صفحة الكاتب : سعد العاملي

حركة المحرومين - أمل (الولادة - النشأة - الأبعاد) في لبنان - الحلقة الثالثة
سعد العاملي

المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.
 
https://fbcdn-sphotos-b-a.akamaihd.net/hphotos-ak-ash3/s720x720/576576_364730540244047_337687141_n.jpg
القسم الثالث :العوامل التاريخية والعقائدية عند الشيعة:
 
أولاً - التشيع رؤية وسلوك:
 
ان التشيع في تصور الكثير من الناس هو مذهب فقهي يقابل المذاهب الفقهية الاسلامية، او مذهب كلامي رديف لمذهب المعتزلة والاشاعرة، او هو موقف سياسي ناتج عن الاراء العائدة الى الخلافة الاسلامية بعد رسول الله (ص).
 
والحقيقة ان التشيع هو رؤية وسلوك إسلاميين بيّنهما الائمة من آل البيت واتباعهم، يتجاوز في أبعاده الإجتهادات الفقهية أو الآراء الكلامية والمواقف السياسية، وإن كانت هذه الأبعاد من نتائج تلك الرؤية والسلوك.
 
وأول من لفظ كلمة التشيع واستعملها هو الرسول الاكرم حيث قال: \" يا علي ستدخل أنت وشيعتك على الله راضيين مرضين \". وكان شيعة علي في عصر الرسول كبار أصحاب الرسول من بينهم فاطمة بنت الرسول وسلمان وأبو ذر والمقداد وعمار وغيرهم.
 
وبإمكاننا أن نخص الرؤية هذه بالرؤية الملتزمة المتطورة التي اصبحت في ما بعد مبدأ الاجتهاد في الدور الديني. كما يمكن تفسير السلوك المشار إليه بأنه التفاني في سبيل خدمة الأمة وتحمل الشقاء وبذل التضحيات دون الجنوح نحو الفئوية والاستئثار.
 
وبذلك نتمكن ان نعتبر التشيع لعلي في ينابيعه هو رؤية الطليعة المناضلة وسلوك الرواد، وبتعبير آخر انه محاولة الاحتفاظ بالاسلام بوصفه حركة لا مؤسسة ذات مصالح ومنافع ذاتية.
 
وقد برز بعد وفاة الرسول موقف محدد من علي وشيعته وهو أنهم أصروا على ضرورة تعيين خليفة الرسول بالنص الديني لا بالاختيار والتعيين، واعتبروا أن هذه المهمة؛ وهي بناء المجتمع الجديد على ضوء القيم والمفاهيم الاسلامية والذي بدأ ببنائه الرسول نفسه، إن هذه المهمة تبلغ من الدقة درجة لا يمكن تفويضها إلى الناس وهم في بداية إسلامهم. ذلك لأن تطبيق المبادىء للمرة الاولى بصورة يسمو على المصالح الذاتية وعلى الآراء المختلفة، هو مسألة بالغة الخطورة والتأثير على واقع الاسلام وعلى التاريخ.
 
سيما وأن الرسول قد أعلن عند عودته من حجة الوداع وفي مكان الجحفة، مفترق طرق الحجاج، وفي اليوم الثامن عشرمن ذي الحجة، أعلن عن ولاية علي بعد أن بلغ الامة بقرب وفاته وبعد ان اشهدهم على ولايته التي وردت في القرآن في الآية: \" النبي أولى بالمؤمنين من انفسهم \". [ الأحزاب /6 ].
 
وبالرغم من هذا الموقف الأساسي فإن عليا وشيعته بعد الإعلان عن موقفهم لاحظوا خطورة الوضع وحداثة عهد الناس بالاسلام وإمكانية إنفجار المجتمع الجديد فوقفوا مع الخلفاء مؤيدين، ناصحين، مدافعين عن النظام، وأمدوا الأمة بما كان عندهم من روايات نبوية، واجتهادات ومواقف، وكانوا في صميم المجتمع الاسلامي غير منفصلين ولا متربصين ولا شامتين، حتى أصبح القول المأثور عن أحد الخلفاء الراشدين \" لاأبقاني الله لمعضلة وليس أبو الحسن \" أصبح مثلا.
 
وإستمر الائمة من آل البيت في هذا الخط يصونون الاسلام بمواقفهم التي كانت تتنوع حسب مواقف الخلفاء وحسب استجابة الأمة. فالحسن بن علي الذي صالح معاوية، وعلي بن الحسين، الملقب بالسجاد وهو الامام الرابع من ائمة الشيعة، لم يستمرا في الثورة المسلحة بل كانا يعلنان عن الأحكام الإسلامية وعن الإنحرافات الرسمية بأساليب هادفة، تربوية، ودعائية وغيرها، وكانا يحافظان على الإسلام ويحميانه.
 
أما الحسين بن علي فقد خرج ثائرا لكي يدين الانحرافات الخطيرة التي كان يمارسها يزيد بن معاوية، والتي كانت تهدد الكيان وتشوه حقائق الاسلام.
 
وكانت الظروف ملائمة للتوعية والتعليم وتربية المجتهدين وتطوير الفكر الاسلامي في أواخر القرن الأول الهجري إلى أواسط القرن الثاني مجالا رحبا للصادقين، الإمام محمد الباقر والإمام جعفر الصادق، حيث كان الخلفاء الأمويون ملتهين بمشاكلهم الداخلية وبصراعهم مع العباسيين، وحيث التقى المجتمع الاسلامي بالمجتمعات الأخرى فوجد نفسه أمام آلاف من الأسئلة والمواضيع الجديدة، وكان بحاجة ملحة إلى قيادة فكرية أصيلة متطورة.
 
والتعاليم التي حفظت عن الإمامين والتي جعلت الصفة التابعة للشيعة بالجعفريين ليست مختصة بالفقه بل إنها تشمل طريقة فهم القرآن والأصالة والإيديولوجية في المسائل الأصولية أمام التيارات الفكرية التي تأثرت بالفكر الإغريقي أو غيره، كما أنها تحتوي على التوجيه العلمي في مختلف الحقول، وعلى الإنفتاح تجاه الثقافات مع حفظ الأصالة. وقضى موسى بن جعفر حياته بين نفي وسجن واضطهاد ولكنه بقي ينصح ويطرح الصورة الصحيحة للاسلام تماما\" مثل إبنيه الرضا والجواد اللذين عاشا مضطهدين بالقرب من الخلفاء، ومثل حفيديه الهادي والعسكري اللذين بقيا سنين مسجونين في ثكنة العسكر.
 
ثانياً ـالشيعة طليعة الأمة لا فئوية ولا مذهبية:
 
وفي جميع الروايات الواردة عن الباقر والصادق وعن غيرهما من الائمة الاثني عشر تشكل كلماتهم وسرهم مصدرا واسعا من مصادر التشيع يظهر الإلتزام الإسلامي العام وأن ما يقولونه مروي عن الرسول، ولا يشعر الباحث عنها إطلاقا، برائحة الفئوية المذهبية والإنفصال عن الأمة، بل أنهم كثيرا ما كانوا ينتقدون موقف بعض القادة من خلفاء وعلماء بسبب التفرد وعدم الإنسجام مع ما ورد في الكتاب والسنة.
 
أما علماء الشيعة المجتهدون والإختصاصيون في مختلف العلوم الإسلامية فإنهم كانوا يبذلون قصارى جهدهم لكي ينقلوا بأمانة ما ورد في تفسير القرآن والسنة، وما نقل اليهم من تعاليم الائمة الاثني ويرفضون الإجتهاد في مقابل النص، بل يجتهدون ضمن الاطار العام للاحكام والمبادىء الاسلامية.
 
وقد رفض السيد \" الرضي \" قدس الله سره، ـ الرضي والمرتضى أخوان من كبار العلماء ـ أحد كبار علماء الشيعة في أواسط القرن الرابع، رفض اعتماد ركن خاص بالمذهب في الكعبة أو في المسجد الحرام عندما تقرر تحديد أماكن خاصة للمذاهب الأربعة الأخرى هناك. رفض السيد ذلك رغم مكانته الكبيرة وقربه من الحاكم. فالحاكم كان يريد تصنيف المذاهب الإسلامية. نحن الآن لا نشاهد ذلك ولكن سابقا كان هناك محراب يسمى المحراب المالكي، المحراب الشافعي، المحراب الحنفي، والمحراب الحنبلي، وكان أئمة المذاهب يصلون هناك. إذا\"، طلب من \" الرضي \" ان يقام محراب باسم المحراب الجعفري فرفض.
 
الآن، أنا أسمع كثيرا من الخطباء الشيعة يقولون أن السبب يعود إلى عدم توفر المبلغ المطلوب، اذ دفع السيد الرضي النصف وطلب النصف الآخر من أغنياء الشيعة فخذلوه، ولو كانوا قد دفعوا لكان المذهب الشيعي الآن مذهبا رسميا. هذا الإدعاء في رأينا غير وارد، فالسيد الرضي لا يوضع في نفس المكان مع الآخرين الذين يكرسون المذهبية الفعلية. الاسلام واحد ونحن روايتنا إسلام، فكتب الحديث المعتمدة عند الشيعة مليئة بالنقل عن صحابة النبي وعن كبار رواة المذاهب الأخرى مشروطا بالوثوق والدقة في النقل.
 
هذا هو الخط الأساس عند الشيعة خلال التاريخ الطويل ورغم ما عانوه من مصاعب قل أن عاناها غيرهم في العالم.
 
إذا\"، مهما فعلوا بنا كشيعة نحن في خدمة المسلمين جميعا، لسنا فئويين، فنحن طليعة المسلمين، نموت لأجل الجميع وليس لأجلنا نحن ـ هذا هو السلوك التاريخي الشيعي. هكذا انا افهم التشيع. اما مذهب لهذا او فئة لهذا لها مصالح وتنظيمات خاصة فليس هناك شيء من هذا. هذا التاريخ، هذا الملهم لنا في حركة المحرومين.
من الطبيعي أن يكون هناك مواقف وآراء تختلف عن هذا الخط العام سيما بعد القرن العاشر الهجري ـ عصر الانحطاط. كثير من الكتب والخطب والمواقف والعادات عند الشيعة كان في مقام رد فعل والرد العاطفي على الاضطهاد العنيف الذي كان يمارس ضدهم.
اليوم يؤخذ علينا كشيعة أن لماذا نسب الخلفاء، نسب أصحاب الرسول.
نقول لهم أن السب ليس جزءا من مذهبنا، إنه مرفوض: الامام علي (ع) سمع جماعة من جيشه يسبون \" معاوية \" فقال لهم: لا أحبكم قوما سبابين.
 
السب مرفوض. المذهب الشيعي يرفض سب الخلفاء والاصحاب ولعنهم. ولكن تفسير ما حصل هو ان هذا كان ردا لان معاوية فرض على جميع خطباء الجمعة في العالم ان يلعنوا علي بن ابي طالب على المنابر يوم الجمعة، والصيغة معروفة فكانوا يقولون: اللهم إن أبا تراب قد ألحد في دينك فالعنه لعنا وبيلا.
عمر بن عبد العزيز حذف الفقرة ووضع مكانها: ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر. وهذا حتى الان موجود.
 
إذا\"، تفسير ان اجدادنا كانوا يسبون يعود الى أن الشيعة تعرضوا للضغط، الدفاع كان بحاجة الى بارود والسب كان بمثابة البارود، هذه كانت \" شوكة \" الشيعة في التاريخ وليس جزءا من المذهب. وعند اللحظة التي تتفهم الامة هذا الواقع فبإمكان علماء الدين أن يحرموها إذ ليست جزءا من الدين أبدا.
والسؤال لماذا هذه الضغوط على الشيعة؟
 
السبب الأساسي لهذه الضغوط الرسمية على الشيعة في التاريخ، هو ان الشيعة كانوا اقلية خطرة، اقلية عقائدية تعتمد على رؤية إيديولوجية لا تقر بالولاء للخلافة وكان الشيعة يعتبرون أن التعاون مع الحاكم ذل وظلمة ولذلك نجد تعاليم الأئمة وفتاوى الفقهاء مليئة بالإعلان عن مواقف صريحة تجاه الحكم المنحرف والظالم وإن الواجب التصدي له بصورة لا تعرض الأمة للخطر. وهذا كان يشكل خطراً على الأنظمة، ولذلك قتلوهم، سبوهم، نفوهم، حبسوهم، أفقروهم، وشوهوا طريقهم وتاريخهم. وحتى اليوم، في القرن العشرين، وأينما توجهت في العالم العربي يبادرون الشيعة بالقول: انتم تسبون الخلفاء، انتم تؤلهون آل البيت... طبعا، هذا تشويه عقائدي في التاريخ، ونريد أن نوضح هذا الأساس.
 
ثالثاً ـمواصفات التشيع:
 
إذا\"، التشيع رؤية إسلامية صافية، وسلوك اسلامي صاف يجعلان من الشيعة طليعة الأمة. وإذا كان المطلوب أن يسمى التشيع مذهبا، فإن المطلوب أيضا\" أن نعطي كلمة \" المذهب \" حجمه الحقيقي
ماذا يعني مذهب؟ يعني \" طريق \".
 
\" مذهب \" مفعل من ذهب، ويذهب. مذهب اسم مكان، مكان الذهاب. إذا\"، التشيع مذهب للطريق ـ طريق الاسلام. الاساس والدين هو الاسلام، وعند ذلك فإننا نقدر أن نذكر المواصفات العامة له في النقاط التالية:
 
1 ـالولاية:
 
لقد ذكرنا أن الرسول كان له دور الرسالة: إبلاغ أحكام الله، ودور الولاية: تنفيذ أحكام الله. هذا الدور أنيط بـ \" علي \" الذي كان يضطلع به وكان يسعى لاقامة حكم صالح هذا مفهوم الولاية في الفترة الأولى من تاريخ الأمة. أما الآن فإن مفهومها هو السعي لإقامة حكم صالح من أجل بناء مجتمع صالح، حكم يكون في الخط الذي سار عليه علي. ونذكر في هذه المحاضرة نماذج من كلمات الإمام: \" ألا وإن إمامكم قد ارتضى من دنياكم بطمريه ومن طعامه بقرصيه \" وأمثال ذلك. فالمطلوب التوجه نحو سلوكه الذي حدد مفهومه للحاكم ومسؤوليته بقوله: أأقنع من نفسي أن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش؟
إذا\"، الميزة الاولى: الولاية.
 
2 ـالنزاهة التامة في القائد الامام:
 
عند الشيعة، الامام الذي هو مصدر الشريعة، معصوم. والقاضي والمجتهد وإمام الجماعة والبلد والشاهد يجب أن يكونوا عدولا. أما الحاكم فيجب أن يكون في درجة عالية من العدالة. والناس جميعا مدعوون لأن يبلغوا درجة التقوى.
 
3 ـمسؤولية القائد لا حدود لها:
 
هذه المسؤولية تبدأ برعاية مصالح الناس بدقة متناهية حتى أنه اذا كان في مركز السلطة يجب عليه أن يعيش في مستوى أقل من أفراد شعبه كما يقول علي: \" أأبيت مبطانا وحولي بطون غرثى واكباد حرى ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له بالقرص ولا عهد له بالشبع \". وقد سبق ما يؤكد هذا الامر.
المسؤولية تبدأ بالرعاية عندما يكون القائد في مركز السلطة، وإلا فعليه صيانة مصالح الناس بالتضحية والاصرار وبمختلف وسائل الضغط حتى يبلغ درجة التضحية والاستشهاد. والمبدأ الثابت ينفي إسلام من لم يهتم بشؤون الأمة الحياتية فالرسول يقول: \" من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم \".
هذه المسؤولية لا تختص بمن يسمى قائدا ولخدمة الآخرين بل ان الانسان مسؤول بمقدار وعيه وحسب امكاناته: \" كلكم راع وكلكم مسؤول \".
ان مسؤولية الواعي من الشعب او حسب المصطلح، مسؤولية المثقفين، مسؤولية الكوادر تصحيح أوضاع الناس.
 
4 ـ مصادر اكتشاف الاسلام وأحكامه:
 
مصادر التشريع هي: القرآن، وسنة النبي التي هي قوله وسلوكه وإقراره، والإجماع والعقل.
هذه المبادىء الأربعة مشتركة في أساسها بين المسلمين عامة. فما هي الفروق؟
يمتاز التشيع باعتماد أحاديث الأئمة المعصومين من آل البيت، مقابل اعتماد الصحابة على أحاديث وأقوال لأصحاب الرسول جميعا.
إذا\"، كيف نفهم أن هذا حلال وهذا حرام، هذا واجب، هذا صحيح، هذا باطل..؟ مصادر التشريع التي هي القرآن والسنة والعقل والاجماع هي متفق عليها بين كل المسلمين. في حين أن الشيعة: بالإضافة إلى ذلك، يقولون: أقوال الأئمة، وإن السنة يقولون: أقوال الصحابة
ورغم تداخل هذا المصدر لأن قسما كبيرا من الصحابة نحن نعمل بقولهم وهم يعملون بقسم من اقوال الائمة، فإن وجود الائمة في الأجيال المتعاقبة. ـ اثني عشر جيلا ـ ساهم مساهمة كبرى في إغناء المصادر وتقديم التجارب في الفترات الثقافية والعقائدية الصعبة الدقيقة.
كما ذكرنا، المجتمع الاسلامي بدأ يتوسع: الحضارات العالمية والثقافات العالمية من اليونان والاسكندرية والعراق، وايران،.. دخلت المجتمع الاسلامي وهنا حصل التفاعل وكان لا بد من قيادة ثقافية. وقد نتج عن هذا الامر بقاء باب الاجتهاد مفتوحا لدى الشيعة. بينما بقاؤه كذلك لدى المسلمين الاخرين، بدليل قلة المصادر، كان يشكل خطرا كبيرا. فالصحابة عاشوا جيلين فقط، وغابوا عند الحاجة القصوى، اي عندما التقى المجتمع الاسلامي بالمجتمعات الاخرى ذات الثقافات والحضارات العريقة، وعندما وجد الانسان المسلم نفسه امام الاسئلة والمواضيع الجديدة، وعلى رغم المواضيع الجديدة، الشيعة كان عندهم ائمة، اي ان المصدر موجود.
اما عند غير الشيعة فالامام غير موجود والصحابة ماتوا فهم من جيل واحد كلهم، فما العمل؟ اعتمدوا القياس: حكم شبيه بحكم، موضوع شبيه بموضوع. استعملوه، وانتهى القياس فاعتمدوا المصالح المرسلة، ومع ذلك بقيت الحاجة الى اكتشاف الحكم تفرض على المجتهدين ما يصلح للتشريع. اي ان الحكم صار مثل التشريع، يعني ان العالم الديني اصبح مثل مجلس النواب يشرع اذ لم يكن هناك اكتشاف لحكم اسلامي فبرز الخطر عند الانقسام الشديد والتباين في الافكار فارتأى القادة سد هذا الباب فترة طويلة، فانسد باب الاجتهاد عند الاخرين، بينما بقي مفتوحا عند الشيعة، حتى العصور المتأخرة حيث إنفتحت أبواب الاجتهاد تدريجيا.
 
5 ـالانفتاح:
 
يبقى بعض المعالم الاخرى في القسم الاخير من حديثنا، ولا بد من التأكيد ان الاجتهاد، وان كان مختصا في الفقه وفي فهم الاحاديث واستنباط الاحكام الا انه القى ظلالا واسعة على مختلف الشؤون الاسلامية عند الشيعة، وخلق ميزات حضارية معينة من جملتها مبدأ الانفتاح على المذاهب والاديان الاخرى، والشيعة يملكون في تراثهم شواهد كثيرة لذلك.
 
6 ـرفض الحاكم الجائر:
 
وقد اثر مبدأ الولاية في رفض التشيع للحكام وللانظمة شبه الإسلامية، ويالتالي، في اعلان مواقفهم من الحكام وفي عدم الارتباط معهم وفي عدم الذوبان في الانظمة حتى في قضايا التمويل والموازنات. في البلاد الاسلامية الاخرى ترى ان الازهر او المؤسسات الدينية الاخرى جزء من النظام، الرئيس ينتخب بناء على اقتراح. الجهاز جزء من النظام.
بينما علماء الشيعة لم يكونوا ابدا جزءا من النظام خلال هذه الفترة ـ هذه الامور لها تأثير فيما نريد ان نبحث فيه بالنسبة لولادة الحركة ـ واعتمدوا في ادارة مؤسساتهم على الاوقاف قبل وضع يد الدول عليها وعلى الحقوق الشرعية ولم يسمحوا باعتبارها من الضرائب المقدمة الى الحاكم الاسلامي. فلذلك، ترى ان الشيعي يدفع الضريبة مرتين: سهم السادة وسهم الامام، والزكاة، والضريبة العامة التي يعطيها للدولة من حقوقه، وهذا بدوره ساعد في بقاء التشيع حركة لا مؤسسة الى وقت طويل. طبعا، في بعض البلاد، وفي بعض الازمان، صارت مؤسسة. ونحن عندما نرفض الحكام ليس لانهم غير شيعة وحتى لو كان شيعيا، فيجب ان يكون حكمه منطبقا على المبادىء العامة.
 
7 ـ الانتظار للمهدي:
 
لا بد من اضافة مبدأ الانتظار للمهدي ( عج ). انتظار المهدي المنتظر الامام الثاني عشر، من معالم ومواصفات هذا المذهب. وهذا المبدأ كان ينعكس على الناس باساس التهيؤ الدائم والامل الدائم والاستعداد، وهذان وحدهما حفظا التشيع في عصور الاضطهاد القاسي.
والمعروف ان الشيعة الامامية يعتقدون: ان الامام الثاني عشر وهو احد الائمة من آل البيت ومن نسل علي وفاطمة واسمه محمد وكنيته ابو القاسم سيظهر، وانه يملاء الارض قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا.
ان المهدي هو الذي سيقود الناس الى المجتمع المثالي الذي يسود فيه العدل التام وتتوفر فيه الفرص للجميع وليس فيه مكان للظلم بأنواعه وللجهل والباطل.
وانتظار الظهور بمعنى التهيؤ والامل واجب مذهبي لدى الشيعة.
 
8 ـالتقليد:
 
وبعد حصول الغيبة الكبرى، أي عصر انقطاع الامة عن الائمة المعصومين، صدرت الاوامر المطاعة من الائمة بان واجب الناس الرجوع في كافة شؤونهم الدينية وفي المسائل المستحدثة الى الفقهاء المجتهدين العدول او حسب تعبير النص \" من الفقهاء من كان صائنا لنفسه حافظا لدينه عاصيا لهواه مطيعا لأمر مولاه \".
وأصبح التقليد، أي متابعة المجتهد العادل في كافة الشؤون الحياتية أي في معرفة أحكامها، واجبا من واجبات الشيعي المكلف.
ويمكن ان يختار الانسان المؤمن طريق الاجتهاد الذي هو رغم مشقته مفتوح لكل شخص، وعند ذلك عليه ان يدرس ويتخصص في العلوم الاسلامية التي تمكنه من استنباط الاحكام من مصادرها التي اشرنا اليها.
 
9 ـتاريخ وابناء:
 
وقبل ان ننهي المواصفات العامة للمذهب الشيعي، علينا ان نقف امام تاريخ هذا المذهب وابنائه حيث انه ايضا بحد ذاته يكمل الصورة المطلوبة:
انه تاريخ مليء بالاضطهاد والضغوط المتنوعة من قبل السلطات، وكان من ابشع انواعها وأشدها خطرا على الاسلام هي حملة التشويه الشاملة التي تعرضت الشيعة لها، والتي فرقت بين المسلمين وصورت المذاهب الاسلامية كأنها اديان وامم متعددة.
وفي المقابل كان موقف القادة من الشيعة الالتزام التام والحرص المطلق على مصالح المسلمين، وبنفس الوقت، الاصرار على التمسك بالاراء والسلوك حتى ولو ادى ذلك الى الاستشهاد. وهو في تاريخنا لا ينحصر في الائمة المعصومين بل يشمل الفئات والقبائل والشخصيات المعروفة، وهذا البحث بحد ذاته يتطلب كتبا مطولة لعلنا نتوفق بتقديم نماذج عنها للابحاث الثقافية.
والشيعة يحتفظون بهذه الذكريات، سيما ذكريات استشهاد الحسين والائمة المعصومين، ويقيمون حفلات بهذه المناسبات، ويستفيدون منها للتعليم والتربية لعامة الناس.
لقد برز في تاريخ العالم الاسلامي بعض الرجال الشيعة، وبعض الشيعة حكموا العالم الاسلامي او قسما منه لفترة طويلة او قصيرة، بالاضافة الى فترات الاضطهاد الطويل، ومن ابرزهم الفاطميون في مصر، والحمدانيون في سورية، والمرابطون في المغرب، والصفوية في ايران وغيرهم.
عدد افراد الشيعة الان في العالم يبلغ حوالي مائة مليون يسكنون ايران والعراق والجنوب الغربي من الاتحاد السوفياتي: اذربيجان، ارمينيا، جورجيا والافغان والهند وباكستان والصين وتركية وسورية ولبنان والخليج العربي والقسم الشرقي من المملكة العربية السعودية واليمن وعمان.
وابرز جامعاتهم الدينية في الوقت الحاضر هي في العراق وايران، ولهم مؤسسات ثقافية ومكتبات كبرى وغير ذلك، ويعيش كبير علمائهم \" المرجع \" في الوقت الحاضر في جامعة النجف الاشرف بالعراق بينما كان المرجع منذ فترة قصيرة يعيش في جامعة \" قم \" ايران.
هذا يا اخوان ما حكيناه في هذا البحث والذي سيطبع. بالنسبة للحلقات خلاصة من الرؤية العامة عن الشيعة.
 
نحن امام البند الرابع ـ دور القيادة.
 
في الواقع، انا في حرج عظيم ان اكتب هذا البحث وان يبقى الامر غير مطروق. نحن قلنا ان الحركة ولدت من ضمن صفوف الطائفة الشيعية هذه. مذهبها انفتاح وعدم كونها فئوية، فطبيعة المذهب تكمن في هذا الامر.
والوضع الاجتماعي للشيعة ذكرناه، وكذلك الوضع الاجتماعي للبنان ولم يبق سوى دور القيادة. دور القيادة، طبعا، اذا لم يكن الدور الاول ـ وهو ليس كذلك حتما ـ ولكنه دور اساسي. اي لو كانت هذه الظروف كلها متوفرة، ولكن كان هناك أناس آخرون لا يفهمون التشيع كحركة كان من الممكن ان يأخذوا الطائفة الشيعية الى جانب النظام، الى جانب التحالف مع أصحاب الإمتيازات فيعتبرونها اقلية حليفة للاقلية الاخرى ولكان الخط غير هذا الخط. او مثل بعض القاصرين الذين كانوا يعتبرون ان الاسلام ليس له نظام اقتصادي واجتماعي، وان التشيع كذلك ليس عنده شيء من هذا النوع، لكان برز الخطر في ارتماء الحركة في احضان الشيوعية واليسار المتطرف.
إذا\"، نحن في موقع التحدي، وهنا، دور القيادة دور اساسي. فاذا لم اتمكن ان اكتب شخصيا حلقة القيادة لأن الأمر يعود لي شخصيا في الغالب وهذا محرج لي فعلا، كما ان التقييم قد يكون غير موضوعي لأن الأمر بين أن يتواضع الانسان أو أن يزكي نفسه أكثر من الواقع.
اليوم أنا متعب، وإن شاء الله، في بداية الجمعة القادمة، نأخذ خلاصة من هذه الأبحاث ونطرح التسلسل المنطقي والطبيعي لأن حركة المحرومين تنشأ من قلب الطائفة الشيعية ومن مستوى القيادة مع الناس، وهذا الشيء طبيعي جدا ومنطقي جدا ومقتضى قلب التاريخ أيضا\". وبطبيعة الحال، عند ذلك نقدر أن ننظر إلى المستقبل بشكل آخر وبرؤية أخرى. 

قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat


سعد العاملي
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2013/08/20



كتابة تعليق لموضوع : حركة المحرومين - أمل (الولادة - النشأة - الأبعاد) في لبنان - الحلقة الثالثة
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان

البحث :





الكتّاب :

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

 مواقف شديدة الحساسية/٢ "بانوراما" الحشد..

أحدث مقالات الكتّاب :


مقالات متنوعة :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net