صفحة الكاتب : ادريس هاني

الفلسفة إما أن تكون حرّة أو لا تكون في الحاجة إلى مقاومة فلسفية...
ادريس هاني

تنفيط الفلسفة داء عضال يتهدد المشهد الثقافي العربي ويصيب العقل العربي بداء فقدان المناعة المكتسبة إبيستيميا..إنّ سلطة النّفط لا تحدد مصير الفلسفة وتاريخ الأفكار..ولكننا سنكون إزاء ظاهرة ميلاد أيديولوجيا زائفة نتجت خارج السياق الطبيعي لا لتاريخ وجغرافيا الأفكار بل حتى بمنظور الاقتصاد السياسي للأفكار..أعني بذلك أن فعل ترييع الثقافة وعملية شراء الذّمم الثقافية في مهدها كمقدمة لتجنيد الفلسفة في مشاريع رجعية تنزع الروح الابتكارية والثورية من الفلسفة هو مخطط جيوبوليتيكي رجعي غايته قهر المثقّف العربي واحتواؤه. ولسنا هنا في وارد تقييم جملة المشاريع التي انطلقت في سياقات غير معرفية بل جاءت لتكمل مهمّة الهيمنة على ما تبقّى من مساحات لم يفضّ بكارتها الريع النّفطي، وآخرها مجال صناعة المفاهيم. وبما أنّ قبيلة الباحثين في الكثير من البلاد العربية يعانون الحاجة إلى حدّ الانبطاح، فإنّ عملية الاستثمار في البؤس الاجتماعي سيصل إلى حدود تعهير النظام الثقافي العربي..العقل وحده لا يكفي لإنجاز مهمّة التّقدم، يحتاج العقل إلى الحرية والكرامة لكي ينطلق بمسؤولية..لقد غيّرت الرجعية من موقفها التقليدي من الفلسفة، فبعد أن كانت تقاوم وجودها ها هي اليوم تقتحم حرمها وتتحرّش بمفاهيمها وتحتوي رجالاتها بهدف تحريف مقاصدها وتحويلها إلى أداة في خدمة الرجعية. ولكن شيئا يجعل مدبّر استراتيجيا ترييع الفلسفة يسير عبثا في هذا المخطط ، هو أن تناقضات الواقع تنتهي بتعزيز اللحظة الحاسمة في مشوار مكر التاريخ الهيغلي، ذلك لأنّ الحروب الساخنة والباردة والقذرة من شأنها إنهاك الرّيع، ليتحول الريع الثقافي إلى احتياط للريع السياسي، مما يجعل البؤر الثقافية للرجعية تعاني الكساد، وطبعا مع تزايد دور المافيا والتلاعب في النفقات تتحول إلى بؤر مأزومة..وهكذا تأبى الثقافة أن تصبح جزء مؤثّثا لمواخير الرجعية لأنّ الفلسفة كانت وستظلّ مجالا للإبداع الحرّ مهما انكسرت في منعطفات الأزمنة المرّة.. ليس المثقف المستقطب هو ابن طفيل زمانه، بل هو طقيلي على مجال مرصود للأحرار لا للمافيا وعصائب تحويل الوعي..يقضي الموقف أن نتابع النّضال ضدّ هذا الخداع الرجعي المزمن في منطقة تكاد الحياة السّوية فيها تصبح مستحيلة..إنّ الفلسفة ليست مقاولة..ولا نوعا من القوادة المعرفية كما أراد لها العبيد..بل هي موقف إبستيمي حرّ..هي الميتا _فيزيك..هي الحكمة المتعالية بما في ذلك التعالي بالحق على التّفاهة..إنّ فعل الاستقطاب لا يجري على أهل الفلسفة لأنهم إذا كانوا كذلك فهم غير قابلين للاستقطاب..الفيلسوف الحقيقي تستقطبه الحقيقة..ويتضامن مع منطق الأشياء..ويجنع وفاء للعدالة..وكذلك الفلسفة تأبى الخداع..والإدّعاء..هي معركة تنطلق من فرضيات نعم ولكن الفرضية في نظر الفيلسوف هي يقين يلحّ في اكتساب الدّليل عليه لأجل الآخر لا لأجل الذّات المطمئنّ لفرضياتها..إنّ ذات الفيلسوف مكثّفة إلى حدّ يصعب احتواؤها وترييعها..إنّها تحيا بالحرية والكرامة..ففي مساحات العبودية لا يمكن أن ننتج مفاهيم..لا يحتاج الفيلسوف إلى عبيد وخدم وحشم ومتملّقين..هو كائن يمشي على الماء..خفيف الوطأة..طليق الجناح..الفلسفة ليست مسرحية بالية..ليست استعراضا رخيصا..ليست إعادة تدوين المدوّن..فهذا نشاط يحتلّ رتبة تحت الفلك الفلسفي "ميتا_فيزيكيا" أو "ميتا_ميتا_فيزيكيا"..الفلسفة خبرة، وحياة، وذوق، وحضور..

وعليه الفلسفة إمّا أن تكون حرة أو لا تكون..

  

ادريس هاني
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2016/11/29



كتابة تعليق لموضوع :