشريكة حياته وام أولاده وحتى عندما مازحته بالتخلي عن حياته لم يعرها أهمية؛ لكونه يعرف جوهر زوجته.
 وتذهب الكاتبة الى دهشة تأثيرية اعمق عندما رسمت ملامح وجهه المتوهج حتى كادت دمعته تسقط خجلاً، وهو يصيح بغضب (لن اسامحهم ابدا كيف يتجرؤون على اسم مولاتي الزهراء).
 قدمت الكاتبة مثال المرأة العراقية المؤمنة الصابرة, زوجة مقاتل وأم لمشروع (يتم) يصحو في امنيات اب تهفو روحه الى الالتحاق بالركب الحسيني المبارك، يسألها: هل تناول الأطفال عشاءهم..؟ ردت عليه وهي تنظر الى ثلاجتهم الخاوية: ان شاء الله سيكون ذلك..!
 حضور المرأة عند الكاتبة ايناس حسن يشكل سلطة قوية في ممارسة المعنى بأبعاده الروحية والشخصيات جميعها عند هذه الكاتبة تتمنى الشهادة، وتوجد نقاط أخلاقية لمنح هوية شهيد مثل المشاركة بواعية المقاتلة الشهادة.
 وفي قصة (وضاق صدره) ندعوها للاهتمام بالعنونة لتوجيه العناية لاشعاعات ثريات نصوصها وتزينها بالأبعاد الدلالية.. الراوية انا المتكلمة زوجة شهيد تتحدث باحترام عن سيرته الذاتية قدمتها بشعرية تستنطق الدلالات الفاعلة تقول: (لطالما حصدت ثمار يقيني، في كل فصول انسي وحظوتي) ثمار اليقين, فصول الانس والحظوة, البطولة لروحية الزوجة التي كتبت (الصدى من صرخة الصوت من غياهب الظلام تردد في خطاب يريد الله ان يعز قوما ويفضح الكافرين).

السرديات التي تسلط الضوء على جميع أوجه الرواية تمنح متلقيها الرؤية الشاملة – التنامي الحواري الذي اتخذته الكاتبة منحى من مناحي كشف الوجدان (لم أكف عن سؤالي، لم احصل على إجابة تبرد نار الهم... – لا شيء.. - كيف لا شيء وانت تبحر في متاهات تزهد في مشاركة ضيقك ووجعك معي؟ وتخرج من الحكاية لشعرية عالية مثلما دخلتها (هدوء يخنق اليقين ويلهج الشك بأن امراً ما ليس على ما يرام.
استهلاليات من حكاياتها الشعرية تشع بدلالات المعادل الموضوعي ساعية للابتعاد عن التقريرية فنياً وبلوغ دلالاتها فكرياً في حكاية (شيخ المجاهدين) ص 104 الراوية هي المتكلمة ابنة الشهادة تقول: (انا ابنتك التي افزع من حلمي خائفة, مرعوبة، لأداري ظني المتهالك انك ما زلت بجانبي... تعلمني كيف اعقد سلاما مع مخاوفي).
 شعرية ممزوجة بأبعاد استحضار لائقة بشخصية الشهيد، شعرية لا بد ان نقف عند ملامحها الشامخة فهي تقول: (يصبح كلامك لزجا تعلق به اقدامنا حتى نوقع على انفسنا ويؤخرنا صوت الضمير).
 وتبدأ السيرة الحياتية بالتوغل عبر هذا التنامي الشعري لتعطينا الحكاية لمحة لمحة ومشهدا اثر مشهد مقتصرة بالجمل السردية (فقدك يعرقل لغتي وفهمي... من مثلك ولك ثمان بنات برقبته ولم يقصر عنهن ابدا... علني اقدر على هدهدة قلبي الذي لم يعرف الما وانت تصده عني).
 وظفت الكاتبة الشعرية توظيفا حميميا يجسد في ثنايا موضوع الحكاية ليكشف عن احداثها شيئا فشيئا فهي تروي (أتصحر وألهث لعلي اجد شربة ماء من ثغره فلا استوحش النسيان).
 كل واحدة منا اخذت زاوية ذكرها لتحس بقيمة وجوده وما سر هذا الانطفاء في ممارستنا للحياة. - بارقات التمييز عند هذه الكاتبة يفتح باب المشاعر باتجاه التفاؤل. - الفرح والاعتزاز بهذا الاعتدال فتميز البطل مضمون بقدرة الجملة الساحرة تقول: (لم نحس انه يخوض حرباً).
 ملخص حياة وتميز يفيض بالدعى والسلم والحياة تبتهل بالرحمة والرهافة والروعة والرغد لتصل الى تنامي الموقف (التقطت روحه التي تتعلم للتو السباحة في ذلك الفضاء البرزخي. - هكذا رحل يضمن لنا في بطاقته الشهادية ما سيتبقى لنا من حياة.
 ونجدها في حكاية (سامحيني) ص145 الراوية أنا المتكلم امرأة عراقية، أي انها ليست شخصية ورقية من صنع قلم، لذلك نجدها شخصية مؤثرة تعيش قلب الحدث، تضيف لها شاعرية التدوين جمالية (من كان سيخبرني بأن قلبه عرج فلا أرد على تلك المكالمة التي أتت كمداهمة من محتل على حرمات وجودي).
 هذه المرأة لها ألق خاص، كان موقفها لصالح بيتها وهذه الميزة اعطتها واقعية، تتوهج في اعترافها (لجم جرحي بقرار عودته، لم اجد لاعتراض مأوى بأحقية شرعيته) وتعني نكأ جرحي، خفقات الشعر توغل في سمات هذه الشخصية (للمرة الثانية تحققت أمنيتي وأضيئت ظلمة وحشتي)، الوعي الفني للكاتبة جعل لها إمكانية تحويل سرديات ذاتية أو لنقل استذكارات العالم التسجيلي التوثيق الى جمال ابداعي مثل قولها: (تغش قلبي بخمار التصبر وتلا آيات الحفظ كحصن له فودعته عند باب المنزل) او لنقرأ (بعد اتصالات لا تكاد تسقي رمق الانتظار).
 وقدمت رحيل بطل بتوقيع ادبي (لقد اعتذر سامر وطلب مني السماح، وفي حكاية (كل شيء لا يعوض) كانت الراوية تروي عن الغائب هو (امرأة عجنت عزيمتها من مرارة العيش لتخبز بظمأ قلبها على نار) كاتبة تصوغ سردياتها شعرا لتزدهي العاطفة سخية، والشهادة في طيف شاعرة اكثر جمالاً وأبهى معنى.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=152718
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 03 / 04
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 11 / 30