صفحة الكاتب : خيري القروي

عبثية الحياة .. في رواية ( المسخ ) لكافكا
خيري القروي

لم يقل لنا كافكا لماز تحول بطل قصته ( المسخ ) الى حشرة .. مع انه لم يكن شريرا حتى يستحق مثل هذا المصير المأساوي ..بل كان طيبا وممتلئا بالمشاعر الانسانية الجميلة ..لمذا اختار هذا المصير المؤلم لانسان لم يرتكب ذنبا .. !!
لا يوجد سبب أو مبرر معقول لمثل ذلك التحول الخطير  الذي طرأ عليه فجأة وبلا مقدمات ، الا اذا اراد الكاتب ان يوصل رسالة الى القارئ مفادها ان من يتحكم في هذا العالم لا يتصف بالحكمة او ان الحياة غير قائمة على المنطق والمعقول ، او اراد ان يسجل اعتراضه على الطريقة التي تدار بها الامور في هذه الحياة ، وإلا لمذا رسم لنا هذه الصورة الكئيبة  لإنسان ممكن ان يكون هو أي واحد منا يستيقظ من نومه صباحا ليجد نفسه في ذات الصورة التي وجد غريغور نفسه فيها وهو يستيقظ من نومه صباحا .. !!
لعل الشعور بالقلق .. وعدم الانتماء .. واللا معنى في هذه الحياة ..كل هذه الاشياء ، هي التي دفعت كافكا الى رسم هذه الصورة المليئة بالحزن والتعاسة والإحباط والموت كمدا في نهاية المطاف ...
غريغور ، هو المعول الاساس لاسرته المكونة من ثلاثة افراد ( أبوه وامه واخته ) .. يتمنى ان يحرر والده من ثقل الدين الذي عليه ليتحرر هو ايضا من ضغط العمل في الشركة التي يعمل لصالحها ، وهو يحب الموسيقى ويحاول مساعدة أخته لدخول مدرسة الموسيقى ، ينهض صباحا كعادته في كل يوم ، ليجد نفسه وقد تحول الى ( حشرة ) ..!!
دقت الساعة السابعة وهو موعد خروجه الى العمل .. فما الذي يفعله وهو يجد نفسه بهذه الصورة الجديدة الطارئة عليه ..!!
 افراد اسرته يطرقون باب غرفته مذكرين اياه بموعد خروجه الى العمل .. وحين يتأخر اكثر من المعتاد يجيء مدير الشركة نفسه ليطرق الباب عليه ..وبصعوبة يوصل غريغور نسه الى الباب ليفتحه ، ليفاجأ الجميع بما حدث له .
يهرب مدير الشركة من امامه ، وتقع امه مغشيا عليها على صدر والده من هول المفاجأة  .. ويستمر الكاتب برسم صورة الاحداث والمشاعر المصاحبة لهذا التحول الغريب الذي طرا على غريغور ، وردود افعال اسرته تجاه ذلك الحدث الخطير ..يصبرون على تحمل وجوده لفترة من الوقت ، ولكنهم في النهاية يجتمعون ويقررون طرده والتخلص منه .. اذ تخاطب اخته أبويها قائلة لهم :
( لو كان هذا المخلوق هو ( غريغور ) لادرك ان الكائنات البشرية لا تستطيع العيش مع هذا المخلوق ، ولمضى الى سبيله طوعا واختيارا ، وعندئذ لن يكون بعد أخ ما ، لكنا سوف نكون قادرين على مواصلة الحياة وإبقاء ذكراه حية مكرمة .. اما في هذه الحال .. فان هذا المخلوق يورثنا أعظم الألم .. )
 
 
 
 
 
وكان ( غريغور ) يسمع كلامها ويفهمه ..سمع بالقرار الذي توصلت اليه اسرته ( طرده والتخلص منه ) فتألم لذلك كثيرا ..واجتاحته موجة من الحزن ، ادت الى موته كمدا .
 وتدخل الخادمة الى غرفته فتجده ميتا ..وتتعامل معه بالمكنسة التي في يدها ، كأي نفاية من نفايات المنزل . وتذهب بالخبر الى اسرته قائلة :
 
_ لقد خلصتكم من ذلك الشيء الذي في الغرفة  ... !!!
 
لم تتالم الاسرة لموته .. بل شعروا  بالارتياح ، وكأن عبئا ثقيلا انزاح عن كاهلهم . . لقد تخلصوا من ذلك الشيء الذي مكث في الغرفة لفترة من الزمن .. اما غريغور فليكن ميتا يحتل مكانه الاثير به في الذاكرة .. ذلك افضل من اعتقادهم بانه هو هذه الحشرة التافهه التي لاتربطهم بها اية علاقة او احساس ...
 
لعل النظرة التشاؤمية للعالم ، هي التي دفعت كافكا الى رسم مثل هذه الصورة المحزنة لبطل قصته ، فالعالم المتوحش المليء بالقسوة والتي تنعدم فيه العدالة والرحمة في ظل حروب همجية كرست القوة قيمة عليا في هذه الحياة .. في ظل عالم تجرد عن العدالة والحكمة والرحمة
ممكن لانسان بريء  ومليء بالمشاعر الطيبة مثل ( غريغور) ان يستيقظ صباحا ليجد نفسه وقد تحول الى حشرة بشعة المنظر لا يطيق رؤيتها اقرب الناس اليه  ، ليصطدم بانقلاب المشاعر نحوه ، فيموت هما وحزنا ...
وتتعامل معه الخادمة باستهانة واحتقار كأية نفاية من نفايات البيت لا يليق بها سوى سلة القمامة في أقذر مكان في البيت ...!!
 
رواية ( المسخ ) صرخة احتجاج بوجه عالم بدا وكأنه بلا قلب ولا عقل ولا ضمير ، عالم لا يلتفت الى المضامين والمعاني بقدر التفاته إلى الأشكال ، عالم تتحكم به قوة عابثة وغامضة .. عالم يسوده اللا منطق واللا معقول ...!!
عالم ليس فيه (الله) العادل الرحيم الرؤوف ..عالم تجرد من الايمان وشاع فيه التمرد والالحاد.
 

  

خيري القروي
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2014/12/15



كتابة تعليق لموضوع : عبثية الحياة .. في رواية ( المسخ ) لكافكا
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play

البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق علي الدلفي ، على السكوت مقتضيات مرحلة وسياسة ادارة . - للكاتب الشيخ عطشان الماجدي : شيخنا الجليل انت غني عن التعريف وتستحق كل التقدير والثناء على اعمالك رائعة في محافظة ذي قار حقيقة انت بذلت حياتك وايضا اهلك وبيتك اعطيته للحشد الشعبي والان تسكن في الايجار عجبا عجبا عجبا على بقية لم يصل احد الى اطراف بغداد ... مع اسف والله

 
علّق محمد باقر ، على السكوت مقتضيات مرحلة وسياسة ادارة . - للكاتب الشيخ عطشان الماجدي : جزاك الله خير الجزاء شيخنا المجاهد

 
علّق احمد لطيف الزيادي ، على السكوت مقتضيات مرحلة وسياسة ادارة . - للكاتب الشيخ عطشان الماجدي : أحسنتم فضيلة الشيخ،ما تفضلتم به حقيقةٌ تأبى النكران فعندما نتمعن جيدابسيرة هذا السيد المبارك خلال حقبة مابعد الصقوط وكيفية تعامله مع الأحداث التي جرت في ضل تلك الحقبة ولازالت ومدى خطورتها بالنسبه للعراق والمنطقه نرى انه تعاطى معها بحكمة وسعة صدر قل نظيرها شهد بها الرأي العام العالمي والصحافة الغربيه فكان (أطال الله في عمره الشريف) على مدى كل تلك السنين الحافلة بالأحداث السياسيه والأمنية التي كان أخطرها الحرب مع تنظيم داعش الوهابي التي هزت العالم يحقن دماءًتارةً ويرسم مستقبل الوطن أخرى فكان أمام كل ذالك مصداقاً لأخلاق أهل البيت (عليهم السلام) وحكمتهم فلا ريب أن ذالك مافوت الفرص على هواةالمناصب وقطاع الطرق فصاروا يجيرون الهمج الرعاع هذه الفئة الرخيصة للنعيق في أبواق الإعلام المأجور بكثرة الكذب وذر الرماد في العيون و دس السم في العسل وكل إناءٍ بالذي فيه ينضحُ .

 
علّق احمد لطيف الزيادي ، على السكوت مقتضيات مرحلة وسياسة ادارة . - للكاتب الشيخ عطشان الماجدي : أحسنتم فضيلة الشيخ،ما تفضلتم به حقيقه تأبى النكران فعندما نتمعن جيدابسيرة هذا السيد المبارك خلال حقبة مابعد الصقوط وكيفية تعامله معها

 
علّق اسطورة ، على الصيدلي يثمن جهود مدير مدرسة الرفاه لافتتاحه مدرسة في ميسان - للكاتب وزارة التربية العراقية : رحم الوالديكم ما تحتاج المدرسة كاتبة

 
علّق مصطفى الهادي ، على الإسلام وقبول الآخر - للكاتب زينة محمد الجانودي : وما هي التعددية في عرفك اخ احمد ؟ ثم كيف تكون التعددية والاسلام على طول التاريخ سمح للمماليك ان يُقيموا دولة ، وامبراطوريات تركية ومغولية وفارسية ، لا بل كان هناك وزراء نافذون من اليهود والنصارى في الدولة الإسلامية على طول التاريخ ثم ألا ترى النسيج الاسلامي إلى اليوم يتمتع بخصائص تعددية الانتماء له ؟ ألا ترى أن الإسلا م إطار يجمع داخله كل الاعراق البشرية . وهل التعددية في المسيحية المتمثلة في أوربا وامريكا التي لازالت تعامل الناس على اساس عنصري إلى هذا اليوم . ام التعددية في الدولة العبرية اللقيطة التي ترمي دماء الفلاشا التي يتبرعون بها للجرحى ترميها بحجة أنها لا تتوافق والدم النقي للعنصر اليهودي. . ولكن يا حبذا لو ذكرت لنا شيئا من هذه الأدلة التي تزعم من خلالها ان الاسلام لا يقبل التعددية فإذا كان بعض المسلمين قد غيروا بعض المعالم فإن دستور الاسلام وما ورد عن نبيه لا يزال نابضا حيا يشهد على التسامح والتعددية فيه. هذا الذي افهمه من التعددية ، وإلا هل لكم فهم آخر لها ؟

 
علّق أحمد حسين ، على الإسلام وقبول الآخر - للكاتب زينة محمد الجانودي : الإسلام لا يقبل التعددية و الأدلة كثيرة و إدعاء خلاف ذلك هو اختراع المسلمين لنسخة جديدة محسنة للإسلام و تفسير محسن للقرآن.

 
علّق محمد عبد الرضا ، على كربلاء ثورة الفقراء - للكاتب احمد ناهي البديري : عظم الله لكم الاجر ...احسنتم ستبقى كربلاء عاصمة الثورات بقيادة سيد الشهداء

 
علّق مصطفى الهادي ، على عزاء طويريج وسيمفونية الابتداع - للكاتب الشيخ ليث الكربلائي : شيخنا الجليل حياكم الله . مسيرة الامام الحسين عليه السلام مستمرة على الرغم من العراقيل التي مرت بها على طول الزمان ، فقد وصل الأمر إلى قطع الايدي والأرجل وفرض الضرائب الباهضة او القتل لا بل إلى ازالة القبر وحراثة مكانه ووووو ولكن المسيرة باقية ببقاء هذا الدين وليس ببقاء الاشخاص او العناوين . ومسيرة الامام الحسين عليه السلام تواكب زمانها وتستفيد من الوسائل الحديثة التي يوفرها كل زمن في تطويرها وتحديثها بما لا يخرجها عن اهدافها الشرعية ، فكل جيل يرى قضية الامام الحسين عليه السلام بمنظار جيله وزمنه ومن الطبيعي ان كل جيل يأتي فيه أيضا امثال هؤلاء من المعترضين والمشككين ولكن هيهات فقد أبت مشيئة الله إلا ان تستمر هذه الثورة قوية يافعة ما دام هناك ظلم في الأرض.

 
علّق حكمت العميدي ، على الدكتور عبد الهادي الحكيم بعد فاجعة عزاء طويريج يقدم عدة مقترحات مهمة تعرف عليها : لو ناديت حيا

 
علّق منير حجازي ، على مع المعترضين على موضوع ذبيح شاطئ الفرات - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : نعم حتى في الكتاب المقدس امر الله بعدم تقبل ذبائح الوثنيين رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 10: 28 ( إن قال لكم أحد: هذا مذبوح لوثن فلا تأكلوا). توضيح جدا جيد شكرا سيدة آشوري.

 
علّق منذر أحمد ، على الحسين في أحاديث الشباب.أقوى من كل المغريات. - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : عن أبان الأحمر قال : قال الامام الصادق عليه السلام : يا أبان كيف ينكر الناس قول أمير المؤمنين عليه السلام لما قال : لو شئت لرفعت رجلي هذه فضربت بها صدر أبن ابي سفيان بالشام فنكسته عن سريره ، ولا ينكرون تناول آصف وصي سليمان عليه السلام عرش بلقيس وإتيانه سليمان به قبل ان يرتد إليه طرفه؟ أليس نبينا أفضل الأنبياء ووصيه أفضل الأوصياء ، أفلا جعلوه كوصي سليمان ..جكم الله بيننا وبين من جحد حقنا وأنكر فضلنا .. الإختصاص ص 212

 
علّق حكمت العميدي ، على التربية توضح ما نشر بخصوص تعينات بابل  : صار البيت لام طيرة وطارت بي فرد طيرة

 
علّق محمد ، على هل الأكراد من الجن ؟ اجابة مختصرة على سؤال. - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : $$$محرر$$$

 
علّق Hiba razak ، على صحة الكرخ تصدر مجموعة من تعليمات ممارسة مهنة مساعد المختبر لغرض منح اجازة المهنة - للكاتب اعلام صحة الكرخ : تعليمات امتحان الاجازه.

الكتّاب :

صفحة الكاتب : عصام العبيدي
صفحة الكاتب :
  عصام العبيدي


للإطلاع على كافة الكتّاب إضغط هنا

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

كتابات متنوعة :



 ماكرون يتهم “السترات الصفراء” بالمشاركة في أعمال العنف

 اكمال تحقيق مخطوطة ( الشمعة في احوال ذي الدمعة ) للسيد هبة الدين الشهرستاني قدس سره   : الشيخ عقيل الحمداني

 أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ السّنةُ الرَّابِعَة (٢٠)  : نزار حيدر

 مكتب المفتش العام لوزارة الثقافة والسياحة يفتتح معرض الكتاب الشامل بمناسبة اسبوع النزاهة الوطني  : اعلام وزارة الثقافة

 حَتَّى العرب تنكَّرت لربِّهَا..!! كفرت بِنَبِيِّهَا وآمنت بأبي سفيان  : عبد الحسن العاملي

 الهاشمي يشرح سير معارك اليوم في تكريت

 ما ألجديد في البرلمان الجديد؟  : حميد الموسوي

 الولاية الخامسة وأطراف كرسي الرئاسة في الجزائر  : مركز المستقبل للدراسات والبحوث

 الحسين مؤسس الثورات ضد الظلم والظالمين   : هادي الدعمي

 يسعى المالكي لافشال العبادي . ومطاليب المتظاهرين تزداد ..  : علي محمد الجيزاني

 الصراع الفكري بين قوى الاستنارة والظلام ..!  : شاكر فريد حسن

 الفريق العراقي سيسحق الطائفي عدنان حمد  : احمد طابور

 مراهنات سياسية  : جواد البغدادي

  كَيْفَ وَلِماذا دَمَّرَ نِظامُ الْقَبيلَةِ الرَّبيعُ العِراقيِّ؟! (٣) والاخيرة  : نزار حيدر

 مراحل التعليم ثروتنا  : مصطفى هادي ابو المعالي

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net