• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : (شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه رءوس الشياطين)؟.(1) العذاب الأدنى والعذاب الأكبر.  .
                          • الكاتب : مصطفى الهادي .

(شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه رءوس الشياطين)؟.(1) العذاب الأدنى والعذاب الأكبر. 

 لا يصف الله شيئا للناس إلا ولهُ وجود في الواقع الملموس او في مخيلتهم. وفي الآية المذكورة فإن الله بيّن بأن هذه الشجرة هي من اشجار الجحيم التي تنبت في قعر جهنم ، وانها نوع من أنواع غذاء المجرمين الخطاة.وسبب تشبيه ثمرها برؤوس الشياطين هو أن للشيطان صورة ذهنيّة عند الناس يرسمونه من خلالها في منتهى القُبح والبشاعة حتى أنهم عندما يصفون شخصا سيئا يقولون : وجههُ وجه شيطان. او افعاله افعال الشياطين وهم لم يروا الشيطان. والغريب أنك لو جمعت كل فناني العالم وطلبت منهم رسم صورة للشيطان صحيح انهم قد يختلفون في شكله ولكنهم يتفقون على قباحة وشناعة منظره.

ولذلك لم يقل القرآن (طلعها رؤوس الشياطين). بل قال (طلعها كأنه رؤوس الشياطين) والكاف للتشبيه وليس للحقيقة أي أنه كرؤوس الشياطين الموجودة في مخيلتكم.أي كما تتخيلون سترون ومن هنا جاء السياق بصورة الجمع ، اي على عدد الاشكال التي رسمتموها في خيالكم للشيطان سترون ثمار هذه الشجرة ، ومن المعروف في الأدب فإن للشياطين صور مختلفة كما نراها في المصوّرات والافلام وغيرها من سائل التعبير.

قال الزمخشريُّ في تفسيرِ هذه الآيات: ( وشبّه ثمار الشجرة برؤوس الشياطين دلالة على كراهية الشياطين وقبح مناظرهم؛ لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس، لاعتقادهم أنه شر محض ، وإذا صوّرهُ المصورون جاؤوا بصورته على أقبح شكل واهوله؛ وقيل: إن شجرا يُقال له الآستن منتنا مرا منكر الصورة يُسمى ثمره رؤوس الشياطين، وما سمّت العرب هذا الثمر رؤوس الشياطين إلا قصدا إلى أحد التشبيهين).(2) 
وهنا قول يقول بأن العرب كانت تعرف (حيّة) كبيرة تعيش في الصحراء شكلها جدا وحش قبيح مخيف فمثّل الله شجرة الجحيم برأس الحية المعروفة عند العرب والتي يطلقون عليها تسمية شيطان وهي حية لها عرف او قرن وسط رأسها وإياه عنى الشاعر بقوله:
عَنْجَــرِدٌ تَحْــلِفُ حِــينَ أحْـلِفُ
كمِثْــلِ شَــيْطَانِ الحَمـاطِ أعْـرَفُ (3)

أن هذا التشبيه انطلق من الصورة الذهنية موجودة في أوهام الناس وتخيلهم، بغض النظر عن وجودها في الخارج اوعدمه فإذا لم يجدوا لها مصاديق يستدعوها من المخيلة. وكما هو معروف فإن الألفاظ الموضوعة موجودة مقابل الصورة الذهنية ، فهي متصورة في الوهم ، سواء كان لها وجود في الخارج أم لم يكن لها وجود. وبما أن للروح انطلاقات خارج الأطر المادية وهي قادرة على الاتصال بعوالم أخرى فهي تستمد اكثر صورها الذهنية من وصف الأنبياء والكتب المقدسة او تستمدها من تلك العوالم ومثال على ذلك قول الرسول (ص) عن شهر رمضان: (يا معشر الناس : إذا طلع هلال شهر رمضان غُلت مردة الشياطين)..(4)

ووصف القرآن حال الشياطين عند البعثة : (وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا). (5)

وهذا ما نرى له اثر واضح في الكتاب المقدس حيث يقول بأن الشياطين أيضا غُلت عندما بُعث موسى : (قبض الملاك رافائيل على الشيطان وأوثقه في برية مصر العليا).(6)

من كل ذلك نفهم أن الله إنما ضرب المثل للناس لانه موجود خلال تصوراتهم التي رسموها من خلال وصف الأنبياء والكتب المقدسة لشكل وافعال الشياطين، حتى اصبحوا يعيشون مع ابشع تصوراتهم عن هذه المخلوقات النارية.

ومن هنا فإن (الخيال) قد ينطلق في تصوراته إلى مديات قد تدفع الانسان إلى الخوف من أشياء غير موجودة ولكنهُ يراها واقعا ماثلا أمام عينيه. فكم اصوات نسمعها وصور نراها وهي لا وجود لها. وهكذا تتعاظم صورة الشيطان في مخيلة الإنسان كلما تقدم به العمر واصبح الموت يُسرع إليه فتكبر معها صور العذاب الأخروي وأدواته حتى تقضّ مضاجعهُ وهذا نوع من انواع العذاب النفسي الأولي في الدنيا، والذي هو مصداق قوله تعالى : (ولنُذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون).


المصادر: 
1- سورة الصافاة آية : 65 .
2- تفسير الكشاف للزمخشري ، تفسير سورة سورة الصافاة الآية : 65.
3- قاموس المعجم الوسيط ،اللغة العربية المعاصر، شرح كلمة عنجرد.
4- عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال : كان رسول الله (ص) يُقبل بوجهه إلى الناس ، فيقول : (يا معشر الناس : إذا طلع هلال شهر رمضان غُلت مردة الشياطين). الكافي : 4 / 67 ، للشيخ الكُليني ، طبعة دار الكتب الإسلامية ، سنة : 1365 ، طهران .
5- سورة الجن آية : 9.
6- سفر طوبيا 8: 3 .




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=131246
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2019 / 03 / 12
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 05 / 24