صفحة الكاتب : د . عبد الخالق حسين

الشعب والغوغاء من منظور الوردي
د . عبد الخالق حسين

 مثلما لكل فرد شخصيته الخاصة به تميِّزه عن الآخرين، كذلك لكل شعب شخصيته تميزه عن بقية الشعوب، والتي هي نتاج ثقافته الموروثة (culture) التي تؤثر في شخصية أفراد ذلك المجتمع وعلى درجات مختلفة. يؤكد العلامة علي الوردي في هذا الصدد، أنه ليس هناك شعب بلا صفات حميدة، كذلك لا يخلو شعب من بعض الخصال السلبية.
ففي هذه الأيام مثلاً نستلم عن طريق البريد الإلكتروني، قائمة بالصفات الحميدة التي يمتاز بها الشعب الياباني، وأهمها الهدوء واحترام القوانين وهو يواجه نتائج كارثة الزلزال والتسونامي الأخيرين بمنتهى الصبر والصمت. فالكوارث الطبيعية والحروب والثورات والتحولات السريعة العاصفة، تضع كل شعب على محك يكشف طبيعته وطريقة تصرفه في مواجهة الأحداث. والتطرق إلى سلبيات الشعب ونقدها ضرورة ملحة من أجل معالجتها، وليس التعامل معها بطمس الحقيقة في الرمال مثل النعامة.

إذ يقول الوردي في هذا الخصوص: "أن الإنسان ينكشف جوهره عند الشدائد. وهذا قول ينطبق على المجتمع العراقي خلال الحرب العالمية الأولى، فإن الأحداث الشديدة التي وقعت حينذاك كشفت عن طبيعته المخبوءة وأظهرته على حقيقته". (علي الوردي، لمحات،ج4، دار كوفان، لندن، 1992، ص 400).
ويضيف في مكان آخر من نفس المصدر: ( يجب أن لا ننسى أن الكثيرين منا متحضرون ظاهرياً بينما هم في أعماقهم لا يزالون بدواً أو أشباه بدو، فإن قيم البداوة التي تمكنت من أنفسهم على توالي الأجيال ليس من السهل أن تزول عنهم دفعة واحدة بمجرد تقمصهم الأزياء الحديثة أو تمشدقهم بالخطب الرنانة". (ص،402).

يمر شعبنا العراقي منذ 2003 في مرحلة تحولات سياسية واجتماعية عاصفة ومنعطف تاريخي حاد، تخللتها أعمال عدوانية إرهابية واقتتال، وتصاعد موجة الجريمة المنظمة، إضافة إلى المشاكل الاجتماعية والسياسية الأخرى مثل تفشي الفساد الإداري والرشوة والبطالة وتردي الخدمات ونهب الثورات...الخ، الأمر الذي دفع جماهير واسعة للخروج إلى الشارع والتظاهر احتجاجاً على هذه الأوضاع المؤلمة. وكما هو معروف في مثل هذه الحالات، لا بد وأن يكون هناك مجال للمجرمين والفوضويين والمتضررين من هذه التحولات، أن يلعبوا دوراً في خلق المشاكل وباسم الشعب، حيث تنطلق النزعات الغرائزية الحيوانية للانتقام، وتصفية حسابات مع المنافسين والخصوم السياسيين. وهذا ما حصل في جميع الثورات في التاريخ مثل الثورة الفرنسية، والثورة البلشفية الروسية، وكذلك في ثورة 14 تموز العراقية، ويحصل الآن بعد سقوط حكم البعث الفاشي.
خلال مرحلة التحضيرات للتظاهرات الأخيرة التي بدأت يوم 25 شباط الماضي، حذرنا من اندساس أعداء الشعب من البعثيين وحلفائهم أتباع القاعدة، وعصابات الجريمة المنظمة، لاختطاف التظاهرات وتجييرها لصالحها ضد مصلحة الشعب. وهذه الفئات المخربة يطلق عليها عادة (الغوغاء). ولكن مع الأسف الشديد، اعتبر البعض تحذيرنا هذا، وخاصة في مقالنا الموسوم (يسيرون نحو الهاوية وهم نيام)، بمثابة إهانة للشعب، وعلينا تقديم الاعتذار!!

وفي هذه الأيام، وبناسبة الذكرى الثامنة (9/4) لتحرير العراق من حكم الفاشية البعثية، نستلم إيميلات من بعثيين وأعوانهم، تدعو للمشاركة في تظاهرة أمام السفارة العراقية في لندن "سفارة حكومة الاحتلال الأمريكي!!" على حد تعبيرهم. والمؤسف أن بعض اليساريين يشاركونهم في الرؤية والموقف.

لا شك إن توجيه تهمة (إهانة الشعب) شنيعة، فيها الكثير من المقاصد والغايات الكيدية، والتأليب وتحريض الغوغاء على كاتب يريد الخير لشعبه، خاصة وقد وقع ما حذرنا منه من اندساس المخربين الفوضويين. ولكن كالعادة، تجنب السادة المحرضون للتظاهرات أية إشارة إلى ما حصل من إشعال الحرائق في مقرات المحافظات مثل الموصل والديوانية والكوت، وسرقة نحو مليار ونصف مليار دينا من خزانة محافظة الموصل، حسب تصريحات المحافظ، إضافة إلى تفجير مفخخات في تظاهرة الرمادي، وبالجملة قتل نحو 13 شخصاً بينهم ثلاثة من الشرطة، وجرح العشرات. كل ذلك لم يشيروا إليها وإذا ما أشاروا فباستحياء، مع إلقاء اللوم على الحكومة ورئيسها المالكي بالذات، وعلى الأجهزة الأمنية.

والسؤال هنا: من الذي عليه أن يعتذر للشعب، الذي حذروا من اندساس المخربين، أم أولئك الذين لا يعترفون برأي الشعب الذي عبر عنه عبر صناديق الاقتراع، إذ يعلنون صراحة وبلا خجل، أن التعويل على البرلمان الحالي باطل، ويجب حله وحل الحكومة...الخ. وهم بذلك يضربون الديمقراطية عرض الحائط. إنهم يكيلون بمكيالين: يدافعون عن الديمقراطية إذا كانت نتائج الانتخابات في صالحهم، ويحاربونها إذا كانت في صالح خصومهم!

يبدو أن الأخوة، سامحهم الله، يخلطون بين الشعب والغوغاء، وهذا الخلط لا يخلو من خطورة. وهذا ما حذر منه العلامة علي الوردي إبان الغليان الشعبي في مرحلة ثورة 14 تموز بقوله: "كان حكام العهد البائد يصفون الشعب كله بأنه غوغاء، وصار البعض منا في عهد الثورة يصف الغوغاء كلهم بأنهم يمثلون الشعب. وقد ضاعت الحقيقة الوسطى بين هؤلاء وأولئك."

ما أصدق هذا القول من عالم كبير، وكأنه يعيش بيننا ويصف حالتنا اليوم. لذلك رأيت من المفيد نقل 
مقتطفات مهمة من كتاب (الأحلام بين العلم والعقيدة) للعلامة الراحل، وقد نشر لأول مرة في عهد حكومة ثورة 14 تموز بقيادة الزعيم عبدالكريم قاسم، حيث لعب الغوغاء الفوضويون دوراً كبيراً في تشويه صورتها وحتى اغتيالها. وفي تلك الأيام، وكما في أيامنا هذه بعد سقوط الفاشية البعثية، كان هناك صراعات دموية بين القوى السياسية، ومظاهرات صاخبة، شابتها عمليات عنفية يندى لها الجبين.

على أي حال، أترك القراء الكرام مع مقولات مأثورة للعلامة الراحل علي الوردي حول التمييز بين الشعب والغوغاء، لتعميم الفائدة، وخاصة أولئك الذين يتلاعبون بمشاعر الناس، ويتاجرون بمعاناتهم ويزايدون علينا في الوطنية والحرص على المصلحة العامة، ولا يميزون بين الشعب والغوغاء.
 
********************
من أقوال الدكتور علي الوردي في الغوغاء
من كتاب: (الأحلام بين العلم والعقيدة، دار كوفان، لندن، ط2، 1994).

*- هنا أود أن أصارح القارئ بقول قد لا يرتضيه مني، هو أني كنت في العهد البائد أخشى من غضب الحكام، وقد أصبحت في العهد الجديد أخشى من غضب "الغوغاء". وأرجو من القارئ أن لا يسئ فهم قولي هذا. فالغوغاء ظاهرة اجتماعية موجودة في كل مجتمع، شهدنا أثرها في العراق كما شهدناه في مختلف البلاد والمجتمعات. وكلما اشتد الجهل في بلد أزداد خطر الغوغاء فيه.
وقد أشار إلى خطر الغوغاء مفكرون لا نشك في نزعتهم الشعبية والديمقراطية. أشار إليه ماركس وانجلز في "البيان الشيوعي". وأشار إليه علي بن أبي طالب قبل مئات السنين، حيث قال عن الغوغاء أنهم همج رعاع ينعقون مع كل ناعق ويميلون مع كل ريح، وقال عنهم كذلك أنهم الذين إذا اجتمعوا ضروا وإذا تفرقوا نفعوا. (ص 319، عن محمد عبده، نهج البلاغة، ج3، ص 198).

* مما يلفت النظر أن بعض مفكرينا في عهد الثورة أخذوا يمتعضون من الإشارة إلى الغوغاء اعتقاداً منهم أن الغوغاء جزء من الشعب أو هم الشعب ذاته. وهذا خطأ من شأنه أن يؤدي في بعض الأحيان إلى عواقب اجتماعية ضارة.
الواقع أن الشعب غير الغوغاء، فإرادة الشعب تتمثل في القرارات الهادئة الرصينة التي تنبعث من مصلحة الأكثرية. أما الغوغاء فكثيراً ما تظهر أصواتهم بشكل هياج محموم لا رادع له ولا هدى فيه. لا ننكر أن الشعب والغوغاء قد يظهران في جبهة واحدة في بعض الأحيان، ولكن هذا لا يجيز لنا أن نخلط بينهما في جميع الأحيان.
سمعت بعض الفظائع التي اقترفها الغوغاء في بعض مناطق العراق، وقد رواها لي ثقاة كانوا شهود عيان فيها، فكدت لا أصدق بها لهول بشاعتها، فقد يهاجم الغوغاء رجلاً وهو على مرأى من أهله وزوجته وأولاده فيقطعونه بالخناجر ويفقؤون عينيه ويجرونه بالحبل بينما هو يستغيث بهم ويتضرع إليهم دون جدوى. وقد يحمل أحد الغوغاء بيده ساطوراً يهاجم به من يعرف أو لا يعرف، و قد يهوي بالساطور على وجه المسكين وكتفيه وصدره وكأنه يضرب وسادة من تبن.
إن أكثرية الناس من أبناء الشعب لا يستسيغون هذا ولا يتحملون سماعه. وقد لا يتحمل بعضهم رؤية فأر يعذب أمامه أو طير يذبح. وتلك لعمري طبيعة كل إنسان سوي يحمل في قلبه شيئاً من الرحمة. ومهما كان الإنسان شعبياً في نزعاته فإنه لا يستطيع أن يتطرف في نزعته الشعبية إلى هذه الدرجة العجيبة. (ص319-320).

* دناءة الغوغاء: جيء إلى الإمام علي بن أبي طالب، في يوم من أيام خلافته، برجل اقترف ذنباً. وكان الرجل محاطاً بجماعة من الغوغاء يهرِّجون حوله ويحاولون الاعتداء عليه. فصاح فيهم الإمام قائلاً: "لا مرحباً بوجوه لا تُرى إلا عند كل سوأة".(ص320).

* وحدث لي شخصياً، ذات يوم أن شاهدت جماعة من الغوغاء يجرون بالحبل جثة شخص ويمثلون بها فلم أر فيهم رجلاً يحترم نفسه. عند هذا تذكرت قول الإمام الآنف الذكر. فهؤلاء الذين يقومون بمثل هذا العمل الفظيع لا نتوقع منهم عادة أن يكونوا مواطنين صالحين. إنهم من سفلة الناس وحثالاتهم. وقد دلتْ الأبحاث الاجتماعية الحديثة أن الكثيرين منهم يندفعون في أفعالهم الغوغائية تحت تأثير دوافع دنيئة كامنة في أعماق نفوسهم. فهم لا يستطيعون أن يحققوا تلك الدوافع في الأوقات الاعتيادية، ولهذا نراهم ينتظرون الفرصة المؤاتية لهم، وقد تأتيهم الفرصة إثناء التظاهرات والانتفاضات الشعبية، فيدسون أنفسهم بين صفوف الشعب ويستغلون فترة الحماس السائد فيندفعون في القتل والمثلة وهم فرحون مستبشرون. (ص 320).

*- كان حكام العهد البائد يصفون الشعب كله بأنه غوغاء وصار البعض منا في عهد الثورة يصف الغوغاء كلهم بأنهم يمثلون الشعب. وقد ضاعت الحقيقة الوسطى بين هؤلاء وأولئك.
أطلق ماركس على الغوغاء إسم "لومب بروليتاريا" وقصد به العناصر المتفسخة المتهرئة التي تعيش على هامش الطبقة العاملة، وهو يصفهم بقوله، "هذه الحشرات الجامدة، حثالة أدنى جماعات المجتمع القديم، فقد تجرهم ثورة البروليتاريا إلى الحركة. ولكن ظروف معيشتهم وأوضاع حياتهم تجعلهم أكثر استعداداً لبيع أنفسهم للرجعية". (ماركس وإنجلس، البيان الشيوعي، ص 28). إن هذا قول صحيح جداً. فالغوغاء الذين نشهدهم متحمسين اليوم للثورة قد ينقلبون غداً إلى أعداء ألداء لها إذا قدر للثورة أن تنتكس لا سامح الله. (ص 321).

*- ففي الثورة الفرنسية شهدنا المقاصل تنصب ويساق إليها العدد الغفير من الأبرياء والمدنيين زرافات ووحداناً، وكانت الجماهير تجلس حول المقاصل تضحك على ضحاياها وتتفرج على الطريقة التي يذبحون بها كأنها كانت تتفرج على مسرحية جميلة. (ص 324).

*- سمعت أحد شبابنا يقول مفاخراً: "إن الشعب العراقي امتاز على الشعوب الأخرى بابتكاره لطريقة السحل". ولست أدري مبلغ هذا القول من الصحة، ولكني أتمنى من صميم قلبي أن لا يكون صحيحاً. فالأمم اليوم تبتكر الوسائل للصعود إلى القمر والمريخ، بينما نحن نفتخر بابتكارنا وسائل المثلة والتعذيب. (ص 325).

*- يقولون أن وراء مجازر كركوك يداً أجنبية. وهذا قول صحيح تدعمه قرائن لا يستهان بها. ونحن إذ نعترف بصحة هذا القول يجب أن نعترف كذلك بأن اليد الأجنبية لا تؤثر في مجتمع ما لم تجد فيه مجالاً لتأثيرها. فهي تلقي الشرارة الخبيثة على الناس، وما لم يكن في الناس مجال لاندلاع النار انطفأت الشرارة حال انطلاقها. (ص 326).

*- إذا كان لكل فرد من الناس شخصية خاصة به يتميَّز بها عن غيره، فإن لكل شعب من شعوب العالم كذلك طبيعته الخاصة أو طابعه الذي يختلف به عن بقية الشعوب. ومثلما يكون الشعب، أي شعب، طيباً في بعض صفاته قد يكون رديئاً في صفاته الأخرى. فليس في الدنيا شعب كامل كما ليس فيها بشر معصوم.
قد لا يستسيغ هذا القول بعض شبابنا المتحمسين. فقد تكونت لديهم في هذه الأيام "حساسية" شديدة نحو الشعوب. وهم يريدون منا، حين نذكر الشعب العراقي بصفة خاصة، أن نمجده تمجيداً تاماً ونعزو له فضائل البشر كلها. (ص 327).

*- نرجو من شبابنا أن يدرسوا طبيعة شعبهم قبل أن يتحمسوا في سبيله، فربما كان الحماس الشديد ضاراً بهذا الشعب أكثر مما هو ضار بأي شعب آخر.
عاش الشعب العراقي زمناً طويلاً تحت وطأة ظروف اقتصادية وسياسية جائرة، وتحمل سياط الجلاوزة فيها بصبر عجيب. ومما يجدر ذكره أن الشعب العراقي لم يتحمل الظلم خلال أربعين عاماً فقط، كما يحلو لبعض كتابنا أن يقولوا. الواقع أنه تحمل الظلم على مدى مئات السنين، ولم يكن العهد العثماني، أو العهد المغولي والتتري، خيراً من العهد الملكي البائد على أي حال. معنى هذا أن الشعب العراقي قد اعتاد خلال هاتيك العهود البغيضة على أخلاق ليس من السهل عليه التخلص منها فور قيام الثورة فيه.
والشعب العراقي من الناحية الثانية قد اعتاد على أخلاق أخرى جاءته من الصحراء. وهذه أخلاق، كما لا يخفى، تختلف من حيث أسبابها ونتائجها الاجتماعية عن تلك التي نشأت تحت سياط الجلاوزة.
لعلني لا أغالي إذا استنتجت من ذلك أن الفرد العراقي بوجه عام أصبح ذا شخصيتين مختلفتين. فهو في إحدى شخصيتيه بدوي شديد الإباء سريع الغضب، وهو في شخصيته الثانية حضري خانع يكثر من الشكوى والعتب على الزمان. وهو يتخذ أية واحدة من هاتين الشخصيتين تبعاً للظروف المحيطة به. (ص 328).

*- اعتراض وجيه:
رب قائل يقول لي: إن هذا المنهج الذي تتبعه في التحري عن عيوب شعبنا قد يضر بنا في هذه المرحلة الاجتماعية التي نمر بها، فالشعب الذي يركز نظره على عيوبه قد يصبح ضعيف الثقة بنفسه، وفي ذلك توهين لقوة الشعب تجاه أعدائه الواقفين له بالمرصاد.
إن هذا القول صحيح، وهو الذي جعلني أحجم عن التأليف والكتابة في عهد جمهوريتنا الزاهر. ولكني مع ذلك أستطيع أن أقول بأن التطرف في إتباع هذا القول قد لا يخلو من ضرر بالشعب كذلك. فإذا كان البحث في العيوب الشعبية يضعف ثقة الشعب بنفسه فقد يكون التكتم عن تلك العيوب والتستر عليها مضعفاً للشعب من جهة أخرى، إذ هو يؤدي به إلى الطيش والحماس الزائد.
إن الشعب الذي لا يعرف نقائصه ولا يدرك مكامن الضعف في نفسه لا يسهل عليه أن يكون قوياً إزاء أعدائه. والعدو الكامن في داخل النفس ربما كان أشد خطراً من العدو المتربص لها في الخارج.
إننا إذا ألقينا في روع الشعب بأنه شعب كامل، ثم صدق الشعب بما نقول له، كان ذلك من أسباب الغرور فيه، ولعله سيندفع بغروره بما ينفع الأعداء ويفتح لهم في صفوفه ثغرة ينفذون منها إلى الاعتداء عليه مرة أخرى.
لقد ذهب زمان الغرور الشعبي كما ذهب زمان الغرور القومي قبله. ويؤسفنا أن نرى الناس بالأمس يتهموننا بـ"الشعوبية" لأننا كنا لا نجاريهم في غرورهم القومي، واحسبهم اليوم يتهموننا بـ"الرجعية" لأننا لا نجاريهم في غرورهم الشعبي. (ص 329-330).

خطأ شائع:
يزعم بعض المفكرين منا أن لا حاجة لنا بالبحث عن عيوب شعبنا إذ هي في نظرهم عيوب نشأت عن ظروف اقتصادية بائدة، وحين تتبدل تلك الظروف تنقشع معها عيوب الشعوب حالاً، فلا مشكلة تبقى إذَنْ، ولا هم يحزنون!
إن هذا الرأي كان لها أتباع كثيرون في السنوات الماضية يتعصبون له ويدافعون عنه بحماس شديد. ولكن هؤلاء الأتباع أخذوا يقلون تدريجياً في الآونة الأخيرة بعدما أظهرت الأبحاث الاجتماعية الحديثة خطأ رأيهم.
هناك رواسب فكرية واجتماعية ترسبت في أعماق نفوسنا على مدى أجيال عديدة، وليس من الممكن زوالها حالاً بمجرد تغيير نظامنا الاقتصادي والسياسي. إنها ليست طفحاً طارئاً نشأ في يوم واحد حتى يمكن إزالته في اليوم التالي. أرجح الظن أنها ستبقى فعالة تؤثر في سلوكنا مدة طويلة، ولعلها ستصبح ركيزة لكل من يبتغي الكيد بنظامنا الجديد مرة بعد مرة.
نحن نحتاج إلى ثورة فكرية واجتماعية مثلما نحتاج إلى ثورة سياسية واقتصادية. ونحن لا ننتظر من ثورتنا أن تواصل السير في طريقها المنشود ما لم نرشد الشعب في عقولهم الباطنة من رواسب قديمة تنخر في كيانهم الاجتماعي وتعرقل عليهم سبيل الحياة. (ص 330-331) 
-انتهى-
ــــــــــــــــــــــــــــــ
تصحيح: استشهدت في مقالي السابق الموسوم (نقد أم تصفية حسابات سياسية؟) بالبيت التالي:
إذا قالت حذام فصدقوها *** فإن القول ما قالت حذام
هذا البيت ليس للجواهري كما ذكرتُ في المقال، وإنما للشاعر الجاهلي، لجيم بن مصعب، وحذام امرأته. فمعذرة للقراء الكرام، وشكراً للأصدقاء الأعزاء: الشاعر المبدع الدكتور هاتف الجنابي، والأستاذ ليث رؤوف حسن، والكاتب المتميز الأستاذ عباس العزاوي على تنبهي على هذا الخطأ.

 

  

د . عبد الخالق حسين
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2011/04/06



كتابة تعليق لموضوع : الشعب والغوغاء من منظور الوردي
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play

البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق حيدر الحدراوي ، على تأملات في القران الكريم ح442 سورة  التكوير الشريفة  - للكاتب حيدر الحد راوي : الاخ محمد دويدي شكري لجنابكم الكريم .. وشكرنا للقائمين على هذا الموقع الأغر

 
علّق محمد مصطفى كيال ، على هل يسوع مخلوق فضائي . مع القس إدوارد القبطي. - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : كلما تدارسنا الحقيقه وتتبعناها ندرك اكثر مما ندرك حجم الحقيقه كم هو حجم الكذب رهيب هناك سر غريب في ان الكذب منحى لاناس امنوا بخير هذا الكذب وكثيرا ما كان بالنسبة لهم عباده.. امنوا انهم يقومون بانتصار للحق.. والحق لاعند هؤلاء هو ما لديهم؛ وهذا مطلق؛ وكل ما يرسخ ذلك فهو خير. هذا بالضبط ما يجعل ابليسا مستميتا في نشر طريقه وانتصاره للحق الذي امن به.. الحق الذي هو انا وما لدي. الذي سرق وزور وشوه .. قام بذلك على ايمان راسخ ويقين بانتصاره للدين الصحيح.. ابليس لن يتوقف يوما وقفة مع نفسه ويتساءل: لحظه.. هل يمكن ان اكون مخطئا؟! عندما تصنع الروايه.. يستميت اتباعها بالدفاع عنها وترسيخها بشتى الوسائل.. بل بكل الوسائل يبنى على الروايه روايات وروايات.. في النهايه نحن لا نحارب الا الروايه الاخيره التي وصلتنا.. عندما ننتصر عليها سنجد الروايه الكاذبه التي خلفها.. اما ان نستسلم.. واما ان نعتبر ونزيد من حجم رؤيتنا الكليه بان هذا الكذب متاصل كسنه من سنن الكون .. نجسده كعدو.. ونسير رغما عنه في الطريق.. لنجده دائما موجود يسير طوال الطريق.. وعندما نتخذ بارادتنا طريق الحق ونسيرها ؛ دائما سنجده يسير الى جانبنا.. على على الهامش.

 
علّق علي الاورفلي ، على لتنحني كل القامات .. ليوم انتصاركم - للكاتب محمد علي مزهر شعبان : الفضل لله اولا ولفتوى المرجعية وللحشد والقوات الامنية ... ولا فضل لاحد اخر كما قالت المرجعية والخزي والعار لمن ادخل داعش من سياسي الصدفة وعلى راسهم من جرمهم تقرير سقوط الموصل ونطالب بمحاكمتهم ... سيبقى حقدهم من خلال بعض الاقلام التي جعلت ذاكرتها مثل ذاكرة الذبابة .. هم الذباب الالكتروني يكتبون للمديح فقط وينسون فضل هؤلاء .

 
علّق منتظر البناي ، على كربلاء:دروس علمية الى الرواديد في كتاب جديد ينتقد فيها اللطميات الغنائية - للكاتب محسن الحلو : احب هذا الكتاب

 
علّق محمد دويدي ، على قراءة في قصّة "الأسد الّذي فارق الحياة مبتسمًا"، للكاتب المربّي سهيل عيساوي - للكاتب سهيل عيساوي : جميل جدا

 
علّق محمد دويدي ، على تأملات في القران الكريم ح442 سورة  التكوير الشريفة  - للكاتب حيدر الحد راوي : شكرا على هذه القراءة المتميزة، جعلها الله في ميزان حسناتك وميزان حسان رواد هذا الموقع الرائع

 
علّق محمد دويدي ، على قراءة في ديوان الخليعي ..... تحقيق د. سعد الحداد - للكاتب مجاهد منعثر منشد : من أفضل ما وصلنا عن الشاعر، قراءة رائعة ودراسة راقية سلمت يداك توقيع مجمد دويدي

 
علّق مصطفى الهادي ، على لماذا آدم (مختون) وابليس غير مختون؟ دراسة في فلسفة الختان في الأديان. - للكاتب مصطفى الهادي : تعقيب على المقال. بعض الاخوة قال : كيف يُختتن ابليس ؟ كيف يتناسل ابليس وتتكاثر ذريته. يضاف إلى ذلك أن ابليس كائن لا تراه انت لوجود بُعد أو حيّز آخر يعيش فيه والكن الفرق انه يستطيع ان يراك ويتصرف بك من دون ان تراه . (إنه يراكم هو وقبليه من حيث لا تشعرون). (وشاركهم في الاموال والاولاد) . فقال المفسرون أن ابليس قد يُشارك الرجل امرأته في الفراش وهذا حديث متواتر عند السنة والشيعة . ونحن نعلم أن الوهج الحراري غير مادي إنما هو نتاج المادة (النار) صحيح انك لا ترى الوهج ولكنه يترك اثرا فيك وقد يحرقك. وقد ظهر الشيطان في زمن النبي (ص) في عدة اشكال بشرية منها بصورة سراقة بن مالك. وورد في الروايات أيضا ان له احليل وان زوجته اسمها طرطبة وأولاده خنزب وداسم وزلنبور وثبّر والأعور . وهم رؤساء قبائل. وقد ورد في الروايات ايضا ان الملائكة عند خلقهم كانوا مختونين، ولذلك قيل لمن يخرج من بطن امه بأنه ختين الملائكة. لا اريد ان اثبت شيئا بالقوة بل لابد ان هذه الروايات تُشير إلى شيء . وقد استمع الجن إلى القرآن وذهبوا إلى قبائلهم فآمنوا. لابد التأمل بذلك. واما في الإنجيل فقد ظهر الشيطان لعيسى عليه السلام واخذ بيده وعرض عليه اشياء رفضها ابن مريم وبقى يدور معه في الصحراء اربعين يوما. وفي سورة الكهف ذكر الله أن للشيطان ذرية فقال : (أفتتخذونه وذريتهُ أولياء من دوني).وقد ورد في تفسير العياشي ج1 ص 276 ان الله قال للشيطان : ( لا يولد لآدم ولد الا ولد لك ولدان(. وقد وصف السيد المسيح اليهود بأنهم أبناء إبليس كما في إنجيل يوحنا 8: 44 ( أنتم من أب هو إبليس، وشهوات أبيكم تريدون). قال المفسر المسيحي : (انهم ذريه ابليس وهم بشر قيل عنهم انتم من اب هو ابليس). لأن الكتاب المقدس يقول : بأن أبناء الله الملائكة او الشياطين تزوجوا من بنات البشر وانجبوا ذرية هم اليهود ابناء الله وكذلك الجبارين. وهذا مذكور كما نقرأ في سفر التكوين 6: 4 ( دخل بنو الله الملائكة على بنات الناس وولدن لهم أولادا(. ومن هنا ذكرت التوراة بأن الشيطان يستطيع ان يتصور بأي صورة كما نقرأ في رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس 11: 14 (ولا عجب لأن الشيطان نفسه يغير شكله). وقد ورد في الروايات الاسلامية وتظافرت عليه ان نبينا ولد مختونا وأن جبريل عليه السلام ختنه فعن أنس بن مالك قال‏:‏ قال رسول الله‏:‏ (من كرامتي على ربي عز وجل أني ولدتُ مختونا ، ولم ير أحدٌ سوأتي). ‏الحديث في الطبراني وأبو نعيم وابن عساكر من طرق مختلفة‏.‏ وفي رواية أخرى عن الحاكم في المستدرك‏ قال :‏ إنه تواترت الأخبار بأنه -صلى الله عليه وآله وسلم- ولد مختونًا‏، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: (ولد النبي صلى الله عليه وسلم مختونا مسرورا، فأعجب ذلك عبد المطلب وحشيَ عندهُ ، وقال : ليكونن لإبني هذا شأن ).وقدأحصى المؤرخون عدد من ولد مختونا من الأنبياء فكانوا ستة عشر نبيا وصفهم الشاعر بقوله : وفي الرسل مختون لعمرك خلقة ** ثمان وتسع طيبون أكارم وهم زكريا شيث إدريس يوسف ** وحنظلة عيسى وموسى وآدم ونوح شعيب سام لوط وصالح ** سليمان يحيى هود يس خاتم

 
علّق محمد مؤنس ، على مطالب وطن...ومرجعية المواطن - للكاتب احمد البديري : دائما تحليلك للمواضيع منطقي استاذ احمد

 
علّق حكمت العميدي ، على تظاهراتنا مستمرة.. إرادة الشعب ومنهجية المرجعية الدينية - للكاتب عادل الموسوي : المقال رائع وللعقول الراقية حفظ الله مرجعيتنا الرشيدة وابقاها لنا ناصحة ونحن لها مطيعون

 
علّق سجاد فؤاد غانم ، على العمل: اكثر من 25 ألف قدموا على استمارة المعين المتفرغ - للكاتب وزارة العمل والشؤون الاجتماعية : اني قدمت الحد الان ماكؤ شي صار شهر..ليش اهم.امس.الحاجه.الي.الراتب...

 
علّق عمار العامري ، على رؤيا السيستاني في.. ولاية الامة على نفسها - للكاتب عمار العامري : الاخ محمد حيدر .. بعد التحية ارجو مراجعة كتاب حامد الخفاف النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني ص 229-230

 
علّق محمد حيدر ، على رؤيا السيستاني في.. ولاية الامة على نفسها - للكاتب عمار العامري : السلام عليكم الاخ الكاتب اين قال السيد السيستاني " واما تشكيل حكومة دينية على اساس ولاية الفقيه المطلقة فليس وارداً مطلقاً " اذا امكن الرابط على موقع السيد او بيان من بياناته

 
علّق نصير الدين الطوسي ، على رؤيا السيستاني في.. ولاية الامة على نفسها - للكاتب عمار العامري : نظرية ولاية الأمة على نفسها كانت للمرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين اما سماحة لسيد السيستاني فقد تبنى نظرية ارادة الأمة

 
علّق عباس حسين ، على انجازات متصاعدة لمستشفى دار التمريض الخاص في مدينة الطب في مجال اجراء العمليات الجراحية وتقديم الخدمات الطبية للمرضى خلال تشرين الاول - للكاتب اعلام دائرة مدينة الطب : السلام عليكم ممكن عنوان الدكتور يوسف الحلاق في بغداد مع جزيل الشكر.

الكتّاب :

صفحة الكاتب : سعد عبد محمد
صفحة الكاتب :
  سعد عبد محمد


للإطلاع على كافة الكتّاب إضغط هنا

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

كتابات متنوعة :



 دولة بلا تاريخ  : علاء النمر

 القائد العام للقوات المسلحة الدكتور حيدر العبادي يهنئ الشعب العراقي بتحرير عكاشات وسحق الدواعش بعملية بطولية خاطفة  : اعلام رئيس الوزراء العراقي

 السؤال الخالد.. لماذا تخلّفنا؟  : عدنان ابو زيد

 الى صحيفة كربلاء اليوم بعد هذا العمر الجميل  : حاتم عباس بصيلة

 بالوثيقة..البيان الختامي المشترك للقمة الثلاثية بين العراق ومصر والأردن

 العثور على 181 عبوة ناسف في الفلوجة  : وزارة الدفاع العراقية

 الإمام الكاظم (عليه السلام) وآثاره في تفسير القرآن الكريم  -1  : د . الشيخ عماد الكاظمي

 سجالات شعرية : أنت البهاءُ ، وقامةَ الشّعرِ النّدي  : كريم مرزة الاسدي

 (نص مفتوح) المنامة السبعون كتاب ضايج  : د . محمد تقي جون

 النائب خالد الأسدي  : لا نريد أن نقع في خيار إما السعودية وإما إيران أو إما أمريكا وإما إيران  : اعلام النائب خالد الاسدي

 تذمر عدد كبير من مواطني محافظة كربلاء المقدسة جراء قرار حصر ساعات تشغيل المولدات الأهلية  : علي فضيله الشمري

 العمل تطلق راتب المعين المتفرغ لمحافظة ذي قار  : وزارة العمل والشؤون الاجتماعية

 مفوضية الانتخابات تتسلم قوائم المرشحين لانتخابات مجالس المحافظات المقبلة  : المفوضية العليا المستقلة للانتخابات

 الأردن.. غضب على مواقع التواصل بعد حظر الحكومة لعبة "ببجي"

 الحكيم ومبادرة التقريب بين الفرقاء السياسيين  : محمد حسن الساعدي

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على [email protected]

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net