||  كتابات في الميزان  -->  كتابات يومية عامة مستقلة  ||  


الصفحة الرئيسية

موسوعة كتابات في الميزان

المقالات

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • المقالات
  • الرد على كتابات
  • على مسؤولية الكاتب

لماذا كتابات في الميزان

قضية رأي عام

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • قضية راي عام
  • الانتخابات البرلمانية وما بعدها
  • الحرب على داعش

ثقافات

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • ثقافات
  • قراءة في كتاب

أخبار وتقارير

أرسل مقالك للنشر

صفحة الكاتب : د . صلاح مهدي الفضلي   • القسم الرئيسي : المقالات .

        • القسم الفرعي : المقالات .

              • الموضوع : افاق الثورة والتغيير في تأريخ العراق المعاصر .

                    • الكاتب : د . صلاح مهدي الفضلي  (عرض كافة المواضيع) .

افاق الثورة والتغيير في تأريخ العراق المعاصر

ثانيا :  السيد محسن الحكيم

هو السيد محسن بن مهدي بن صالح بن السيد علي الحكيم الطباطبائي وينتهي نسبه إلى الإمام الحسن بن علي – عليهما السلام - [1] .
وعموماً فإن نسب آل الحكيم يعود إلى السلالة الطباطبائية الواسعة الانتشار في العالم . وعن هذه العائلة يقول السيد محمد باقر الحكيم :
" هذه العائلة على ما يذكر في تأريخها ، أنها كانت تسكن سابقاً في إيران في الوقت الذي لم تكن هناك حدود بين العالم الإسلامي ثم انتقلت إلى العراق قبل أربعمائة سنة ، أوائل القرن الحادي عشر الهجري ، فاستقرت في العراق " [2] .
أما تسميته " الحكيم " فقد جاءت من جدهم الأكبر علي بن مراد بن ميرشاه الذي كان طبيباً ( حكيماً ) عند الشاه عباس الصفوي " حيث كان الطبيب يسمى حكيماً ولذلك عرفت هذه التسمية " [3] .
ولد السيد محسن الحكيم عام 1889م وفقد أباه وهو في السادسة من عمره ، إذ توفى في لبنان عندما كان عالماً فيها فتكفل رعايته أخوه الأكبر السيد محمود الحكيم [4] الذي يكبره بعشرة سنوات .
وبعد أن أتقن السيد محسن الحكيم المقدمات على يد أخيه الأكبر السيد محمود الحكيم تتلمذ على يد أكابر المراجع والمجتهدين وهم :
1-     الشيخ محمد كاظم الخراساني ( الأخوند ) .
2-     الشيخ ضياء الدين العراقي .
3-     الشيخ علي باقر الجواهري .
4-     الشيخ حسين النائيني .
5-     السيد محمد سعيد الحبوبي .
وقد أخذ منهم الأصول والفقه والدراية والحديث والسلوك والعرفان وقد تخرج السيد الحكيم في مدارسهم " وجدد كثيراً من مطالبهم ، وأضاف عليها وزادها تأصيلاً " [5] .
2- ارتباطه بأستاذه الحبوبي :
كان السيد الحبوبي يتمتع بشخصية دينية مرموقة وسلوك عرفاني فضلاً عن شخصيته السياسية والعسكرية .
وقد اكتسب السيد الحكيم من شخصية الحبوبي " جلائل صفاته في الخُلق الرفيع والسلوك العرفاني ، والإنابة إلى الله تعالى " [6] .
بالمقابل كان السيد الحبوبي يُدنيه ويقربه ويأخذ برأيه ويشير إليه باستمرار لكل طلاب وعلماء الحوزة العلمية وقد كان يتخذه مستشاراً له . ولعمق تلك العلاقة وقوة شخصية السيد الحكيم فقد اتخذه أمين سره ومعتمده الشخصي المسؤول عن المالية العامة في حرب عام 1914م ضد القوات البريطانية الغازية .
اشترك السيد الحكيم في هذه الحرب وعمره ستاً وعشرين سنة ، ومكنه مكانته لمهمة الاطلاع على كل التفاصيل الحربية (( وكان موقعه الأمين العام للمرحوم آية الله محمد سعيد الحبوبي )) ، قد أهله لأن يدير كل الأعمال الخاصة بالمرحوم الحبوبي ، ويوجد عنده خاتم السيد الحبوبي (( كما يقول ابنه السيد محمد باقر الحكيم [7] .
لقد كانت الحرب العالمية الأولى حرباً قاسية على المجاهدين لقلة ما بيدهم من السلاح والعتاد والأموال وانكسار الجيش العثماني وشدة الضربات البريطانية عليهم الأمر الذي أدى إلى انسحاب المجاهدون من المعركة وقد بقي السيد الحكيم بصحبة أستاذه الحبوبي حتى أصابته بانفعالات نفسية وحمى قاتلة أودت بحياته.
الحقيقة أن نتائج هذه الحرب وما جرى فيها من تداعيات وكذلك الحالة النفسية الصعبة التي مر بها السيد الحبوبي وما آل إليه  الحبوبي ، فضلاً عن باقي المراجع والمجاهدين الذين لاقوا المصير نفسه ، هذه النتائج التي هدت كيان الحوزة العلمية نسبياً قد أثرت بنفس ونوازع السيد الحكيم ليحجم عن المشاركة في الحروب اللاحقة التي جرت ، كحرب الدفاع عن النجف وثورة العشرين . ثم جاء تسفير العلماء بعد تنصيب فيصل ملكاً على العراق ليُطبق على تحرك الحوزة السياسي العلني ، واتخذ السيد الحكيم ذات الموقف المرجعي من الأحداث اللاحقة .
ويعلل الدكتور محمد حسين الصغير موقف السيد الحكيم قائلاً :
" هذا الاندفاع المستميت الذي شاهده السيد الحكيم ، وهذا الانسحاب المرير الذي شهده .. ولّد حالة من الانكماش لديه ، ولدى جملة من العلماء ..، فاعتزلوا النضال إلى حين " [8] .
3- تزعمه للمرجعية
بعد رجوع السيد محسن الحكيم من جبهات القتال وفقده لأستاذه الكبير السيد الحبوبي ، نذر نفسه للبحث والدرس ومواصلة التقدم العلمي نحو الاجتهاد والمرجعية ، حينما توفى أستاذه الميرزا الغروي النائيني عام 1936م تصدى للصلاة جماعة في مصلاه بالصحن الحيدري الشريف " إذ طلب منه جماعة من فضلاء الحوزة ومجموعة من شيوخ العشائر أن يتقدم للصلاة جماعة بالمؤمنين بنفس مكان الميرزا النائيني فلبى طلبهم " [9] . فكانت هذه الإشرة الأولى لبداية مرجعيته بعدما صار مجتهداً وله عدد من المقلدين والأتباع . واستلم المرجعية العليا السيد أبو الحسن الأصفهاني الذي وافاه الأجل بعد عشر سنوات عام 1946م ، وخلالها كانت مرجعية السيد الحكيم المحدودة تتوسع شيئاً فشيئاً فازداد  عدد مقلديه وأتباعه ومن خلال دروسه الفقهية العالية التي كان يُلقيها على طلاب البحث الخارج – العالي – أو " من خلال الوكالات التي يمنحها لبعض الفضلاء من الطلبة وهم يعودون من النجف إلى بلدانهم " [10] .
وبعد وفاة السيد أبو الحسن الأصفهاني ، توزعت المرجعية بين الشيخ محمد رضا آل ياسين والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء والسيد محسن الحكيم وكان التوافق بينهم واضحاً وكبيراً .
وبعد وفاة الشيخ آل ياسين عام 1951م كان هناك عدد من المراجع بجانب السيد الحكيم وهم كل من " السيد عبدالهادي الشيرازي [11] وحسين البروجردي [12] " في قم المقدسة و" السيد حسين الحمّامي [13] والسيد محمود الشاهرودي [14] " في النجف الأشرف .
" وبوفاة السيد الحمّامي عام 1959 والبروجردي والشيرازي عام 1960- 1962 عاد السيد محسن الحكيم هو المرجع الأعلى طيلة عشر سنوات حتى وفاته ، وقد ثنيت له الوسادة ، فقام بأعباء القيادة " [15] .
تميزت مرجعية السيد محسن الحكيم بالانتشار الواسع والازدهار وقد جاء ها التميز لاستيعاب مرجعيته لأدوار المرجعيات السابقة سياسياً وعلمياً وروحياً ، قد استلهم التجارب التي مر بها المراجع ليخرج بتجربة ناضجة تعيش واقع الأمة .
ومن جانب آخر فإن عصر السيد الحكيم كان مزدهراً وذهبياً . و" كان قد ضم في النجف الأشرف وحدها أكثر من خمسين مجتهداً ساروا في ظل مرجعيته الرشيدة " [16] .
إن حيثيات المرجعية المؤسسة تمثلت بأبهى صورها بمرجعية السيد محسن الحكيم ، إذ كان يمثل رأس المؤسسة المرجعية وقد أذعن لتلك الرئاسة المؤسسة المجتهدون والمراجع الذين اتفقوا مع مرجعية الحكيم وسلطته الروحية والعلمية والسياسية ، وعندما نقول السياسية فإن ذلك مرده الصحوة السياسية وتبلور الوعي السياسي الناضج الذي حمل لواءه السيد محمد باقر الصدر وأبناء السيد الحكيم بظل مرجعية السيد الحكيم ومباركتها لهذا التحرك الواعي .
الملامح العامة لمرجعية السيد محسن الحكيم
يمكن إطلاق وصف المرجعية الرائدة على مرجعية السيد الحكيم لامتيازها بالنضج والتطور والحركية والاتساع ، فضلاً عن الصفة الوطنية الملازمة لها بما أبدت من مواقف عبر التاريخ العراقي المعاصر ونسجل بعض صفاتها وملامحها العامة .
1- تطوير واقع الحوزة العلمية :
أولى السيد الحكيم الحوزة العلمية اهتماماً بالغاً باعتبارها البيئة التي تخرّج العلماء والمبلغين والمراجع والقادة الدينيين . فكان الانطلاق من الحوزة في توثيق علاقته بالمجتمع الإسلامي ومنذ تصديه للمرجعية حرص على جذب أعداد كبيرة من الطلبة الدارسين الذين أخذ عددهم بالازدياد (( حتى قدر البعض عدد أفراد الحوزة في عهده بـ(8000) طالب وأستاذ وهو عدد كبير بمقاييس ذلك الوقت ، ويفوق كثيراً العدد الذي كانت عليه الحوزة العلمية في العهد السابق لعهده )) [17] .
وصلت هذه الأعداد الوافدين من الأقطار الإسلامية والمناطق البعيدة عن مركز المرجعية فضلاً عن الطلبة الاعتياديين وأساتذتهم وقد حرص السيد الحكيم على جذب النوعيات الراقية من الطلبة إذ تحرك بشكل واضح على خريجي الجامعات والذين شكلوا فيما بعد (( شبكة فاعلة ومؤثرة من الوكلاء الواعين الذين انتشروا في مختلف مناطق العراق وخارجه )) [18] .
اعتمد السيد الحكيم أسلوب اللامركزية في تكوين وعمل الحوزة العلمية ، إذ أنشأ وطوّر حوزات صغيرة انتشرت في أصقاع العالم المختلفة تخفيفاً لمشقة الانتقال على الطلبة القادمين من البلاد البعيدة وحرصاً منه على تعدد المراكز الحوزوية تحسباً لضربها من الحاكمين ، فتكون الفرص متعددة أمام الطلبة ، وهذا ما حدث فعلاً عندما قام النظام العراقي بعد 1968 بتسفير أعداد كبيرة من الطلبة لكونهم يحملون الجنسية الإيرانية .
تقول إحدى النشريات " نشأت في عهده حوزات جديدة ، وانتعشت حوزات أخرى كانت قائمة .. حوزة جامع المنتظر في لاهور ( باكستان ) وقد بلغ عدد طلابها 500 طالباً ، وقد كانوا 70 طالباً . الصرف على مدرسة الواعظين في لكنهو ، وأصبح عدد طلابها 300 طالباً ، أنشأ حوزة في مزاري شريف بأفغانستان بلغ عدد طلابها 4000 طالباً " [19] وشجع وكلائه بصرف الحقوق الشرعية عليها أما على مستوى المادة الدراسية ، فقد أحدث تطوراً ملحوظاً ويكفي فخراً أنه أدخل دراسة كتابي السيد محمد باقر الصدر فلسفتنا واقتصادنا في ( مدرسة العلوم الإسلامية ) التي أنشأها ضمن بناء تابع للجامع الهندي ووضع لها نمطاً أكاديمياً ، وانفتح على تخريج المبلغين والخطباء والذين يمثلون الواجهة الإعلامية للإسلام . " وكان يهم السيد الحكيم ، أن يتوفر جماعة من العلماء ، على تعلم اللغات الأجنبية كالإنكليزية والفرنسية ، وذلك لإرسالهم إلى أوربا وأفريقيا وأمريكا " [20] .
2- الحضور الاجتماعي والثقافي الواسع
امتلك السيد الحكيم شعبية وحضور اجتماعي واسع في الأوساط الشعبية العراقية ، ومنذ تسلمه كاهل المرجعة كان تخطيطه يتمثل بالتواصل مع زعماء العشائر العراقية ، وقد رأى وقوفهم في ثورة العشرين ومدى تأثيرهم بعشائرهم . ولقطع الطريق على السلطة في محاولة إغرائهم وجذبهم إليها ، تراه يشجعهم لشراء دور خاصة بهم في النجف فضلاً عن زيارة المناطق الريفية التي يقطنها هؤلاء الشيوخ والذين كانوا مادة الثورة لاسيما المخلصين منهم .
أما علاقته مع الأمة فقد كانت علاقة تواصلية ولا تعرف الانقطاع من خلال تجواله المستمر على الجماهير وتلبية احتياجاتهم المختلفة ، لذلك كانت له شعبية واسعة وكبيرة وقد أولى السيد الحكيم الجماهير اهتماماً خاصاً في مشروعه الثقافي ، فبادر لإنشاء المكتبات الثقافية العامة في مختلف محافظات وأقضية ونواحي وقصبات العراق . فكانت مشروعاً ضخماً لم يشهد له مثيل في تلك الفترة ، سعة وامتداداً واستيعاباً لطاقات الشباب .
كانت ظروف ذلك الزمان صعبة جداً على المثقف العراقي في حصوله على الكتاب ، بسبب الحالة المادية المزرية للمواطن ، وبُعد الكتاب الحديث عن متناول الناس لضعف الإنتاج الفكري حينها . فضلاً عن العرف السائد في النجف خصوصاً على منع وحضر تناول المجلات والكتب الحديثة ، حتى ورد في أخبار الحوزات العلمية أن دخول ( الجريدة ) حرام لأنها تدعو إلى العلمانية وغيرها [21] .
وفي ظل هذه العموميات الاجتماعية جاءت فكرة إنشاء مكتبات السيد الحكيم ، (( وكانت النجف منطلقها الأول )) [22] .
وتكمن أهمية هذه المكتبات ، في كونها انطلاقة نحو المعرفة الحديثة والاطلاع على المنتج الثقافي العالمي ، إلاّ أنها تحولت إلى ملتقى للنخب المثقفة في عموم العراق إذ أنه (( أنشأ مكتبة عامة كبرى في النجف الأشرف يتفرع منها حوالي الـ 60 فرعاً في شتى أرجاء العراق ، وقد غدت مقرات هذه الفروع الملتقى الطبيعي للشباب المثقف الواعي والمؤمن )) [23] .
وقد أخبرني المرحوم الشيخ سعدي عزيز نعيمة وهو من وكلاء السيد الحكيم في قلعة سكر ومعتمد مكتبة السيد الحكيم ، إن مكتبة الإمام الحكيم في قلعة سكر ((كان ملتقىً ثقافياً كرياً وسياسياً للشباب المتدين في المدينة ، وإن الشباب الذي كنت ألتقيهم في المكتبة نهاية الستينات وبداية السبعينات ( 1970 ) هم نفسهم الذين شكلوا تنظيم حزب الدعوة افسلامية في المدينة وكذلك في قضاء الرفاعي المجاور لقلعة سكر )) [24] .
كما أبدى السيد محسن الحكيم اهتماماً كبيراً بالتشجيع على تأليف الكتاب الإسلامي خصوصاً في الموضوعات التي تُساهم في تشكيل وتنمية الوعي العراقي . وقد كان على رأس هذه الكتب كتاب ( فلسفتنا ) للسيد الشهيد محمد باقر الصدر ...
3- المرجعية الوطنية الواعية
في بداية شبابه وعندما كان ابن الرابعة والعشرين ربيعاً كانت مشاركة السيد محسن الحكيم الأولى في حرب عام 1914 وقد رافق أستاذه الحبوبي ، فقد فتح عينيه على أكبر منازلة مع أعتى قوة في العالم . وعاش تداعيات الحرب بكل ما تحمل من سلبيات وإيجابيات وقد اختزن في ذاته تلك المآسي التي توالت على الشعب العراقي في مناجزته للمحتلين والعملاء وذيول الاستعمار .
وعندما وقف على أعتاب المرجعية وبدا له صوت يُسمع ، عبّر عن غضبه الشديد عام 1948م عندما أوقفت الحكومة العراقية تقدم الجيش العراقي لتحرير فلسطين ، فرفض (( مقابلة الملك والوصي ونوري السعيد ، وظل متألماً لما يحدث على الساحة الفلسطينية من القتل وسفك الدماء .. وأبدى امتعاضه من المعاهدات الجائرة بين بريطانيا والعراق )) [25] .
وفي عام 1956م وعند وقوع الاعتداء الثلاثي على مصر من قبل بريطانيا ، فرنسا ، إسرائيل بعد تأميم قناة السويس ، استنكر السيد الحكيم هذا الاعتداء وامتنع عن الخروج للصلاة جماعة ، وكان هذا عرفاً سائداًً عند غضب المرجعية ، فيغضب العالم الإسلامي لغضبها وكذلك عطل الدرس العالي لمدة أسبوعين ، ((وتبعه علماء النجف الأشرف والمراجع العظام .. واعتقل في النجف الأشرف خيرة الشباب الوطني المتحضر وأضربت الأسواق كذلك ، وقتل بعض الطلاب الأبرياء في المظاهرات الصاخبة )) [26] عند ذلك أبرق السيد الحكيم إلى البلاط الملكي .
(( جلالة الملك – بغداد
إن إراقة الدماء البريئة بشكلها الوحشي الفظيع في بلدنا المقدس ليدعو إلى القلق والاستنكار العظيمين ، ومن المؤسف إغضاء الحكومة عن ذلك وسلوكها طريق الإرهاب لجميع الطبقات .
محسن الطباطبائي الحكيم )) [27]
فأوفد الملك فيصل الثاني وفداً حكومياً رفيع المستوى مؤلفاً من رئيس مجلس الأعيان عبدالهادي الجلبي ورئيس مجلس النواب عبدالوهاب مرجان ، والشيخ خيون العبيد الذين حضروا إلى النجف حاملين معهم برقية الملك الجوابية ،
(( سماحة العلاّمة حجة الإسلام والمسلمين السيد محسن الطباطبائي الحكيم ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
فقد أحطنا علماً ببرقيتكم بشأن الحوادث المؤسفة التي وقعت في النجف المقدس ، وقد أمرنا الحكومة بما يقتضي والسلام عليكم ، بغداد في 3/ كانون الأول / 1956 )) [28] .
وتحمل البرقية في معانيها الاستنكار واتهام الحكومة بالإرهاب بما يعني ذلك الاستعداد لمواجهة الإرهاب الحكومي وقلب انقلاب الوضع عليها ، فأسرع الملك بتطمين المرجعية وقد أرسل أكابر البلد لترضية المرجعية الغاضبة وتحسباً لتطور الأمور إلى الأسوأ .. ولكن الأمور تدهورت و تطور الوضع السياسي للضباط الأحرار بثورتهم على النظام الملكي في الرابع عشر من تموز عام 1958 .


التقييم الموضوعي لحكم عبدالكريم قاسم عام 1958 وعلاقة المرجعية به
عبدالكريم قاسم
اختلف المؤرخون في تقييمهم لشخصية عبدالكريم قاسم لأن هذا الرجل حمل في ذاته مجموعة من المتناقضات والسياسات المتطرفة ، فهو قومي وشيوعي وشيعي وسني في آن واحد .
ولد عبدالكريم قاسم عام 1914م في محلة ( المهدية ) إحدى أحياء بغداد القديمة أبوه ( جاسم محمد البكر ) وهو زبيدي ( سني ) وأمه تميمية ( شيعية ) [29] نشأ حياة صعبة وكان ذا ميول إنفرادية ، وقد عاش في محلة ( قنبر علي ) التي يكثر فيها اليهود فأخذ يترفع عليهم فنشأت عنده الانعزالية وحب الزعامة منذ صباه .
في عام 1931م عين معلماً في الشامية ، ولم يكن موفقاً في وظيفته . فدخل دورة عسكرية في وزارة الدفاع عام 1932 ليتخرج برتبة ملازم ثانٍ عام 1934 وقد تأثر بأفكار جماعة بكر صدقي الداعية للوحدة العراقية والتعاون بين العرب والأكراد [30] .
وفي عام 1940 تخرج من كلية الأركان وزار بريطانيا للعلاج عام 1947م. وفي عام 1950م شارك بدورة عسكرية في بريطانيا لمدة 6 أشهر . وفي عام 1953 أصيب بانهيار عصبي فسافر إلى لندن للعلاج [31] . انضم عبدالكريم قاسم إلى جماعة الضباط الأحرار التي أسسها رفعت الحاج سري عام 1949 وقد تزعم انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958 الذي أطاح بالعائلة المالكة . فاستغل ذلك الشيوعيون عندما بدأوا يلاحقون أركان الحكم السابق قتلاً ، حتى أنهم نبشوا قبر نوري السعيد يوم 15/ تموز وسحلوه بالشوارع وداسوه بالأقدام .
كان عبدالكريم قاسم محباً للطبقات الفقيرة وعُرف عنه بمشاركتهم شؤونهم الخاصة ، حتى (( إنه كان يركب مصلحة نقل الركاب تماشياً مع الجماهير وإحساساً منه بمعاناتهم )) [32] إلاّ انه من الجانب الآخر كان مستبداً بالحكم ودكتاتوراً رسمياً وعرف (( بعدم فسحه المجال للآخرين بالإسهام معه في الحكم واتهم من قبل خصومه السياسيين بالتفرد بالحكم حيث كان يسميه المقربون منه وفي وسائل إعلامه " الزعيم الأوحد " )) [33] .
وهناك من يعتبر قاسم نزيهاً وحريصاً على خدمة الشعب العراقي ولم يضع لأهله أي اعتبار ، وإنه متسامح واصدر قرارات الإعفاء من الإعدام على معارضيه . في حين يعتبره آخرون زعيماً دكتاتورياً استأثر بالسلطة لنفسه وقد صادر الحياة الحزبية الوطنية والقومية والتقدمية ، وقد أصدر أحكام الإعدام بأقرب المقربين منه من أعضاء تنظيم الضباط الأحرار الذين جاءوا به إلى السلطة كرفعت الحاج سري وناظم الطبقجلي ، وإنه أبعد العراق عن محيطه العربي بقطعه العلاقات الدبلوماسية مع أكثر من دولة عربية وسحب العراق من عضوية الجامعة العربية [34] كما إنه أبعد العراق عن الانتماء الإسلامي بتقربه من الشيوعيين وارتكب مجازر القتل والسحل في الموصل وفي كركوك وأعدم الكثير من خصومه السياسيين وقرّب أسرته من الحكم وأسند لهم بعض المناصب فابن خالته فاضل المهداوي ( ماركسي ) وأخيه الأكبر ( حامد قاسم ) وهو المشرف على توزيع أراضي الإصلاح الزراعي للفلاحين )) وقد جمع أموالاً طائلة من هذه الوظيفة .
تعرض عبدالكريم قاسم لمحاولات انقلابية وعصيان عسكري قاده البعثيون بقيادة علي صالح السعدي والقومي عبدالسلام عارف فتم إعدام الزعيم الأوحد بمحاكمة صورية بدار الإذاعة ببغداد .
تقول إحدى النشريات (( انبرى عبدالسلام عارف منفعلاً للدفاع عن قاسم متوسطاً عدم إعدامه والاكتفاء بنفيه إلى تركيا ولكن عبدالسلام رضخ إلى زملائه لاهثاً وراء السلطة المطلقة .. فقرر إعدامه وبصورة عاجلة وبدون محاكمة .. لأن نفي قاسم سيشعل العراق ولن يهنئوا بالسلطة )) [35] .
موقف المرجعية من حكومة عبدالكريم قاسم
بعد نجاح انقلاب 14/ تموز/ 1958 كان محافظ كربلاء اللواء فؤاد عارف وهو كردي معتدل يتوسم الخير في مرجعية السيد الحكيم ويطلب أن تقول المرجعية شيئاً للقيادة الجديدة . فاستبشر السيد الحكيم خيراً بالقيادة الجديدة وأرسل برقية حملت معاني التذكير والتحذير والاستبشار . فجاءت كلامته :
(( أحمد الله وأشكره ، واسأله أن يجعلكم من قادة العدل ، وأنصار الحق .... فإن العدل أساس الملك ... والظلم والاستئثار من أكبر عوامل الدمار ، .. واعتبروا بمن مضى قبلكم ،.. وأدعوا لكم بحسن التوفيق لخدمة الدين والإسلام والحفاظ على الصالح العام )) [36] .
محسن الطباطبائي الحكيم
وقد أجاب الزعيم عبدالكريم على البرقية بعبارات إسلامية تبشر بالخير في العهد الجديد . الا ان الاوضاع  اختلفت كليا بعد ذلك بسبب تصرفات عبد الكريم الاتية :
1-  أصدر قانون الأحوال الشخصية الذي يساوي الرجل بالمرأة بالميراث ، فضلاً عن الشكليات الأخرى وفق النظرية الشيوعية .
2-  تسليط الشيوعيين والفوضويين والعابثين على مقدرات الشعب ، فكانت عمليات القتل والسحل بالشوارع تجري أمام مرأى منه وهو مؤيد لها .
3-  التوجيه بتكثيف وجود الحزب الشيوعي في المدن المقدسة خصوصاً النجف ، وكانت هناك محاولات مبيتة لاغتيال السيد الحكيم في النجف وفي الكاظمية ، وقد اضطر السيد الحكيم للسفر إلى كربلاء بعد قبول دعوة أهلها ومرجعها الكبير السيد محمد مهدي الشيرازي ، إذ شكلوا له فرق الحماية ، حتى انجلاء الموقف [37] .
وقد قاد السيد الحكيم المعركة ضد الحكم القاسمي وجناحه الضارب ( الحزب الشيوعي العراقي ) فأصدر فتواه الشهيرة :
" لا يجوز الانتماء إلى الحزب الشيوعي ، فإن ذلك كفر وإلحاد ، أو ترويج للكفر والإلحاد ، أعاذكم الله وجميع المسلمين عن ذلك وزادكم إيماناً وتسليماً .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
محسن الطباطبائي الحكيم " [38]
   22/ شعبان / 1379هـ 
وعندما صدرت أحكام الإعدام بحق المنتفضين في مدينة الموصل – ناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سري وجماعتهم – خاطب السيد الحكيم رئيس مجلس السيادة محمد نجيب الربيعي مطالباً إياه العفو عن المنتفضين والتدخل عند رئيس الوزراء ، الذي لم يُخاطبه السيد الحكيم إعلاناً منه لمقاطعته وسخطه على مسيرته الانحرافية عن خط الإسلام .
بالمقابل أبلغ الفريق الربيعي الزعيم عبدالكريم بهذه الرسالة ورغبة السيد الحكيم بعدم إعدام الضباط الأحرار ، إلاّ أن عبدالكريم قام بالرد عملياً فنفذ حكم الإعدام بالضباط في 20/ أيلول / 1959 فازدادت الشقة خلافاً .. ما أدى أن يرفض السيد الحكيم استقباله في النجف الأشرف عام 1963م حينما شعر بضعف سيطرته السياسية على العراق ) [39] .
بقول الدكتور محمد حسين الصغير ( أن الرد الحاسم للإمام الحكيم برفضه كان إسهاماً في الإطاحة به ، حيث انتهى حكمه في انقلاب 8/ شباط 1963م ) [40] .

تأسيس جماعة العلماء
يبدو أن اتفاقاً محوره السيد محسن الحكيم والسيد محمد باقر الصدر وبعض أكابر العلماء قد بدا ينمو بسرعة كبيرة في تلك الحقبة التي سيطرت فيها الأفكار الثقافية والتطلعات السياسية لاسيما الفكر الإلحادي والحركات القومية والعلمانية بشكل عام..
ففي تلك الحقبة ومع بداية حركة الضباط الأحرار عام 1958 كان التأسيس الرسمي لحزب الدعوة الإسلامية بمباركة من المرجع السيد الحكيم وبإشراف مباشر من العلماء الحوزويين وقد رافق هذا التأسيس في سنيه الأولى صعوبات إذ لا يمكن إقناع العلماء بتسييس الدين على شكل حزب ولأسباب كثيرة سنمر عليها في موضوعة الحزب . ولأجل استيعاب العلماء الواعين المتصدين لخدمة المجتمع توجهت الأفكار لتأسيس جماعة العلماء .
وجماعة العلماء تجمع سياسي ديني علمائي تأسس في النجف الأشرف بعد 14 تموز 1958 بشهرين ، وكان أعضاؤها يمثلون الفئة التي تأتي بعد المراجع [41] .
وقد بدأ بفكرة جماعة العلماء الشيخ محمد حسن الجواهري والسيد باقر الشخص وقد عرضوا الفكرة على السيد الحكيم فوافق عليها وباركها .
وبالإضافة للسيد الحكيم فإن بقية العلماء والمراجع في النجف الأشرف ((تبنوا هذه الحركة وأصدروا بيانات رسمية لتأييدها ، منهم السيد عبدالهادي الشيرازي والسيد محمود الشاهرودي والسيد ابو القاسم الخوئي والسيد محمد جواد الطباطبائي وآخرون )) [42] .
وقد تزعم الجماعة الشيخ مرتضى آل ياسين – خال السيد الصدر – وبالإضافة إلى العلماء الذين ذكرتهم فقد ضمت الجماعة :
1-   الشيخ محمد طاهر آل راضي .
2-   الشيخ محمد جواد آل راضي .
3-   الشيخ خضر الدجيلي .
4-   الشيخ حسين الهمداني .
5-   السيد إسماعيل الصدر .
6-   السيد موسى بحر العلوم .
7-   السيد محمد تقي بحر العلوم .
8-   الشيخ محمد رضا المظفر – مؤسس كلية الفقه .
9-   الشيخ محمد تقي الإيرواني .
10-     السيد مرتضى الخلخالي .
وقد تباينت آراء الباحثين من المعاصرين لحدث التأسيس عن عدد العلماء الذين ساهموا في تكوين لبنتها الأولى إذ أضافوا عدداً آخر من العلماء منهم : محمد جمال الهاشمي ، محمد صادق الصدر ، السيد مهدي الحكيم ، الشيخ إبراهيم الكرباسي ، الشيخ عباس الرميثي ، والسيد محمد الحلي ، الشيخ حسن الخوجة ،..
وأغلب الظن أن فكرة التأسيس مدارها السيد محسن الحكيم والسيد محمد باقر الصدر – المرجع الصغير بالعمر – إذ فاتح الصدر أستاذه السيد باقر الشخص وأقنعه بالفكرة ليفاتح الأخير بدوره المرجع الأكبر للشيعة السيد الحكيم لتحصل القناعة الكاملة فيما بعد عن كل العلماء الذين ذكرتهم .
لقد كان هم الجماعة طرح الفكر الإسلامي بأبهى صوره لمواجهة التيارات غير الدينية والتي أخذت تنمو سريعاً في الجسد العراقي المسلم .
وقد بدأت الجماعة نشاطها بإصدار منشور أسبوعي وزع على نطاق واسع داخل العراق وخارجه وأذيع في إذاعة جمهورية العراق ، وكان المنشور (( يُكتب من قبل السيد محمد باقر الصدر ويلقيه السيد هادي الحكيم .. ويرسل عن طريق البريد وعن طريق المبعوثين الذين ترسلهم الجماعة إلى المناطق العشائرية )) [43] .
وأصدرت الجماعة نشرة أسبوعية باسم ( الأضواء ) وكان يكتب افتتاحيتها – بعنوان رسالتنا – السيد محمد باقر الصدر وأعقبه الشيخ محمد مهدي شمس الدين ثم السيد محمد حسين فضل الله .
وكانت هيئة تحريرها تضم :
1-   السيد محمد حسين فضل الله .
2-   الشيخ محمد مهدي شمس الدين .
3-   الشيخ الدكتور عبدالهادي الفضلي .
4-   الشيخ محمد رضا الجعفري .
5-   الشيخ كاظم الحلفي .
لقد استثمرت الحركة الإسلامية مجلة " الأضواء " لتعبر فيها عن آرائها وأفكارها في مختلف القضايا بالنظر لافتقارها للوسيلة الإعلامية العلنية [44] .
وقد تعرضت الجماعة ومجلتها لحملة من التشويه والهجوم من قبل الشيوعيين والقوميين وغيرهم ، حتى قالوا عن مجلة الأضواء (( إن هذه المجلة – الأضواء – لا تعبر عن رأي جماعة العلماء ، وإنما تعبر عن رأي تنظيم سياسي سري ، يستغل اسم جماعة العلماء )) [45] .
كان موقف السيد محسن الحكيم من الجماعة واضحاً ، وبعد أن كثرت الأقاويل عنها أصدر الفتوى الآتية :
(( إن جميع ما أصدره فريق من أعلام أهل العلم أيدهم الله تعالى باسم جماعة العلماء في النجف الأشرف وما سيصدر عنهم من نشرات وغيرها ، مما يتضمن الدعوة إلى الدين والإسلام ، لهو من أهم الوظائف الشرعية التي يجب القيام بها في سبيل إعلاء كلمة الدين وترويج مبادئه الشريفة وتعاليمه المقدسة فعلى عامة المسلمين العمل على مؤازرتهم والوقوف إلى جنبهم في تحمل أعباء هذه الدعوة الدينية المباركة )) [46] .
وقد قامت الجماعة بطباعة عدد من الكتب الإسلامية المهمة ومنها كتاب فلسفتنا* [47] وكذلك كتاب اقتصادنا للسيد الصدر وكتب أخرى ..
الحركة الإعلامية في زمن مرجعية السيد الحكيم
صدرت مجموعة من المجلات حظيت برعاية السيد الحكيم منها :
1-   مجلة النجف ، التي أصدرتها كلية الفقه .
2-  مجلة التضامن ، صدرت عن جمعية التضامن الإسلامي في الناصرية وقد أسسها العلاّمة الكبير الشيخ محمد باقر الناصري الذي كان وكيلاً للسيد الحكيم .
3-   مجلة الإيمان ، التي صدرت في النجف على يد الشيخ موسى اليعقوبي والسيد هادي الحكيم .
4-   مجلة الموعظة ، صدرت عن دار الرسالة الإسلامية في الكوفة .
5-  مجلة رسالة الإسلام ، وهي من المجلات الرصينة والكبيرة التي صدرت عن كلية أصول الدين وقد حظيت بمباركة كبار العلماء كالسيد مرتضى العسكري والشيخ عارف البصري وغيرهم فضلاً عن رعاية السيد محسن الحكيم لها والشيخ مرتضى آل ياسين والسيد الشهيد محمد باقر الصدر .
6-   مجلة النشاط الثقافي ، صدرت في النجف .
7-   مجلة البلاغ التي صدرت في الكاظمية عن الجمعية الثقافية الإسلامية .
ودلل صدور هذا العدد من المجلات على عزم المرجعية لنشر الثقافة الإسلامية الرصينة لحماية العقل المسلم من الانحراف .
المرجعية من عام 1968 وحتى وفاة السيد الحكيم عام 1970
بعد الإطاحة بعبدالكريم قاسم ونجاح انقلاب 8/ شباط/ 1963 استلم الحكم حزب البعث العربي الاشتراكي الذي ساند عبدالسلام عارف ليسلمه دست الحكم فيما تسلم أحمد حسن البكر رئاسة الوزراء* والتي أزيح عنها في تشرين الأول من نفس

* ولد أحمد حسن البكر في تكريت عام 1914م ، تخرج معلماً عام 1932 ، التحق بالكلية العسكرية عام 1938م ، وصل إلى رتبة عقيد عام 1958 مشاركاً في انقلاب تموز حاملاً رسالة من قاسم إلى فاضل المهداوي فعين عضواً في المجلس العسكري ثم طرد منه في تشرين الأول/ 1958 لتآمره ضد قاسم . أصبح عضواً في حزب البعث في لجنة عسكرية خططت للإطاحة بحكم قاسم . وفي 8/ شباط أصبح رئيساً للوزراء وعضو قيادة قطرية في حزب البعث . وبعد حدوث انقلاب 18 تشرين الثاني 1963 وسيطرة عبدالسلام عارف على الحكم ، عين نائباً لرئيس الجمهورية دون أي صلاحيات ، فاستقال من المنصب ، ليعتقل عام 1964 مع مجموعة من البعثيين .
وبعد مضي خمسة سنوات استطاع مع جماعة من البعثيين أن يسترد السلطة بانقلاب 17/ تموز/ 1968، وكان معه حردان التكريتي ، إبراهيم الداوود ، حماد شهاب ، سعدون غيدان ، صالح مهدي عماش ، فيتولى رئاسة الجمهورية ، وبعد أسبوعين قاد انقلاباً ضد جماعته وبالتعاون مع صدام حسين المجيد ليستمر بالحكم حتى 16/ تموز/ 1979 إذ أطاح به صدام حسين بانقلاب أبيض فيجبره على الاستقالة ، تمت تصفية عائلته بشكل هادئ حتى يوم وفاته عام 1982 في بغداد ( حنا بطاطو ، العراق ، ج 3 ، ص 383 ، طالب الحسن ، حكومة القرية ، ج 1 ، بيروت ، 2002 ، ص 192 ) .
العام بعد أن انقلب عارف على البعثيين وانفرد بالحكم الذي اتسم بالطائفية .
وفي هذه الحقبة الممتدة من 1958 وحتى وفاة السيد محسن الحكيم عام 1970، كانت القوى السياسية الإسلامية تمارس نشاطها بشكل علني وسري وقد انطلقت لبناء قاعدة جماهيرية تسعى للتغيير وإعلاء كلمة الله .
ففضلاً عن الأحزاب الإسلامية والتيارات الفكرية وجماعة العلماء التي ذكرناها آنفاً ، تأسس في عام 1957م حزب الدعوة الإسلامية بمباركة مرجعية من السيد الحكيم وبتفعيل ورعاية مرجعية وبإشراف السيد الشهيد محمد باقر الصدر .
حزب الدعوة الإسلامية
إن بداية تأسيس أي حزب تسبقها تحضيرات وانفعالات وتوجهات فكرية تأخذ من الأفراد المتصدين للتأسيس الوقت والجهد الكبيرين ، وحقيقة تأسيس حزب الدعوة الإسلامية سبقتها مقدمات تعود بجذورها إلى بداية الخمسينات من القرن العشرين ، وذلك عندما تصدى مؤسسيه الأوائل لتأسيس الحزب الجعفري وأقصد (السيد مهدي الحكيم والحاج عبدالصاحب دخيل والمحامي حسن شبر ) فبقيت تلك الفكرة تعيش في ضمير هؤلاء الثلاثة فضلاً عن آخرين كانوا على احتكاك متواصل ، وقد كان في هذه الفترة عدد من الأحزاب والتيارات العلمانية منها والإسلامية تعمل على الساحة العراقية ، فكان الحافز قوياً عند الإسلاميين الشيعة ليخوضوا غمار تأسيس حزب سياسي ديني يكون أكثر نضجاً من التجارب السابقة .
وطيلة عقد من الزمان كانت القضية التأسيسية مدار تداول بين أسماء معروفة ولامعة ، وقد قيّض لهم أخيراً أن يعقدوا الاجتماع الأول للحزب (( في مدينة النجف الأشرف وفي دار المرجع السيد محسن الحكيم أو دار ولده مهدي على قول آخر ، وذلك في تشرين الأول عام 1957م )) [48] .
وعلى مدى سنتين كان هناك اجتماع آخر وبنفس قيمة الاجتماع الأول عقد في كربلاء عام 1958 لتتم بلورة الإعداد والتمهيد والتأسيس ، ويذكر السيد مهدي الحكيم (( أن الحزب تأسس قبل انقلاب 14/ تموز/ 1958 ، إلاّ أن تسميته بالدعوة الإسلامية جاءت بعد الانقلاب مباشرة )) [49] .
أما أشخاص التأسيس فقد بدأت العملية بأخذ مباركة ورأي السيد محسن الحكيم أولاً، وكان الأوائل قد تمثلوا بـ (( مهدي الحكيم ، عبدالصاحب دخيل ، طالب الرفاعي ، محمد حسين فضل الله ، محمد حسين الأديب ، حسن شبر )) وهم الذين فاتحوا السيد محمد باقر الصدر بالفكرة ، وبهذا فإن الحزب بارك بتأسيسه المرجع الأكبر للشيعة آنذاك والمرجع غير المعلن السيد محمد باقر الصدر ، ولكن ليس بصيغة حزب بل تنظيم عقائدي فكري .
ولنا أن نسجل الأسماء الأولى من المراجع والمجتهدين والعلماء والمثقفين والشخصيات الاجتماعية البارزة التي كانت تمثل الرعيل الأول للحزب الذين تمثلوا بـ :
1-  السيد محسن الحكيم : الذي كان صاحب الإجازة والإشارة الأولى للتأسيس ولو لم يكن كذلك لما تصدى السيد محمد باقر الصدر لمباركة الحزب أو أولاد المرجع نفسه ( السيد محمد مهدي الحكيم والسيد محمد باقر الحكيم ) للقيادة الأولى للحزب .
يقول السيد محمد باقر الحكيم عن والده أنه (( كان يؤيد العمل الحزبي المنظم باعتباره مؤسسة ، ومفردة إسلامية يمكن أن يكون لها دور مجدد في خدمة الإسلام ، وكان يتعامل مع هذه المفردة بتحفظ ملحوظ )) [50]
2-  السيد محمد باقر الصدر : الذي كتب دراسة فقهية برهن فيها عن شرعية قيام الحكومة الإسلامية في عصر الغيبة – غيبة الإمام المهدي -– استشهد عام 1980 .
3-   السيد محمد مهدي الحكيم – استشهد في الخرطوم عام 1987م .
4-   السيد محمد باقر الحكيم – استشهد في النجف عام 2003م .
5-   عبدالصاحب دخيل – استشهد بإذابته في التيزاب عام 1971م .
6-   السيد طالب الرفاعي –
7-   السيد حسن شبر – ما زال حياً يرزق ضمن قيادة حزب الدعوة الحالية من عام 2009 .
8-   محمد صالح الأديب ، توفي في إيران عام
9-   السيد مرتضى العسكري ، توفي عام 2007م .
10-     السيد محمد حسين فضل الله ، مرجع كبير في لبنان حالياً .
11-     الشيخ عبدالهادي الفضلي : ما زال حياً يرزق في المملكة السعودية .
12-  الشيخ محمد مهدي شمس الدين الذي توفي في لبنان وكان رئيس المجلس الشيعي الأعلى في لبنان وكانت وفاته في عام 2002م .
13-     الشيخ محمد مهدي السماوي : أعدم عام 1979 في السماوة .
14-     محمد هادي السبيتي : أعدم بعد جلبه من الأردن عام 1985 .
15-     الشيخ عارف البصري : أعدم عام 1974م .
16-     السيد محمد بحر العلوم : حالياً متقاعد بعدما صار عضو جمعية وطنية عام 2005م .
17-     محمد صادق القاموسي : توفى في بغداد بعد تخصصه بتجارة الكتب .
18-     محمد صالح الأديب .
19-     عطا جابر عطا : رجل كبير في السن يعمل مع الدعوة تنظيم العراق .
20-     السيد فخر الدين العسكري ( الشوشتري ) .
21-     السيد عدنان البكاء : ترك الحزب وأصبح مع الدولة العراقية والآن بلا صوت مع الحزب الأم .
22-     إبراهيم المراياتي .
23-     السيد علي العلوي .
24-     د. داود العطار ( توفى في إيران ) .
25-     الشيخ محمد مهدي الآصفي ( ترك الحزب وتفرغ للتأليف ) .
26-     الشيخ سهيل نجم .
27-     كاظم يوسف التميمي ( ترك الحزب ).
28-     السيد كاظم الحائري ( ترك الحزب وتفرغ للعمل المرجعي ) .
29-     الشيخ علي الكوراني ( ترك الحزب ) .
30-     السيد عباس الموسوي ( استشهد في لبنان ) .
31-     الشيخ صبحي الطفيلي ( في لبنان حالياً ) .
32-     السيد هاشم ناصر محمود _ الأمين العام لتنظيم العراق .
33-     عبدالمجيد الصيمري .
34-     عارف الحسني .
35-     السيد علي النقوي _ باكستاني - .
واستمر الحزب بالاتساع والانتشار بين طلبة العلوم الدينية وطلبة الجامعات العراقية المختلفة .
وقد كانت التشكيلة الأولى المؤسِسة للحزب من العراقيين العرب ، عكس ما حاول تصويره نظام صدام حسين من أن الحزب إيراني الأصل بشخوصه الأولى والتالية ، فقد يكون هناك نسبة 10% من هؤلاء من أصول عربية لبنانية وسعودية ومن أصول باكستانية وإيرانية واستمرت هذه النسبة بالنمو والتقادم وإلى يوم إعداد هذه السطور . وقد ذهب اللبنانيون باتجاه أطروحة حزب الله والباكستانيون إلى بلادهم والإيرانيون إلى جمهوريتهم الإسلامية فصار حزباً عراقياً بانتماءاته ووطنيته.
يقول الشيخ عبدالهادي الفضلي :
(( كان السيد الحكيم يريد أن يوجد كياناً سياسياً للمسلمين يقوم على أساس من مذهب أهل البيت ، وليس معنى هذا أنه يفرق بين أتباع أهل البيت وبين غيرهم لأن الجميع يستطيع أن يعيشوا في ظل هذا تماماً .. أصبحنا نجمع المادة العلمية بإشراف السيد الصدر ونجمع ما يرتبط بنظام الدولة الإسلامية بعد أن قرأنا الشيء الكثير من الكتب والأبحاث والمقالات التي كتبت في الأنظمة غير الإسلامية ، الديمقراطية والديكتاتورية والرأسمالية والاشتراكية وأنظمة أخرى كثيرة ،.. وكانت اجتماعات ونقاشات النظرية السياسية الإسلامية التي يقوم عليها ، كان المفكر هو السيد الصدر ونحن الشباب كنا نتحرك بحركته ، في حينها السيد الصدر لا يرى ولاية الفقيه ... كان متأثراُ برأي أستاذه الخوئي ..  الذي لا يقول بولاية الفقيه .. ))
وأخيراً تم الأخذ بنظرية ولاية الفقيه والتي طرحها السيد الخميني في قم ((انتهينا – والحديث للشيخ الفضلي – إلى تبني الفكرة لكن في خطين ، منا من كان يقول بحكومة الفقيه مطلقاً ، ومنا من كان يقول بحكومة الفقيه الأعلم لأنه القدر المتيقن )) [51] .
استمر حزب الدعوة الإسلامية بنشاطه السري الثقافي وقد حرص السيد الشهيد محمد باقر الصدر على اجتذاب طلبة الحوزة العلمية والتحرك على المثقفين وطلبة الجامعات ليكوّن منهم البذرات الأولى للتحرك الأفقي والعمودي في آن واحد .
لقد كثّف الحزب نشاطه الثقافي أيام المد الشيوعي وقد أيقن الشيوعيون بوجود فكر إسلامي عالي المضامين يتصدى لفكرهم المادي .
وقد أحس النظام بالتحرك السري للدعوة الإسلامية ، ورغم بقاء اسم (الدعوة) مجهولاً بالمقابل إلاّ انه استمر بتأثيره بعيداً عن أعين السلطة . وقد حاولت حكومة البعث التأثير على المرجعية إذ أرسلت أحد عملائها وهو ( حسين الصافي ) وهو بعثي قديم يرتدي لباس رجال الدين ، كان مسؤولاً عن حزب البعث في النجف ثم محافظاً للديوانية فكربلاء عام 1963 ووزيراً للعدل عام 1969 [52]  إلى النجف .
والتقى السيد حسين الصافي بالسيد محسن الحكيم وأخبره عن خطر ظهور حزب جديد يقوده السيد محمد باقر الصدر وأولاد المرجع نفسه ، وأن التشيع والجامعة الدينية في خطر لأن هذا الحزب يدعو للتسنن والوهابية – على حد زعمه – وقد رد عليه السيد الحكيم بحدة : " وهل تتصور أنك أحرص من السيد الصدر على النجف والشيعة والحوزة العلمية " [53] .
وفي نهاية الأمر امتثل السيد الصدر لرغبة المرجع الحكيم أن ينسحب من قيادة الحزب ويكون مرشداً له ، فسلّم الصدر رسالة إلى قيادة الحزب بيد السيد محمد مهدي الحكيم يشرح بها الموقف الجديد .
ورغم انسحاب السيد الصدر وأولاد السيد الحكيم محمد مهدي ومحمد باقر من الحزب إلا أنهم استمروا بالتعاون والتنسيق والدعم لحزب الدعوة وبعلم والدهم محسن الحكيم ، ليستمر الحزب بعطائه وتطوره .
النشاط السياسي للمرجعية الدينية
عند استلام حكومة الانقلاب في شباط  1963 مهام عملها ، أوفد السيد الحكيم جماعة من العلماء للتحاور معها ، وقد كان الوفد مؤلفاً من خيرة علماء الحوزة العلمية والعاملين في الحركة الإسلامية وهم كل من :
1-   السيد مرتضى العسكري* .
2-   السيد محمد مهدي الحكيم .
3-   السيد محمد طاهر الحيدري .
4-   السيد علي نقي الحيدري .
5-   الشيخ علي الصغير .
6-   السيد إسماعيل الصدر .

7-   السيد هادي الحكيم [54] .
وقد أكد الوفد لرئيس الوزراء حرص المرجعية على التعاون مع الحكومة بنبذ الخلافات الطائفية ، ورفض الاستفزازات للمرجعية ، وتطبيق العدالة الاجتماعية ، والنظر في مناهج التعليم وضرورة مشاركة وسائل الإعلام بنقل النشاط الإسلامي والشعائر الحسينية ، وغيرها وقد تشكلت لجنة من العلماء للنظر في تطبيق مطالب المرجعية ، ولكن الأوضاع أخذت بالتدهور شيئاً فشيئاً ، إذ لم تفِ الحكومة بوعودها إلى العلماء وشملت الاعتقالات رؤساء العشائر الموالية للمرجعية ولشباب الشيعة في العراق بحجة الشيوعية والشعوبية ، لذا فقد انتفض السيد الحكيم ضد السلطة وقرر السفر إلى بغداد وسامراء محتجاً ضد تصرفات النظام اللاأخلاقية .
توجه موكب السيد الحكيم إلى كربلاء يوم 17/ 10/ 1963م ثم توجه إلى بغداد ماراً بالمناطق الواقعة بينهما وقد استقبلته الأمواج البشرية الهائلة وعند نزوله في بيت الحاج سلمان عباس الكردي في الكاظمية ، توافدت عليه الحشود المليونية وهي تُلقي ببيعتها للسيد الحكيم قائلة (( إننا نبايع الإمام الحكيم على الموت من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا ، وكلمة أعدائه هي السفلى )) [55] وقد كانت الوفود تمثل أغلب مناطق بغداد مثل (( الكاظمية ، الكرادة ، البياع ، جامع المصلوب ، الكسرة ، كرادة مريم ، القاهرة ، الثورة ، مدينة السلام ، الدجيل ، الكوت )) وكانت الوفود تتقاطر كالسيل ولو أراد السيد الحكيم أن يجتاح النظام الحاكم لفعلها ولكن السيد الحكيم كان له رأي في مسألة الحكم [56] ..
وبعد الكاظمية توجه السيد الحكيم إلى سامراء وبرفقته ألف وستمائة سيارة وهي تحتضن موكبه [57] وقد استقبلته مدينتي الدجيل وبلد استقبالاً منقطع النظير حتى إذا وصل سامراء مكث فيها عشرة أيام وقد أدى رسالة إسلامية ، وأوصل إلى الحكومة حقيقة قوة المرجعية وأنها تنطلق من الجماهير فلا تستغرق الحكومة بغيّها وسياستها المخالفة لإرادة الجماهير .
ونستقطع بعض أبيات الشاعر محمد حسين الصغير لأهميتها التاريخية وقد ألقاها بتوديع السيد الحكيم :
سِر في جهادك .. فما برحتَ موفقاً  سيفان في يدك العقيدة والتُقى
بالأمس قد أدبت ( قاسم ) أمتي  واليومَ أدعى أن تؤدب عفلقا
آمنتُ بالإسلام لا رجعية  فيه ولا فوضى تُعاب وتتقى
وبعد 18/ تشرين الثاني/ 1963 انفرد عبدالسلام عارف بالحكم بعد تصفية وإبعاد لرفاقه البعثيين الذين أوصلوه إلى الحكم وسار بطريق التفرد والدكتاتورية فضلاً عن طائفيته المعروفة . فطلب السيد الحكيم من علماء بغداد والكاظمية أن يوجهوا رسالة إلى عارف يطالبونه بتنفيذ مطالب المرجعية والتي أهمها :
1-   إلغاء قانون الأحوال الشخصية .
2-   وضع دستور للعراق يستمد تعاليمه من القرآن والسنة المحمدية .
3-   إشاعة العدل ونبذ الطائفية والحفاظ على الوحدة الوطنية .
4-   مكافحة الفساد والانحلال .
5-   معالجة وسائل ومناهج التعليم .
ومثلت هذه المطالب مطالب الأمة الإسلامية [58] ، فأرسل عبدالسلام عارف وفداً حكومياً رفيعاً برئاسة طاهر يحيى* وبعض الوزراء للسيد الحكيم مطمئناً إياه على مسؤولية الحكومة اتجاه الشعب ونبذها لروح الطائفية ، فقابلهم السيد الحكيم بكل تأنيب وشجب لسياسة الحكومة الطائفية مؤكداً لهم " لقد سبق منا أن قلنا لبعض الحاكمين الذين انتقم الله منهم أن الشعب العراقي شعب مسلم متدين ، لا يرضى بغير الإسلام شريعة ونظام ، وكل تشريع تشرعه الحكومة يخالف الإسلام لا يمثل رأي الأمة ويوجب نفورها وابتعادها عن الحكومة .. فإننا لا نرضى غير الإسلام ديننا وعقيدتنا " [59] ولم تطبق الدولة أياً من وعودها بل سبرت في غيها وطبقت القوانين الاشتراكية الوهمية فصادرت الأموال الشخصية للناس . وحدث خلاف كبير بين السيد الحكيم وعبدالسلام عارف ، وحاول طاهر يحيى وناجي طالب أن يخففا القطيعة بينهما وطلبا من السيد الحكيم لقاء عبدالسلام عارف في النجف الأشرف ، إلاّ أن السيد الحكيم رفض ذلك إلاّ بتحقيق إلغاء قانون الأحوال الشخصية المخالف لصريح الشريعة الإسلامية وإلغاء القوانين الاشتراكية . إلاّ أن عارف لم ينفذ شيئاً من هذا وقد حاول عبدالرحمن البزاز* مع السيد الحكيم أن يستقبل عارف فرفض السيد الحكيم ، حتى زار عارف النجف وحاول زيارة السيد الحكيم فرفض بشدة .. وأخيراً سقطت طائرة الرئيس عبدالسلام عارف مع عدد من وزرائه في البصرة وانتهت أيامه حتى ، وأحكم الجيش القبضة على البلاد ونصّب أخيه عبدالرحمن عارف رئيساً للبلاد ( بإجراء صارم من قبل العميد سعيد صليبي آمر الانضباط العسكري ) [60] .
وقد كانت أيام عبدالرحمن عارف أياماً يسودها البرود وكانت علاقته مع المرجعية علاقة طيبة جداً سمتها الاحترام المتبادل .
وانقضت أيام عبدالرحمن عارف وجاء إلى العراق حزب البعث العربي الاشتراكي في 17/ 7/ 1968 أثر انقلاب قاده عبدالرزاق النايف وإبراهيم الداوود والذي أطيح بهما في 30/ 7/ 1968م وصفا الحكم لأحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين لتبدأ صفحة جديدة في حياة مرجعية السيد الحكيم هي أسوأ صفحة عرفها التاريخ لبداية حكم دكتاتوري دموي لا يعرف الرحمة ولا الأخلاق وشعاره الغاية تبرر الوسيلة ويسيّر أتباعه بشعار نفذ ثم ناقش .
كان هم الحكم البعثي الجديد ، إلغاء دور المرجعية في حياة الأمة العراقية إذ لم يقتصر تأثيرها على شيعة العراق فقط بل امتد ليتسع كل الأطياف العراقية ، فبدا النظام بملاحقة رجال الدين وأخذ يصطنع لهم كل الحيل لإبعادهم عن الساحة الاجتماعية فضلاً عن السياسية ، فبدأت حملات التسفير بحق العلماء وطلبة الحوزات العلمية بحجة تبعيتهم الإيرانية رغم عراقيتهم الأكيدة .
تعرضت الحوزة العلمية ومرجعيتها الدينية التي عمّرت في النجف الأشرف لأكثر من 1000 عام وبعناية إلهية لمضايقات حزب البعث العربي الاشتراكي بانتهاكها ومحاولة إنهائها وإنهاء نشاطها " الرجعي " على حد تعبير التعميم الصادر من القيادة القومية للحزب في 4/ 4/ 1969م الذي أكدت فيه على (( ضرورة القضاء على الرجعية الدينية باعتبارها العقبة الكبرى في مسيرة الحزب والثورة )) [61] ، وتمثلت هذه الإجراءات بالنقاط الآتية :
1-   أعلن وزير الداخلية صالح مهدي عماش إلغاء جامعة الكوفة ومصادرة أموالها .
2-   إلزام طلبة الحوزة العلمية بأداء الخدمة الإلزامية بعدما كانوا معفيين منها .
3-  ممارسة الضغوط والحرب النفسية على أصحاب المواكب الحسينية والبدء بمنع أداء الشعائر الحسينية وبشكل تدريجي سافر .
4-  البدء بحملة اعتقالات واسعة طالت المثقفين وحملة الشهادات الجامعية والعليا وعدد من الضباط وكانت التهم تتوزع بالرجعية والجاسوسية ليسهل تصفيتهم أمام الرأي العام [62] .
5-  النيل من الشخصيات الدينية الكبيرة وتسقيطها اجتماعياً وتشويهها بإشاعة الأباطيل والتهم حولها .. كما حدث مع السيد محمد مهدي الحكيم واتهامه بالجاسوسية لصالح أمريكا .
إزاء الوضع الجديد الذي خلقت ظروفه حكومة البعث عام 1968 وما بعدها من زمن ، لم يكن من بد للسيد الحكيم زعيم المرجعية العليا إلاّ أن يتحرك ويكسر حاجز الخوف الذي بدأ يخنق الأمة ، فأمر (( بعقد اجتماع ضم نحو (60) من علماء الدين في بغداد عقد في حسينية التميمي في ( أرخيته ) في منطقة الكرادة الشرقية التي يؤم الصلاة فيها السيد مهدي الحكيم .. وقد خلصوا إلى " ... يجب بيان إسناد وتأييد الناس للمرجع " وتم انتخاب 10 علماء من المجتمعين وتوجهوا إلى النجف لمقابلة الإمام الحكيم وإبلاغه نتائج الاجتماع .. وعلى الأثر قرر الإمام التوجه إلى بغداد للقيام بتحرك حقيقي )) [63] .
وبعد مقدمهِ إلى بغداد – رغم مرضه الشديد – كانت الوفود تتقاطر عليه بمن فيهم مبعوثي السلطة الذين تلقوا منه السخط والاستياء والاستنكار لحملات الاعتقال التي تجري والتي لم يكن لها إلاّ معنى واحد وهو إسكات أي صوت معارض للسلطة وحزبها الحاكم . وأخيراً تقدم السيد مهدي الحكيم في 5/ 6/ 1969 بمذكرة إلى قيادة النظام الحاكم باسم علماء بغداد والكاظمية " يحتج بها على مجمل التصرفات ويدين النظام على أساسها ... " [64] .
وفي وجوده ببغداد وجه السيد محسن الحكيم لعقد اجتماع لعلماء بغداد في مدينة الكاظمية ، وتحدث في الاجتماع السيد محمد مهدي الحكيم وتقرر أن تقوم مسيرات كبرى في الكاظمية وتلقى فيها كلمة للسيد الحكيم يشرح فيها ظروف المرحلة ... وكان هذا رد المرجعية على تصرفات السلطة وتكليفاً للجماهير بتحمل مسؤوليتها .
ولكن كان للسلطة رداً قوياً فقامت بضربة صميمية للمرجعية إذ بادرت بضرب المرجعية استباقاً وقبل أن تخرج مسيرة واحدة ( فظهر مساء نفس اليوم 9/ 6/ 1969 الذي عقد فيه اجتماع العلماء وكان ظهراً ، العقيد المتقاعد مدحت الحاج سري أمين العاصمة الأسبق على شاشة تلفزيون بغداد ليدلي باعترافات انتزعت منه بالإكراه جاء فيها " إن السيد مهدي الحكيم حضر بعض الاجتماعات مع الأكراد التي كانت تتم بأوامر من المخابرات المركزية الأمريكية " وبعد منتصف الليل اقتحمت قوة من الأمن وعناصر حزب عفلق مقر إقامة الإمام الحكيم في الكاظمية وقامت بتفتيشه لمدة أربع ساعات زيادة في التنكيل بالمرجعية ) [65] .
كان الشعب يعيش حالة الهلع والخوف إذ بدأ النظام ومنذ استلامه السلطة بحملات الاعتقال والإعدام واتهام الشرفاء بالجاسوسية وقد أقام حفلات إعدام جماعي في البصرة وفي بغداد ونقلها عبر التلفزيون العراقي . كل ذلك خلق حاجزاً من الخوف عند أبناء الشعب البسطاء .
ومع هذا فقد خرجت مظاهرات صاخبة تندد بموقف الحكومة ضد السيد محمد مهدي الحكيم ومرجعية السيد الحكيم . فكانت مظاهرة لطلبة الحوزة العلمية في النجف وقد تصدى لها الشيوعيون بالضرب وبالمدي والآلات الحادة ، ومظاهرات في مناطق الفرات الأوسط وأكبرها مظاهرة البصرة التي استمرت ثلاثة أيام وقد تعرض المتظاهرون إلى ضرب إطلاق النار من الشرطة والجيش ، وقد أرادت الحركة الإسلامية في البصرة أن تقوم بعصيان مدني إلاّ أن قيادات الحركة رفضت الفكرة لأن التنظيمات كانت تعيش المرحلية الفكرية وليس المواجهة الفعلية .
وفاة السيد محسن الحكيم
شارف السيد الحكيم على الأربعة والثمانين عاماً ، وقد هده طول الطريق ، وأتعبته هموم الدنيا ومشاكلها ، فضلاً عن إصابته بسرطان المثانة ، نصحه الأطباء بالسفر إلى لندن والعلاج فيها وقد سافر إليها في نيسان عام 1970م وعاد منها في مايس بعد أن فقد الأطباء الأمل في شفائه [66] ورقد في مستشفى ابن سينا التي استقبلت آلاف الزائرين لعيادته ، ولم يمهله المرض والقدر طويلاً فقد فارق الدنيا يوم 1/ حزيران/ 1970 المصادف 26/ ربيع الثاني / 1390هـ فعم الحزن العالم الإسلامي ونعته وسائل الإعلام العربية والعالمية وجرى له تشييع رسمي وشعبي كبير جداً في الكاظمية إلى كربلاء فالنجف وقد حضر تشييعه الملايين من محبيه ومقلديه .
تميزت مرجعية السيد الحكيم بالوعي الرسالي والانفتاح على الشعب وكانت مرجعية وطنية أسست قواعد لبناء إسلامي رصين ومنحت المؤسسة الحوزوية فاعلية القرار والموقف .
كان النظام البعثي ينتظر بفارغ الصبر رحيله عن الدنيا فقد كان صوتاً مدوياً وحاجزاً مانعاً لاختراق الصف الإسلامي والشيعي بشكل خاص ، تنقل بعض النشريات حديثاً دار بين بعض أزلام البعث إذ يقول أحد المسؤولين (( إننا نعرف بوجود حركة إسلامية منظمة .. ولكننا لا نستطيع أن نواجهها ونضربها الآن .. ما دام السيد الحكيم موجود فليس بوسعنا مواجهتهم .. دع هذا يموت – السيد الحكيم – وسوف نعلق كل واحد منهم على أعمدة الكهرباء في الشوارع )) [67] .
وفعلاً فبعد موت السيد الحكيم بأشهر قليلة بدأ النظام الحاكم حملة من الاعتقالات طالت قيادات الدعوة الإسلامية وعموم الحركة الإسلامية المعاصرة .


________________________________________
استقر به المقام في مدينة قم المقدسة واصبح من المراجع الكبار بعد وفاة السيد أبو الحسن الأصفهاني .. توفي عام 1961م .
* ومن الجدير بالذكر أن السيد الشهيد أراد أن يصدر كتاب فلسفتنا باسم الجماعة من غير أن يذكر اسمه عليه ولكن الجماعة رفضت بعض مطالب الكتاب .. فأصدر الكتاب باسمه
* السيد مرتضى محمد إسماعيل العسكري ، ولد في سامراء عام 1332هـ 1912م هاجر إلى قم المقدسة في إيران عام 1930 ودرس فيها مقدمات العلوم وبقي فيها ثلاث سنوات وقد درس على أكابر علمائها .
تميز السيد العسكري بالإصلاح والبناء المؤسساتي وقد بدأ خطواته بإصلاح نظام الدراسة في الحوزة العلمية في قم مع شريكه السيد محمود الطالقاني إلاّ أن مشروعه لاقى الرفض فرجع إلى سامراء وقد استمر بالدرس فيها حتى عام 1945م .
اختص بإعادة كتابة التاريخ الإسلامي بأسلوب تحليلي علمي ، شد الرحال إلى الكاظمية عله يجد أجواء أرحب في بحوثه المتقدمة إلتقى بالأستاذ أحمد أمين صاحب ( التكامل في الإسلام ) وتعاون معه في تثبيت كيان ( منتدى النشر ) في الكاظمية .
كان كثير التنقل بين بغداد والكاظمية وسامراء وقم إذ أسس حوزة علمية خاصة في قم أشرف عليها برعاية المرجع حسين البروجردي والتحق بجماعة العلماء وسار مع مرجعية السيد الحكيم ليخوض الصراع الفكري والسياسي فكان من مؤسسي حزب الدعوة الإسلامية ووكيلاً للمرجعية في منطقة البياع وراعياً لمشاريع عملاقة فأسس كلية أصول الدين وتبنى مشروع الصندوق الخيري الذي أسسه السيد هبة الدين الشهرستاني وأنشأ مستوصفاً خيرياً في الكرادة الشرقية .. وسعى لبناء عشرات المدارس التي ربت الأجيال الرسالية والعلمية .
ترك آثاراً فكرية كثيرة في التاريخ والفقه والعقائد والسياسة خرج من العراق بداية السبعينات بعد إصدار أوامر القبض عليه لشدة نشاطه السياسي .. مكث في إيران مؤسساً لمشاريع فكرية كبيرة .. عاد إلى العراق زائراً بعد سقوط النظام البعثي في 2003 وتوفى في 17/ 9/ 2007م . ( حوزة الهدى للدراسات الإسلامية ، موقع في الإنترنيت تراجم الأعلام http://www.alhodacenter.com  ).
* طاهر يحيى : ولد عام 1914م في تكريت ، انضم للضباط الأحرار عام 1957 بعثياً عام 1962 مساهماً في الإطاحة بعبدالكريم قاسم ، فعين رئيساً لأركان جيش عبدالسلام عارف ، نُصب رئيساً للمؤتمر القطري الاستثنائي لحزب البعث وبعد سيطرة عارف على الحكم أصبح طاهر يحيى رئيساً للوزراء حتى أيلول/ 1965 ثم نائباُ لرئيس الوزراء ثم رئيساً للوزراء حتى 17/ تموز/ 1968م إذ اعتقل ومات في سجنه ببغداد . ( حنا بطاطو ، ج3 ، مصدر سابق ، ص 90 ) .
* ولد عبدالرحمن البزاز عام 1912م في بغداد جانب الكرخ درس الحقوق وتخرج عام 1934م ودرس أربع سنوات في بريطانيا ، عضواً في نقابة المحامين الإنكليز ، عاد إلى بغداد عام 1939م واعتقل عام 1941م بعد أحداث مايس 1941م . صار رئيساً لنادي البعث العربي عام 1950م بعد انقلاب 1958 أعيد كعميد لكلية الحقوق ثم قاضياً في محكمة التمييز أمضى ستة أشهر في سجن أبي غريب بعد أحداث الموصل 1959م . سافر بعدها إلى لبنان ثم مصر واشترك في ( التجمع القومي العربي في القاهرة ) وبعد سقوط عبدالكريم قاسم عيّن سفيراً للعراق لدى الجمهورية العربية المتحدة ثم أمين عام منظمة البلدان المصدرة للنفظ ( أوبك ) ، وفي عام 1964 نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للنفط والخارجية . ثم رئيساً للوزراء عام 1965 بعد هروب عارف عبدالرزاق . وبعد وفاة عارف الأكبر تنافس مع عبدالرحمن عارف على رئاسة الجمهورية ولم يفلح فاستمر برئاسة الوزراء حتى عام 1966 إذ قدم استقالته في 7/ آب وبعد مجيء انقلاب 1968 تم اعتقاله عام 1969 وتم الحكم عليه 15 سنة بعد تعرضه للتعذيب في قصر النهاية وفي عام 1970 أفرج عنه ليغادر إلى لندن فيموت فيها عام 1971 .
( حسن لطيف الزبيدي ، مصدر سابق ، ص 240 وحنا بطاطو ، ج 3 مصدر سابق ، ص 347 ، وبرزان التكريتي ، محاولات اغتيال الرئيس صدام حسين ، بغداد ، 1982 ، ص 11 ) .

د . صلاح مهدي الفضلي
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2011/04/19   ||   القرّاء : 1215



العودة إلى الصفحة الرئيسية

||  المقالات  ||  ثقافات  ||  اخبار و تقارير


كتابة تعليق لموضوع : افاق الثورة والتغيير في تأريخ العراق المعاصر
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 

 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net