صفحة الكاتب : قيس النجم

بنت الهور.. وموعد مع القدر
قيس النجم
كان لابد لها أن تستريح بعد عناء طويل، وهي تركض بلا عجز أو تعب، خلف مسؤول وعدها خيراً، تلك المسكينة لم تتخيل يوماً، أن الدنيا ستكشر عن أنيابها، لتصبح حكايتها واحدة من حكايات ألف ليلة وليلة، أم جاسم المرأة السومرية، التي ملأ وجهها المتعب سمرة الهور، وتحمل في مخيلتها قصص البردي، وطفولتها التي ودعتها.
 بعد أن بلغت الخامسة عشر من عمرها، وزواجها من إبن المدينة، الذي أختار أن تكون شريكة حياته، من المناطق الجنوبية، وتحديداً الأهوار، فلم تكن على موعد مع القدر، بل كان القدر يتربص بها، بعد أن أصبحت أماً لثلاثة صبيان وبنت واحدة، إستطاعت أم جاسم تربية ابنائها الأربعة، وهي تكد مع زوجها الموظف، صاحب الراتب البسيط، إذ كانت تخبز الخبز تارة، وتخيط الملابس لنساء المحلة تارة أخرى، مقابل ثمن زهيد، فهذه المرأة أنموذج للمثابرة وللأم الحنون..
  بسقوط الصنم إستبشرت خيراً، ولكن للأيام رأي آخر، عندما بدأت حكايتها، وكشفت لها ما كانت تخفيه، فبعد مرور عام على تغيير النظام، توفي زوجها وسندها، وشكلت صدمة بالنسبة لها ولأبنائها الأربعة، إلا أن أبنها جاسم بلغ عشرين عاماً، وكان مدركا أن دوره قد بدأ، ومنذ إنطفاء شمعة والده، قرر الإبن أن يجمع عائلته باجتماع خاص، ويعلن عن مسؤوليته في تحمل أعباء الأسرة، وترك مدرسته، وعمل من أجل جلب القوت والمعيشة لعائلته، ولكن محمد أخوه الأصغر، ترك المدرسة أيضاً وعملا سوية، وطلبا من أمهما المرأة المثابرة، على الجلوس في البيت وعدم الخروج، خوفاً عليها من نائبات الزمان..
 مرت السنون والإخوة يعملون معاً، وتزوج جاسم، وأصبح لديه طفلان، ومن بعده تزوج محمد، وأنجبت زوجته ولداً وأسماه عبد الله، تيمناً بإسم أبيه، وكانا هما المعيلان للبيت، ولكن للزمن فعله مرة أخرى، فبعد سقوط الموصل، وإعلان فتوى الجهاد الكفائي، من قبل المرجعية الدينية في النجف الأشرف، تطوع محمد مع شباب المنطقة، للدفاع عن الأرض والعرض، وأصبح أحد مقاتلي الحشد الشعبي، وما هي إلا مدة قصيرة، ونال شرف الشهادة، تاركاً ولده الصغير، وأمه المسكينة، وزوجة بعمر الزهور، إنها صدمة كبيرة للعائلة، وخاصة أم جاسم، ولكن ايمانها بالله، وإقتناعها بأن الفتوى ربانية، جعلها تتحمل هول المصيبة، التي مرت عليهم رغم فقدانهم لإبنهم.
إنقطعت أمام جاسم سبل الرزق، فخرج يبحث عن عمل، إلا أنه لم يفلح، وأصبح عامل بناء، يعمل يوماً ويجلس يوماً، ومرت عليه الأيام ثقيلة، محملة بالهموم، لأن عائلة أخيه الشهيد، باتت حملاً إضافياً، فوق حمل والدته، وأخته المريضة، وأخوه، وزوجته، وأبنائه، يجب أن يعمل من أجل ديمومة هذه العائلة، مدركاً أن فشله معناه تحطم العائلة، وهذا ما لا يرتضيه أبداً، فجاءته فرصة ثمينة، إذ فتح الجيش أبواب التطوع لخدمة البلد، وبنفس الوقت كان الراتب بالنسبة له، يمثل انقاذاً لعائلته المتعبة.
 تطوع جاسم، من دون أن يخبر والدته، إلا في يوم إلتحاقه، عندما وضعها بالأمر الواقع،  فصرخت وبكت، ولكنه كان مصراً على الذهاب، والإلتحاق مع إخوته، وأبناء منطقته الذين تطوعوا معه، ذهب جاسم الى معسكر سبايكر للتدريب، ولم يمضِ على وجوده أكثر من خمسة عشر يوماً، سقطت تكريت بيد الدواعش، وكان جاسم أحد الذين قتلوا على صخرة الموت، في القصور الرئاسية، فأصبح القشة، التي كسرت ظهر البعير لوالدته المسكينة، ذهب المعيل، وقبله أخيه محمد، وأم جاسم في صدمة وذهول، خرجت تبحث عن جثمانه، وعن بصيص أمل أنه مازال حياً، فطرقت كل الأبواب متوسلة لله، ولأي مسؤول في الحكومة العراقية، عسى أن  يرشدوها على مكانه، لكنها لم تحصل إلا على وعود كاذبة، من أناس تسلقوا فوق جثث الأبرياء، من أجل التشبث بالكرسي الملعون.
أغلقت الابواب بوجه تلك المسكينة، وعادت تعمل مرة أخرى، تخبز وتخيط للناس، من أجل جلب لقمة العيش، وأيضا للتنقل بين مناطق بغداد، للبحث عن أي مسؤول يستطيع  مساعدتها، ولو بخبر عن ولدها جاسم، يعيد اليها الأمل، ولكن لا يوجد أمل، في بلد الموت والحرمان، ما دامت وحوش الكراسي، بسيوفها المسمومة، تتصدر المشهد الحكومي، تباً لكم يا أقزام السياسة، آلاف مثل أم جاسم، يوجد في عراق الحزن والألم.  

  

قيس النجم
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2015/09/15



كتابة تعليق لموضوع : بنت الهور.. وموعد مع القدر
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



حمل تطبيق (بنك الدم الالكتروني) من Google Play

البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق يوسف ناصر ، على كُنْ مَن أنتَ فأنتَ أخي..! - للكاتب يوسف ناصر : شكرًا أستاذنا الجليل ، لا عجب ، من عادة الزهر أن يبعث الأريج والعبير

 
علّق مهند العيساوي ، على كُنْ مَن أنتَ فأنتَ أخي..! - للكاتب يوسف ناصر : وانا اقرا مقالكم تحضرني الآن مقولة الإمام علي (ع) ( الناس صنفان: أما أخ لك في الدين, أو نظير لك في الخلق) احسنت واجدت

 
علّق متابع ، على مجلس الفساد الاعلى يطالب بضرورة تزويده بالادلة والبيانات المتعلقة بفساد اشخاص او مؤسسات : ليتابع اللجان الاقتصادية للاحزاب الحاكمة ونتحدى المجلس ان يزج بحوت من حيتان الفساد التابعة للاحزاب السنية والشيعية ويراجع تمويل هذه الاحزاب وكيف فتحت مقرات لها حتى في القرى ... اين الحزم والقوة يا رئيس المجلس !!!!

 
علّق Ahmed ، على حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء - للكاتب اسعد الحلفي : فالكل يعرف ان هناك حوزة عريقة في النجف الاشرف وعمرها يزيد على الألف سنة سبحانك ربي ونحن في عام 1440 ه والحوزة عمرها أكثر من ألف سنة

 
علّق ابو الحسن ، على ذاكرتي عن ليلة الجهاد الكفائي..أولا - للكاتب كمال الموسوي : لقد اسبلت دموعنا واقرحت جفوننا ياسيد كمال جزاك الله خير الجزاء اريد منك ان تعطي لنا عنوان هذه العائله عسى ان نخفف من الامهم ونكون اخوه وخدم لهن الا لعنة الله على الظالمين الا لعنة الله على من تسبب بضياع الوطن واراقة دماء الشهداء ولازال ينعم بالخيرات ويتخندق في الخضراء بدون اي ذرة حياء نعم افرحنا النصر بفتوى السيد الكبير لكننا نريد الفرح الاكبر بسحل هؤلاء الحثالات الذين تسببو بضياع الارض ونهب خيرات البلد وهم لايساوون شسع نعل ابنة الشهيد ولا حول ولا قوه الا بالله العلي العظيم

 
علّق خالد علي ، على موقف الحيدري من الدين - للكاتب حسين المياحي : الذي يفهم من كلام السيد الحيدري انه يقول ان الانسان اذا كان عنده دليل على دينه الذي يدين به فهو معذور اي دين كان.. وهذا الكلام لاغبار عليه.. أما انك تضع الحيدري بين خيارين اما الكفر او النفاق فقد جانبك الصواب في هذا الحكم لان السيد لم ينكر ان الدين الإسلامي هو الحق وإنما أعطى عذر للمتدين بدين اخر مع وجود الدليل عند هذا المتدين على صحة دينه وشتان بين الأمرين ياسيدي

 
علّق حكمت العميدي ، على في سبايكر ... - للكاتب احمد لعيبي : يا ايها الناس في سبايكر مات أبناء الناس واكيد سوف يبقى شعارنا لن ننسى سبايكر

 
علّق الدلوي ، على الرد على شبهات المنحرف أحمد القبانجي ( 10 ) - للكاتب ابواحمد الكعبي : احسنت جزاك الله خيرا ..رد جميل ولطيف ومنطقي

 
علّق حسين كاظم ، على الكرد الفيليون/ لواء الأفاعي الثلاث ... الحلقة الرابعة - للكاتب د . محمد تقي جون : اكثر مكون عانى بالعراق هم (الشيعة العرب).. الذين يتم حتى تهميش معرفهم نسمع بالفيلية، التركمان، السنة العرب، الاكراد، اليزيديين، المسيحيين.. التبعية الايرانية.. الخ.. ولكن هل سمعتم يوما احد (ذكر ماسي الشيعة العرب الذين وقعت الحروب على اراضيهم.. وزهقت ارواحهم.. ودمرت بناهم التحتية).. فحرب الكويت (ساحة المعارك كانت وسط وجنوب العراق اصلا).. (حرب ايران معظم المعارك هي بحدود المحافظات الشيعية العربية اليت حرقت نخيلها.. ودمرت بناها التحتية).. (حروب عام 2003 ايضا وسط وجنوب كانت مسرح لها).. اعدامات صدام وقمع انتفاضة اذار عام 1991.. ضحيتها الشيعة العرب تبيض السجون .. ضحاياها الاكبر هم الشيعة العرب المقابر الجماعية.. ضحايها الشيعة العرب ايضا الارهاب استهدفت اساسا الشيعة العرب لسنوات الارض المحروقة تعرض لها الشيعة العرب بتجفيف الاهوار وقطع ملايين النخيل وحرق القرى والتهجير محو ذكر الشيعة العرب سواء قبل او بعد عام 2003.. يستمر.. فمتى نجد من يدافع عنهم ويذكر معرفهم وينطلق من حقوقهم ومصالحهم

 
علّق علي الهادي ، على امام المركز الإسلامي في أيرلندا الجنوبية يعلق في صفحته على الفيس بوك على مقالات الكاتب سليم الحسني الأخيرة ضد المرجعية الدينية : ولكن لا حياة لمن تنادي

 
علّق Haytham Ghurayeb ، على آراء السيد كمال الحيدري في الميزان🌀 [ خمس الأرباح ] - للكاتب ابو تراب مولاي : السلام عليكم الخمس ورد في القرآن، اذن كيف لا يطبق مثله مثل الزكاه. ارجو التوضيح التفصيلي

 
علّق محمد عبدزيد ، على السيد السيستاني يرفض عروضا لعلاج عقيلته بالخارج ويصر على علاجها بجناح عام بمستشفى الصدر : اللهم اشفي السيدة الجليلة بشفائك وعافها من بلائك وارجعها الى بيتها سالمة معافاة من كل سوء ولا تفجع قلب سيدنا المرجع واولادها الكرام في هذا الشهر الكريم بحق من فجعت بأبيها في هذا الشهر وصلى الله على محمد واله الطاهرين

 
علّق ammar ، على كركوك اغلبية تركمانية لولا التدليس العربي الكردي - للكاتب عامر عبد الجبار اسماعيل : كركوك محافظة كردية اقرأوا التاريخ جيدا وهل تعلمون ان حضارة الأكراد هي قبل التاريخ الميلادي يعني عندما كان هناك اكراد لم يكن لا إسلام ولا تركمان

 
علّق علي ، على العدد ( 78 ) من اصدار الاحرار - للكاتب مجلة الاحرار : يسلموووو

 
علّق اسعد عبد الرزاق هاني ، على روزبة في السينما العراقية - للكاتب حيدر حسين سويري : عرض الفلم بنجاح ونجح بجمهوره الواسع والكبير، ولكون العتبة لاتبحث عن الأرباح ، وانما سيكون الوارد زوادة فلم جديد وبدل هذا الاسلوب الاستفزازي يمكن له ان يكون عنصرا ايجابيا ويتقدم للعتبة العباسية المقدسة ، مثلما تقدم لغيرهم واما السؤال الذي يبحث عن سرعلاقة العتبة العباسية بالانتاج هو سؤال كان الفلم جوابا عنه كونه حرر رسالة الى العالم مضمونها يمثل الإجابة على هذا السؤال الغير فطن للاسف لكونه مغلق على ادارة العتبات بشكلها القديم والذي كان تابعا للسلطة أيضا ، الى متى تبقى مثل تلك الرؤى السلطوية ، ما الغريب اذا اصبحت العتبات المقدسة تمتلك اساليب النهضةالحقيقية مستثمرة الطاقات الخلاقة في كل مجال والانتاج السينمائي احد تلك المجالات وانت وغيرك يكون من تلك الطاقات الخلاقة فتحية للعتبة العباسية المقدسة وتحية للكاتب حيدر حسين سوير وتحية لكل مسعى يبحث عن غد عراقي جميل.

الكتّاب :

صفحة الكاتب : حيدر علي حمزه
صفحة الكاتب :
  حيدر علي حمزه


للإطلاع على كافة الكتّاب إضغط هنا

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

كتابات متنوعة :



 الثائرون الثلاث ( محمد وعلي والحسين )  : رياض ابو رغيف

  في باكوره اعماله صالون سميرة مزعل يحتفل بالشاعر والروائي عبدالرزاق عبدالوهاب حسين  : عبد الحسين بريسم

 خلال انعقاد الاجتماع الدوري لمشروع التحكيم العشائري  : وزارة العدل

 المتهمون الحقيقيون ... بإهدار ثروات العراق من النخيل والتمور  : باسل عباس خضير

  تفجير ميناء ام قصر استهداف للاقتصاد العراقي والكويت اول المستفيدين  : عامر عبد الجبار اسماعيل

 الوضع الحقيقي للمرأة السعودية  : فوزي صادق

 حذار من تهميش المرأة في عصر العولمة  : روعة سطاس

 التجارة: سيارات لوكلاء التموين لايصال المفردات الغذائية الى مساكن المواطنين

 صدور الطبعة الــ ( الخمسين ) لكتاب (الفتاوى الميسرة) وفق فتاوى المرجع الأعلى السيد السيستاني ( دام ظله )  : مكتب د عبد الهادي الحكيم

 المُدّرسي للمتظاهرين والسياسيين في البلاد: الرجولة لا تعني الوقوف في الشارع والتحريض ضد هذا وذاك بل هي في التعاون على بناء البلد  : الشيخ حسين الخشيمي

 الوطن المقتول خطأً!!  : د . صادق السامرائي

 رغم سوء الأحوال الجوية.. استمرار عمليات تحرير غرب الانبار  : وزارة الدفاع العراقية

 الخطوط الجوية العراقية تعقد اجتماعاً موسعاً لتطوير دائرة الشحن الجوي  : وزارة النقل

 علماء يكتشفون وسيلة فعالة للإقلاع عن التدخين

 شرطة نفط الشمال تضبط 3عجلات محملة بالوقود وتلقي القبض على سائقيها  : وزارة الداخلية العراقية

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net