صفحة الكاتب : عمار العامري

الإبعاد السياسية والإجتماعية لفتوى الجهاد الكفائي
عمار العامري

إن فتوى الجهاد الكفائي التي أصدرها المرجع الديني الأعلى الإمام علي السيستاني, خلال صلاة الجمعة التي ألقاها الشيخ عبد المهدي الكربلائي في الصحن الحسيني الشريف بتاريخ 13/6/2014, لمواجهة التمدد التكفيري لعصابات داعش, التي تمكنت من السيطرة على مدينة الموصل, مركز محافظة نينوى شمالي العراق, في العاشر من حزيران عام 2014.
 ليست ذات بُعدٍ عسكري وامني فقط, لصد هجوم العصابات الإرهابية, التي كانت تنوي إسقاط حكومة بغداد, بذريعة الدفاع عن حقوق طائفة معينة, إنما للفتوى المقدسة أبعاد سياسية واجتماعية متعددة, لأنها تعد من نوادر الفقه الشيعي, فطيلة قرن من الزمن, ورغم صدور العديد من الفتاوى الجهادية الدفاعية؛ مثل فتاوى السيد اليزدي ضد البريطانيين, والإمام الخميني في الحرب العراقية الإيرانية, أو تلك الفتاوى السياسية الاجتماعية؛ مثل فتاوى المجدد الشيرازي لرفض الاستفتاء, والإمام الحكيم ضد الأفكار الشيوعية, والسيد الخوئي بدعم الانتفاضة الشعبانية, لم نجد هناك فتوى أوضح إبعاداً واشمل مدلولات بالشكل والمضمون, تبرز خلال فترة زمنية لم تتعدى السنة, فكل تلك الفتاوى المباركة, التي سبقتها لم تشخص أبعادها ألا بعد مالا يقل عن عقد من الزمن, أو أنها تقتصر على بُعد معين رغم أهميته, ألا فتوى الجهاد الكفائي للإمام السيستاني, وبسبب التداعيات العقائدية والفكرية والسياسية والاجتماعية, التي تسببت بصدورها, فضلاً عن حالة الغليان نتيجة اجتياح بلد كالعراق, يمتلك ارث دينياً وحضارياً وتاريخياً, ويعتبر عاصمة دولة التمهيد للظهور الشريف لمقام الحجة المهدي المنتظر "عج", من قبل عصابات إجرامية تحمل أفكار تكفيرية مدعومة إقليمياً ودولياً, وتسعى لتدمير الثقافات والحضارات المتعاقبة في العراق منذ أكثر من (6000) سنة.
 حيث ثبتت الفتوى المقدسة أنها ذات إبعاد سياسية كبيرة, تكمن في إخمادها بوادر الفتن الطائفية والحرب الأهلية المخطط إشعالها, والتي كادت تجر المنطقة إلى تقسيم جغرافي_سياسي, رسمت حدوده في دوائر المخابرات الإقليمية والدولية, فمع ما حققته الفتوى المباركة من انتصارات في الجانب الميداني, فإنها ركزت على ضرورة وجود جهود سياسية لمعالجة مصادر الإرهاب وتجفيف منابعه, وفتح باب الحوارات الناضجة بدون انتهاك لسيادة العراق, فالانفتاح العراق بعلاقات الدبلوماسية يعزز دوره الحقيقي في المنطقة, ويساهم في أخراجه من عزلته الإقليمية, التي كانت نتيجة للسياسات الخاطئة لحكومته السابقة, لذا فأن الفتوى المقدسة شخصت أخطاء مرحلة ما قبل صدورها, وأهمها تحييد الشحن الطائفي والقومي الذي كان يثار موسمياً, حتى بات منهجاً للأزمات في العراق, كما أنها وحدت الرؤى والمواقف السياسية المتباينة في مرحلة ما قبل 10 حزيران, ليكن العراق والعالم بعد ذلك أمام حقيقة ولادة "الحشد الشعبي" الوليد الشرعي لفتوى الجهاد الكفائي المقدس, والركيزة الأساسية لإنقاذ الوطن والمقدسات, الذي استطاع بالتوكل على الله وأرادته العقائدية مسك زمام المبادرة الأمنية والعسكرية على الأرض, ولولا ما كان هناك موطن اسمه العراق.
 أما عن الإبعاد الاجتماعية؛ فإن فتوى الجهاد الكفائي المقدسة للسيد السيستاني شكلت منعطفاً مهم في حياة العراقيين خاصة والشيعة عامة, والمهتمين بالقضية المهدوية, وخصوصاً المنتظرين لبزوغ فجر الظهور المقدس, حيث بداً الشعور يتصاعد بالتمهيد لعصر جديد مليء بالمفاجئات والتطورات, كما أنهت السجال والجدل غير المباشر حول من هي القيادة الشرعية للبيت الشيعي؟ فقد أثبتت المواقف والتضحيات الجسام, بأن فريق المرجعية الدينية هو القيادة الحقيقية للإرث الحضاري والتاريخي للشيعة, وأيضا أغلقت الأبواب أمام الانتهاك المتوقع لحرمة المقدسات, بفضل اندفاع المجاهدين والقيادات الميدانية, والذين برزوا البعُد الوطني للفتوى المقدسة, بعد استجابتهم على مختلف منابعهم ومشاربهم وتوجهاتهم للتصدي للزمر التكفيرية التي أرادت تدمير حضارة بلاد الرافدين, كما إن لأبناء العشائر الأصيلة الدور الكبير بالوقوف بحزم لإفشال كل مخططات الإرهاب, الذي تمادى ودنس ارض الأنبياء, لأسباب منها؛ انخفاض المستوى المعرفي للنخب المتصدية في المجالات الاجتماعية والتعليمية, والذي خلف أزمة في الوعي المجتمعي والسياسي فضلاً عن الفكري.
 ولم تقتصد الفتوى المقدسة على الإبعاد السياسة والاجتماعية, وإنما قدمت بعدها المرجعية الدينية لائحة (المقاتل المثالي), وهي مجموعة من التوصيات التي أصدرها السيد السيستاني, لتكون بمثابة مسارات وإرشادات ليس فقط لمجاهدي الحشد الشعبي والقوات الأمنية في العراق, إنما تصلح أن تكون (لائحة لحقوق الإنسان) في الجانب العسكري والحربي لكل جيوش العالم, كما شخصت تلك التوصيات المباركة تحرك بعض المنضوين تحت عنوان الحشد الشعبي, الذين يسعون لخلق فوضى خارج الإطار القانوني, وخروجاً عن طاعة المرجعية الدينية, ليس تمرداً سلوكياً فقط وإنما سياسياً وشرعياً كما حصل من قبل بعض الجهات سابقاً, مما يعتبر انحراف عن المسارات المرسومة لتلك القوات المقدسة, وتجاوز على هيبة القرار الوطني, والعودة لتغليب المصالح الفئوية والحزبية, على مصلحة المذهب والوطن.
 ويتبين مما سبق؛ أن حكمة السيد علي السيستاني وبُعد نظره, واطلاعه التفصيلي على الإحداث السياسية والاجتماعية, جعلته يتخذ القرار المناسب بالوقت المناسب, ليبقى صوت المرجعية الدينية عالياً شامخاً على جميع الأصوات, فكان إصداره للفتوى علاج مناسب وضروري, لتصحيح الممارسات الخاطئة التي ارتكبت, ودليل على عقليته القيادية وقيادته الحكيمة والحريصة على الأمة, إذ إن فتوى الجهاد الكفائي؛ تمثل قوة وجود المرجعية الدينية العليا, وقراءتها الاستشرافية للمستقبل.
 

  

عمار العامري
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2015/09/04


  أحدث مشاركات الكاتب :