• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : الفتح الحسيني ببقاء الاسلام المحمدي .
                          • الكاتب : عبد الناصر السهلاني .

الفتح الحسيني ببقاء الاسلام المحمدي

  🔹 لم يسفك دمه الطاهر المقدس الا من اجل حماية الدين والدفاع عنه لا غير. 

انتصار سيد الشهداء في الحماية قد اعلنه سجاد الائمة يوم سأله السائل: "يا علي بن الحسين من غلب؟" فكان جواب الامام: "اذا اردت ان تعلم من غلب، ودخل وقت الصلاة فأذن ثم اقم"(1)، ولم يقل لترى الرئاسة والحكم كيف ستكون لنا، ولم يقل له لترى ان الظلم والظالم سوف يزول، فمن يجعل اهداف النهضة المقدسة (التي يعلم الامام بانها ستنتهي بسفك دمه) الوصول الى الحكم، او مجرد الوقوف بوجه حاكم جائر، واضراب هذه الامور التي رُكِبت برأس النهضة الحسينية، فهو يعلن فشل النهضة غافلا وبدون قصد، فهل استلم اهل البيت (عليهم السلام) الحكم بعد سيد الشهداء؟!!! وهل انقطع الظلم وأُبعِد الظالمون بسبب النهضة؟!!! ام ازداد اعداد الظالمين الجائرين بعدد اتساع الدولة وولاياتها؟!!! 

هل كان مجرد وجود ظالم ياخذ حقوق الناس او يتعدى عليهم او يعتقلهم او يسجنهم، يستحق ان يضحي الامام بنفسه المقدسة وهو خازن علم الله، ونوره، ووجهه، وبابه وركن من اركان الارض!! 

يسفك دمه من اجل ظلم يزيد ثم يبقى بعده الظلم والظالمين ويزدادون!!!

العجب لا ينقضي ممن يجعل التضحية بدم المعصوم من اجل امور هي اقل اهمية مقابل حياة المعصوم، ويا ليته كان قتلا عاديا، بل قتلا مريعا تفطرت لهوله السموات والارض لما مُثّل بالجسد الطاهر بعد القتل، ولما انتهكت من حرمة النبي في اسر بناته وسبيهن!!! فالذي يستحق كل هذا هو دين الله الموكل بالامام حفظه والدفاع عنه لاغير.

لذلك كان قد بشر الامام (عليه السلام) بالفتح الذي سيكون نتيجة لشهادته المريرة في تفاصيلها واحداثها، وذلك عندما كتب كتابه لبني هاشم حين خروجه قائلا:

"اما بعد فإنه من لحق بي منكم استشهد معي ومن تخلف لم يبلغ الفتح والسلام"(2)

ولا ينطبق الفتح ابدا الا على بقاء الاسلام محفوظا الى يومنا هذا وحتى قيام الساعة بعد ان تعرض لخطر المحو والاندراس، وسيبقى محفوظا رغم ازدياد الظلم وحكام السوء والجور باضعاف ماكان على عهد سيد الشهداء (عليه السلام)، ورغم بقاء الانحراف بل وازدياده بظهور شتى الفرق والاتجاهات المنحرفة، الا ان بقاء الخط الاصيل الذي يمثله اهل البيت (عليهم السلام)، وترسيخ اصوله وفروعه على يد الائمة من ابناء الحسين (صلوات الله عليهم اجمعين) هو الفتح، واكرم به من فتح.

وهذا ما اعلنته ايضا العقيلة زينب بن امير المؤمنين (عليهما السلام)، حينما صدحت في مجلس الظالمين موجهة الكلام ليزيد الفسق والفجور بقولها: "كد كيدك، واجهد جهدك فوالله الذي شرفنا بالوحي والكتاب، والنبوة والانتخاب، لا تدرك أمدنا، ولا تبلغ غايتنا، ولا تمحو ذكرنا"(3) 

 

🔹 الامام في اول اعلان له وهو في المدينة صرح بالخطر على الدين قبل ان يصله اي كتاب او مكاتبة من اهل الكوفة، حين امتنع عن بيعة يزيد قائلا:

"إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة بنا فتح الله وبنا ختم الله ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحرمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله"(4) 

فابتدأ الامام ببيان موقعه الديني كممثل لله تعالى في الارض، لا مجرد ثائر عادي، فالله تعالى جعله محورا لدينه به يفتح وبه يختم، وهذا الدين العزيز يراد له ان يمحى على يد يزيد، من هو يزيد هل هو شخص مستطرق ام صاحب دكان؟!!! لا هو يتسنم منصبا صفته في المجتمع انه ينوب فيه عن النبي، ومشروع هذا الغاصب انتهاك دين الله، فهو معلن بالفسق، ومثل الامام من كونه مبلغ دين الله وحاميه، لا يبايع لمثل يزيد المنتهك للدين والمتعدي على حرماته علنا في موقع يراه الناس دينياً، فيزيد روعي فيه هذه الجهة الظالمة في كلام الامام (عليه السلام)، لا اي ظلم كان، ولا يعني انه لم يكن ظالما من جهات اخرى، ولكن هم المعصوم الرئيسي في ظرف الحسين (عليه السلام) كان دين الله المهدد والذي يكفل للناس سعادتهم في الآخرة.

وهو القائل عليه السلام: "وعلى الاسلام السلام اذ قد بليت الامة براعٍ مثل يزيد" فقد كان همه الاسلام .

وقال ايضا في خطبته في اصحابه واصحاب الحر: "ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله وأنا أحق من غير"(5)

هكذا كانت خطابات الامام (عليه السلام) في كل مكان ينزل فيه، فانه يذكر دائما بانتهاك الدين العلني من قبل السلطة الجائرة متعمدة لذلك على الملأ، مما لا يسع حامي الدين السكوت عليه ابدا. فمن هذه الحيثية كان التحرك الحسيني العظيم.

 

🔹 نعم كل ظالم حتى لو لم يتعرض لمعاداة الدين فهو عدو لله ورسوله والائمة، ويرفضون سلوكه فهذا من قيم الدين بلا اشكال بل وكل انسان بلا دين ايضا يرفض الظلم والظالمين بالفطرة، ولكن الكلام هل يجب التحرك ضده على اي حال ومهما كانت التضحيات لمجرد انه ظالم في مجالات اخرى؟!!! كلا بل تراعي المصالح في اي فكرة في التحرك والمواجهة، وبقاء المعصوم حياً بين ظهراني الناس لهو اعظم مصلحة باضعاف مضاعفة من موته بسبب وجود ظالم يسرق او يسجن او يعتقل، فهذه ابتلاءات قائمة منذ بدء الخليقة والى نهايتها، وبها يتم الاختبار والامتحان، وترتيب الاجر والثواب. 

يقول الامام الباقر(عليه السلام) في الزمان الذي كانت فيه امامته:

"ولا أعلم أن في هذا الزمان جهاداً إلا الحج والعمرة والجوار."(6) هكذا يصف الامام مصداق الجهاد في زمانه، لان في تقيته وسيلة لاداء مهمته الرئيسية، واعظم بها من جهاد.

وقد يؤيد المعصوم باذن خفي تحرك غيره في مواجهة الظالمين عسكريا في بعض الاحيان حتى مع وجود الخطر على ذلك الغير، ففقدان اي شخص ليس كفقدان المعصوم.

ومن الامثلة ما يذكره السيد الخوئي (طاب ثراه) مؤيدا في قضية المختار(رحمه الله) من وجود الاذن في اقتصاصه من قتلة الحسين (عليه السلام) عندما قال: "ويظهر من بعض الروايات أن هذا كان بإذن خاص من السجاد(عليه السلام)"

ثم يذكر قصة الوفد الذي ذهب الى محمد بن الحنفية (رضوان الله عليه) وسألوه عن نية المختار، فقال: 

"وأما الطلب بدمائنا قوموا بنا إلى إمامي وإمامكم علي بن الحسين(عليه السلام)، فلما دخل ودخلوا عليه أخبر خبرهم الذي جاءوا لأجله، قال: يا عم، لو أن عبدا زنجيا تعصب لنا أهل البيت(عليهم السلام) لوجب على الناس مؤازرته، وقد وليتك هذا الأمر فاصنع ما شئت، فخرجوا وقد سمعوا كلامه وهم يقولون أذن لنا زين العابدين(عليه السلام) ومحمد ابن الحنفية"(7) 

ومن الامثلة ايضا ما يمكن ان يقال في حركة زيد الشهيد (رضوان الله عليه) الذي ترحم عليه الامام الصادق (عليه السلام)، وحزن لفقده وامر بايصال المال الى عوائل من اصيب معه، وقال فيه: 

"إن زيدا كان عالما وكان صدوقا ولم يدعكم إلى نفسه إنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد(عليه السلام)، ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه"(8)

ولكن المعصوم تكليفه يختلف فلا يعرض نفسه المقدسة للخطر الا من اجل خطر اعظم وهو محاولة محو دين الله تعالى، وتحريف اصله، واما باقي الاخطار فالامام تكليفه الصبر على ذلك والسير وفق ما تقتضيه مصلحة الدين.  

فلولا ان يزيد (عليه لعنة الله) قد تجاهر بالفسق والفجور مرتكبا للمحارم الفظيعة جهارا نهارا مبتدعا في الدين وهو في منصب يراه عامة الناس في ذلك الوقت ممثلا للدين، لما اصبح اصل الدين في خطر، ولما استوجب المواجهة الدامية من قبل الامام (عليه السلام)، ولكان الوضع كما هو عليه من صبر الائمة وتقيتهم، في عهد الظالمين غير المتجاهرين ممن سبق يزيد، وممن لحقه.

لا نقول هذا الامر استحسانا ولا اختراعا بل هو ماتخبرنا به سيرة المعصومين من ولد الحسين (عليهم السلام)، وكيف تعاملوا مع حكام عصرهم، فحكام بني امية وبني العباس قد ارتكبوا فضائعا في ظلم الناس وانتهاك حقوقهم، وغيرها من المحرمات باضعاف ما ارتكبه يزيد اللعين، ولكنهم لم يتجاهروا ويعلنوا على الملأ انهم يخالفون شرع الله، او يتحدون دين الله تعالى، بل كانوا يبررون افعالهم ويكذبون، ويحاولون جاهدين التغطية على انحرافهم كي لا يفتضح، فلم يصدح احد منهم امام الملأ منتشيا مسروا ويقول (لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل)، وقد اجاد الشيخ باقر شريف القرشي(رحمه الله) عندما قال: 

"ومن أوكد الأسباب التي ثار من أجلها حفيد الرسول (ص) حماية الاسلام من خطر الحكم الأموي الذي جهد على محو سطوره، وقلع جذوره واقبار قيمه، فقد أعلن يزيد وهو على دست الخلافة الاسلامية الكفر والالحاد بقوله:

لعبت هاشم بالملك فلا خبر * جاء ولا وحي نزل

وكشف هذا الشعر عن العقيدة الجاهلية التي كان يدين بها يزيد فهو لم يؤمن بوحي ولا كتاب، ولا جنة ولا نار، وقد رأى السبط أنه ان لم يثار لحماية الدين فسوف يجهز عليه حفيد أبي سفيان ويجعله أثرا بعد عين، فثار(ع) ثورته الكبرى التي فدى بها دين الله، فكان دمه الزاكي المعطر بشذى الرسالة، هو البلسم لهذا الدين، فان من المؤكد أنه لولا تضحيته لم يبق للاسلام اسم ولا رسم، وصار الدين دين الجاهلية ودين الدعارة والفسوق، ولذهبت سدى جميع جهود النبي (ص) وما كان ينشده للناس من خير وهدى، وقد نظر النبي (ص) من وراء الغيب واستشف مستقبل أمته، فرأى بعين اليقين، ما تمنى به الأمة من الانحراف عن الدين، وما يصيبها من الفتن والخطوب على أيدي أغيلمة من قريش، ورأى أن الذي يقوم بحماية الاسلام هو الحسين (ع) فقال (ص) كلمته الخالدة: " حسين مني وأنا من حسين " فكان النبي (ص) حقا من الحسين لان تضحيته كانت وقاية للقران، وسيبقى دمه الزكي يروي شجرة الاسلام على ممر الأحقاب والآباد."(9)

 

يزيد اعلن كفره وهو في موقع (الخلافة)، وبيده السلطة التي من خلالها يستطيع محو كل اثر للدين، خصوصا ان التضييق كان على اشده بارهاب الناس وعدم جرأة احد على الوقوف بوجه السلطة، هكذا كان المخطط، فهذا التعدي الخطر الذي يستهدف اصل الدين كان في علم الله تعالى وقد وكل امر التصدي فيه لحجته والمحامي عن دينه الحسين (عليه السلام) بعهد معهود وبطريق واضح للامام اقدم عليه وهو يعلم كل تفاصيل ما سيؤول اليه الامر، وصرح بذلك في عدة مناسبات، منها: ما قاله في خطبته عندما عزم على الخروج الى العراق: "وخير لي مصرع أنا لاقيه كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأن منى أكراشا جوفا، وأجربة سغبا لا محيص عن يوم خط بالقلم رضى الله رضانا أهل البيت نصير على بلائه ويوفينا أجر الصابرين"(10)

ومنها: قوله لاخيه محمد بن الحنفية عندما سأله: فما حداك على الخروج عاجلا فقال:" أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ما فارقتك، فقال: يا حسين أخرج فإن الله قد شاء ان يراك قتيلا، فقال له ابن الحنفية: إنا لله وإنا إليه راجعون فما معنى حملك هؤلاء النساء معك وأنت تخرج على مثل هذه الحال؟ قال فقال له قد قال لي إن الله قد شاء أن يراهن سبايا وسلم عليه ومضى"(11)

 

🔹 فمن اجل حفظ الدين وحمايته قطعت الاوصال المطهرات، وسبيت حرائر النبوة المخدرات.

هذه الثقافة كان يبثها اهل البيت (عليهم السلام) في اوساط شيعتهم، فهذا الامام الصادق (عليه السلام) يقول في زيارة الاربعين كما ينقلها شيخ الطائفة الطوسي (قدس سره): "وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة... فجاهدهم فيك صابرا محتسبا، حتى سفك في طاعتك دمه واستبيح حريمه"(12)

وفي نص آخر لزيارة اخرى ينقلها ابن قولويه (قدس سره) عن الصادق (عليه السلام): 

"وبذل مهجته فيك، ليستنقذ عبادك من الضلالة والجهالة، والعمى والشك والارتياب، الى باب الهدى"(13)

فسبب بذل المهجة الشريفة لسيد الشهداء هي انقاذ دين العباد من التحريف كي لا يضلوا ويجهلوا ويشكوا في اصل الدين، ويجعل باب الهدى قائما ومفتوحا وواضحاً لمن طلبه او بحث عنه، ويفشل مخطط غلقه، وهذا هو الفتح الذي وعد به سيد الشهداء (عليه السلام).

 

وقد اجاد المرحوم الشيخ محمد حسن آل ياسين عندما قال: 

"فقد كان الحسين(ع) منذ خروجه من المدينة وايداع وصيته عند اخيه محمد بن الحنفية عارفا بالامر بكل ملابساته واحتمالاته وطوارئه، بل منتظرا تلك المفاجآت انتظار الخبير المدرك البصير، ومقبلا على الموت والشهادة إقبال الواله المتلهف، ومتجهاً نحو الهدف بكل عزم وإقدام وتصميم.

ولهذا رأيناه يعلن بصريح اللفظ وواضح التعبير:

من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح... كان يعلم حق العلم ان استشهاده واستشهاد هؤلاء المؤمنين الصادقين سوف يحقق الفتح المنشود والنصر الموعود"(14)

 

فالبرنامج الالهي لحماية الدين كان يخطو به الامام بكل ثقة وعلم وتسليم لبارئه، بل وسعادة بنص قوله (عليه السلام)، عندما قال لاصحابه: 

"ليرغب المؤمن في لقاء الله محقا، فإني لا أرى الموت إلا سعادة ولا الحياة مع الظالمين إلا برما"(15)

فالموت من اجل حماية دين الله تعالى سعادة، فهذه التضحية سيكتب لها النصر فيحفظ الدين ويستمر خطه الاصيل بيد حملته من شيعة اهل البيت (عليهم السلام)، وهذا هو الفتح الذي كفى الأئمة اللاحقين المؤنة من المواجهة المباشرة مع الظالمين. 

الظالمون الذين لا يمكن للمعصوم الذي وظيفته تبليغ الدين وحفظه ان يسكت عليهم من اجل الحياة وهو يراهم يعتدون على الدين ويخططون للاجهاض عليه، فهكذا حياة امر لا يتصوره المعصوم ابدا.

فنفسه محبوسة على ذات الله، لا حياة لها الا من اجل الله ودينه، وهذا ليس ببعيد عن معنى قول جده المصطفى عندما عرضت عليه قريش ترك تبليغ الرسالة مقابل اغراءات دنيوية فقال لعمه ابي طالب (عليه السلام): "يا عماه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يسارى على أن أترك هذا الامر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته، ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى..."(16)

فالنبي كان مستعدا للهلاك دون وظيفته الملقاة على عاتقه في تبليغ دين الله، حتى بكى (صلى الله عليه وآله) من حرصه على الدين.

 

يقول المرجع السيد محمد سعيد الحكيم (حفظه الله): "فنحن نقدس الإمام الحسين (صلوات الله عليه) ونشيد بموقفه في حفظ الدين قبل أن نشيد بإبائه للضيم وشجاعته وصبره وصلابة موقفه وتضحيته الكبرى نتيجة ذلك. بل لا نشيد بهذه الأمور منه (عليه السلام) كإمام إلا من أجل أنها صارت وسيلة لخدمة قضيته، وأداء منه لأمانته إزاء الدين، التي تحملها (عليه السلام) بإخلاص.

وهكذا الحال في جميع الأئمة من أهل البيت (صلوات الله عليهم)، وإن اختلفت المواقف، تبعاً لاختلاف الظروف. فمواقفهم جميعاً (صلوات الله عليهم) ليست كيفية، ولا مزاجية، ولا انفعالية، بل هي مواقف حكيمة ـ بتسديد من الله عز وجل ـ لخدمة القضية الكبرى، وقياماً بمقتضى الأمانة التي حُمّلوها إزاء الدين، قد يظهر لنا وجه الحكمة في بعضها، وقد يخفى علينا في بعضها."(17)

 

🔹 فكان اصلاح الوضع الديني في امة النبي (الامة التي لها انتماء ديني)، برد كيد يزيد الى نحره ومنعه من الطريق الذي يسير فيه، وهذا هو الاصلاح الذي جرى على لسان الامام (عليه السلام) حينما قال في وصيته لاخيه محمد بن الحنفية:

 "وإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما، وإنما خرجت لطلب النجاح والصلاح في أمة جدي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر"(18)

وقال ايضا في كتابه الى زعماء البصرة:

"وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه (ص) فان السنة قد أميتت وإن البدعة قد أحييت وأن تسمعوا قولي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد"(19)

 

فحفظ دين الله، وترسيخ قيمه في المجتمع بعد ان اريد لها الاستئصال، هو الاصلاح المنظور في النهضة المقدسة والذي يهون معه تعريض الامام نفسه للخطر.

يقول المرجع المرحوم الشيخ ميرزا جواد التبريزي (قدس سره): 

"ما قام به الحسين (عليه السلام) انما كان تكليف الهي، وكان (عليه السلام) يعلم بما سيجري عليه وعلى أهل بيته، ومع ذلك اقدم على العمل لكونه مؤمورا بذلك، وان الغرض من هذا التكليف حفظ الدين، واصلاح الامة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما يدل على ذلك ما روي من كلماته المتعددة في المواقف المتعددة"(20) 

 

فهذه الوظيفة كانت مهمة المعصوم الوحيدة التي من اجلها اجاز الله له ان يسفك دمه الشريف المقدس على كل حال بلا قيد للظرف او تقية في هذا الموضوع، بل المنظور فقط هو نجاح تلك المهمة مهما كانت التضحية عظيمة، فاذا انحصر النجاح في حماية الدين بسفك دم المعصوم، اقدم المعصوم على ذلك بكل شجاعة وإباء وتسليم وانقياد لبارئه جل وعلا. فالله تعالى تكفل بحفظ دينه وحمايته ولكن شاءت حكمته ان يجري ذلك وفق سلوك طبيعي يقوم به حججه على خلقه، مع وجود بعض التدخل الغيبي في بعض الاحيان.  

 

🔹 ومما تقدم يظهر ايضا فساد المزاعم التي تصور سيد الشهداء بانه كان يسعى لاقامة حكومة في الكوفة، او قلب نظام الحكم!!! وكأنه لا يعلم بمصيره وتفاصيل ماستؤول اليه الامور. 

فساد هذا الامر وضحه جملة من العلماء الاعلام، ففي كلامهم الكفاية والدراية، وهذه بعض كلماتهم:

فمن الاعلام المعاصرين المرجع السيد محمد سعيد الحكيم (حفظه الله) حيث استعرض في بداية كتابه (فاجعة الطف) اتجاهين: 

احدهما: يرى ان التخطيط لواقعة الطف كان بشريا، وبالتالي قالوا بان حسابات الامام كانت تهدف الى استلام السلطة. وهذا ما عليه اكثر المخالفين للامامية، ومع الاسف قد انساق بعض الخاصة وراء هذا التصور، بحجة ان السلطة حقهم المغصوب!!  

والثاني: يرى ان التخطيط كان الهيا، وبعهد معهود للامام، وانه ينفذ مشروعا فيه شهادته.

والسيد الحكيم (حفظه الله) يثبت الاتجاه الثاني من خلال كتابه، وينفي مسالة هدف استلام السلطة، ويقول: "بل نحن نرى ان التفسير الاول ظلم لسيد الشهداء (صلوات الله عليه)، واستهوان بنهضته المقدسة، وهو يبتني على تجاهل كثير من الحقائق الثابتة تاريخيا"(21)

وقال ايضا: "أن الظروف التي أحاطت بنهضته المباركة، وخروجه من مكة إلى العراق، كانت لا تناسب انتصاره عسكرياً. ولا أقل من أنها كانت تقتضي مزيداً من الاحتياط والتأني، ولو من أجل العائلة المخدرة. 

كما يشهد بذلك إجماع آراء من نصحه، فإنهم ذكروا لتوجيه آرائهم أموراً لا تخفى على كثير من الناس، فضلاً عنه (صلوات الله عليه). 

فإقدامه على تلك النهضة، وما استتبعته من تضحيات جسام ومآسٍ قاسية، لابد أن يكون لهدف آخر غير الانتصار العسكري."(22)

ومن الملاحظ في اجوبة الامام (عليه السلام) للناصحين، رغم اختلافها مراعاة لاذهانهم وتوجهاتهم، فانه لم يُخَطِّئ احدا منهم، لان كلامهم وفق النظر الآني من حيثية الخطر، وعدم  سلامة الامام  وصعوبة النصر الظاهري العسكري، فان نظرهم  كان صحيحا، وقد شهد الامام (عليه السلام) بذلك صراحة، وتلميحا لبعض الناصحين، ونذكر لهم مثالين:

*حينما اشار عليه عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي بعدم التوجه الى العراق، فكان جواب الامام (عليه السلام): "جزاك الله خيرا يا ابن العم، فقد والله علمت انك مشيت بنصح وتكلمت بعقل، ومهما يقض من امر يكن، أخذت برأيك او تركته"(23)

 

*وحينما ناشده عمرو بن لوذان قائلا: " انشدك الله لما انصرفت، فوالله ما تقدم الا على الاسنة وحد السيوف، وان هؤلاء الذين بعثوا اليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال، ووطأوا لك الاشياء، فقدمت عليهم كان ذلك رأيا، فأما على هذه الحال التي تذكر فإني لا أرى لك ان تفعل"  فكان جواب الامام: "يا عبد الله ليس يخفى علي الرأي، ولكن الله تعالى لا يغلب على امره"(24)

 

ومن الاعلام الذين نفوا هدف الحكومة ايضا المرجع الشيخ لطف الله الصافي الگلبيگاني(حفظه الله) في كتابه (النهضة الحسينية وعلم الامام) حيث قال: "ان عدم توفر الظروف المناسبة لتأسيس الحكومة الاسلامية في ذلك الوقت، وعدم امكان رفع الموانع التي كانت حائلة دون تأسيسها يؤكد انه لم يكن هدف نهضة الامام تاسيس الحكومة الاسلامية، بل ان كبار القادة المتمرسين. في عالم السياسة اتفقت كلمتهم على هذا الرأي متوقعين شهادة الامام. كما ان الامام لم ينف ذلك في معرض الاجابة عن توقعاتهم، بل كان يؤيدها في بعض الاحيان واحيانا يقنعهم بما رآه في منامه.

ومع ذلك فاننا اذا اخذنا بعين الاعتبار مسألة إحاطة علم الامام بما سيكون لكان الامر مفروغا عنه... لا يمكننا القبول بان الامام كان له مثل هذا المخطط لان الآراء ووجهات النظر في مسألة علم الامام كيفما كانت فانه بخصوص علم الامام الحسين(ع) بخبر شهادته على يد بني امية في كربلاء بمنزلة اليقين. وبالنظر الى الاخبار الكثيرة التي وصلته من جده وابيه يعلم ان تأسيس الحكومة الاسلامية لم يكن من وظائف الائمة(ع) باستثناء الخلافة الظاهرية لامير المؤمنين والحسن المجتبى عليهما السلام، فان امر تأسيسها قد اوكل لقائم آل محمد عليهم السلام."(25)

 

وعَلم آخر وهو المرجع السيد محمد صادق الروحاني (حفظه الله) في كتابه (اجوبة المسائل) في معرض جوابه على سؤال يقول: "هل كان الامام الحسين عليه السلام طالب حكم وسلطة كما يرى ذلك البعض؟"

فكان الجواب من السيد كالآتي:

"باسمه جلت اسماؤه: الامام الحسين عليه السلام لم يكن طالب شيء سوى بقاء الاسلام، الذي كان على مشارف الاضمحلال، ولولا ثورته لما بقي الاسلام، وكيف يتصور في حقه ان يكون طالبا للحكم والسلطان وهو يعلم بشهادته..."(26)

 

وعلى هذا المنوال المرجع الشيخ محمد فاضل اللنكراني والشيخ شهاب الدين الإشراقي (رحمهما الله) في كتابهما (باسداران وحي) اي حُرّاس الوحي حيث يصرحان هناك: أنّ الإمام الحسين (عليه السلام)  قد خرج وهدفه الشهادة، ولم يكن قاصداً الكوفة، أو الإطاحة بحكومة يزيد وإقامة الدولة الإسلاميّة. (27)

 

ومن كلام للعلامة الشيخ محمد مهدي الآصفي (رحمه الله) ذكره في كتابه (في رحاب عاشوراء): "ونحن لا نشك في ان الامام لم يكن يطلب في ثورته الشهيرة وخروجه على يزيد بن معاوية اسقاط النظام الأموي عسكريا، والاستيلاء على السلطة"(28)

ويبدأ الشيخ بعد ذلك باثبات ما قاله من خلال خطب الامام (عليه السلام) والظروف الموضوعية لزمان الحدث التي من المستحيل ان يقدم فيها الامام على مواجهة من اجل هدف لا يتحقق بابسط الحسابات العسكرية.

 

ونختم بكلام العلامة الشيخ باقر شريف القرشي (رحمه الله) في كتابه (حياة الامام الحسين ع) حيث قال: "لو كان هدفه شخصيا يتمثل في رغبته في اسقاط يزيد ليتولى هو بنفسه الخلافة التي كان يطمع إليها، ما وجدنا فيه هذا الاصرار على التقدم نحو الكوفة رغم وضوح تفرق الناس من حوله، واستسلامهم لابن زياد، وحملهم السلاح في اعداد كثيرة لمواجهته والقضاء عليه."(29)

هذا على نحو الاستقراء الناقص، ولو فتشنا في كلمات الاعلام الآخرين اكثر لوجدنا الكثير من هذه الاراء التي تنفي اي نية للامام بانشاء حكومة او القبض على السلطة. 

 

🔹الفتح الحسيني اتضحت آثاره، بتجريد السلطة التي تدعي خلافة النبي، من اي صبغة دينية حقيقية في نظر المجتمع، بعد فاجعة كربلاء، فلم يعد الدين مأخوذا من الحاكم بعد الطف، فقتل الحاكم لسيد شباب اهل الجنة لا يمكن ان يكون من الدين في شيء، بل هو الكفر بعينه، ولا يمكن ان يبرر باي شكل في نظر الناس حتى استغل ذلك من كان مخالفا للحسين (عليه السلام)، فهذا عبد الله بن الزبير عندما اراد اعلان خلافته في مكة بعد شهادة الحسين (عليه السلام) قام خطيبا، وقال فيما قال: " أفبعد الحسين نطمئن إلى هؤلاء القوم ونصدق قولهم ونقبل لهم عهدا لا ولا نراهم لذلك أهلا أما والله لقد قتلوه طويلا بالليل قيامه كثيرا في النهار صيامه أحق بما هم فيه منهم وأولى به في الدين والفضل أما والله ما كان يبدل بالقران الغناء ولا بالبكاء من خشية الله الحداء ولا بالصيام شرب الحرام ولا بالمجالس في حلق الذكر الركض في تطلاب الصيد (يعرض بيزيد) فسوف يلقون غيا"(30)

 

 وهكذا قد اتخذ ثوار آخرين قضية الطف شعارا لهم للتنكيل بالسلطة بانها منتهكة لمقدس في الدين، وان سلطة من يسمون بالخلفاء لا تمثل الدين ولا يمكن ان يؤخذ منها.

هذا التفريق بين السلطة والدين لهو من اهم اثار الفتح الذي اتضح جليا في العصور اللاحقة، فلم يعد اصل الدين في خطر المحو باستخدام سلطة الحاكم الذي كان يؤخذ منه الدين عند غالب المسلمين الى عصر سيد الشهداء(عليه السلام)، واما بعده، فاختلف الحال فحتى لو حاول بعد ذلك اي حاكم او تجرأ على تسويق ما يخالف الدين فانه لا ينظر اليه الا كحاكم دنيوي فاسق لا شان له بتمثيل الدين.

فقام أئمة اهل البيت بعد الحسين (عليهم السلام) بمرحلة جديدة في نشر الدين وتبليغه وبث علومهم بعد تمهيد سيد الشهداء لهم بنهضته المباركة، وكان لحركتهم اعظم الاثر في تربية الناس وتخريج الفقهاء والعلماء، لذا احتاج السلاطين في عصرهم الى فقهاء بلاط كي يسوقون ظلمهم وانحرافهم عبر هؤلاء الفقهاء المزيفين، وكذلك عبر من لديهم حظ من العلم الا انهم خضعوا للسلطان بالترهيب والترغيب وحللوا له انحرافاته. 

هذه الخطوة لم تكن لتتم لولا اثار نهضة سيد الشهداء التي فصلت السلطة الدينية عن السلطة الدنيوية، بعد انحراف المسار وغصب السلطة من اهلها الشرعيين. على أمل رؤيتها من جديد بيد اصحابها الشرعيين بقيام قائم آل محمد (ارواحنا لتراب مقدمه الفداء).

 

والحمد لله اولاً وآخراً وصلى الله على محمد وآله أبدا

عبدالناصر السهلاني.

______________________

 

1. الامالي للطوسي: ص677

2. بصائر الدرجات: ص502

3. الاحتجاج: ج2، ص37

4. اللهوف في قتلى الطفوف: ص17

5. تاريخ الطبري: ج4، ص304

6. الكافي: ج1، ص251

7. معجم رجال الحديث: ج19، ص103

8. الكافي: ج8، ص264

9. حياة الامام الحسين (ع)، ج2، ص276

10. اللهوف في قتلى الطفوف: ص38

11. اللهوف في قتلى الطفوف: ص40

12. تهذيب الاحكام: ج6، ص113

13. كامل الزيارات: ص401

14. الامام الحسين بن علي (ع): ص103

15. تحف العقول:ص245

16. تاريخ الطبري: ج2، ص67

17. فاجعة الطف: ص136

18. الفتوح لابن اعثم: ج5، ص21

19. تاريخ الطبري: ج4، ص266

20. الانوار الالهية: ص191

21. فاجعة الطف: ص16

22. فاجعة الطف: ص36-37

23. تاريخ الطبري: ج4، ص287

24. الارشاد للمفيد: ص248

25. النهضة الحسينية وعلم الامام: ص56-57

26. اجوبة المسائل: ج1، ص147-148

27. باسداران وحي: ص275

28. في رحاب عاشوراء:ج1، ص259

29. حياة الامام الحسين (ع)، ج2، ص293

30. تاريخ الطبري: ج4، ص364

 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=148886
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2020 / 10 / 11
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 06 / 30