صفحة الكاتب : محمد جواد سنبه

دِيمُقْرَاطِيَّةُ الصَّحَافَةِ و دِكْتَاتُورِيَّةِ الصَّحَفِيّينْ. (الحلقة الثانية)
محمد جواد سنبه

شكّل سلوك بعض المشتغلين في الصّحافة، الذين لمّ يَرُقّ لهم، سماع أيّ نقد من الآخرين، الذين يتبنون وجهة نظر مختلفة، بخصوص احتفال نقابة الصّحفيّين العراقيّين بالعيد الوطني للصّحافة العراقية الثالث والاربعين بعد المئة، نقّطة محوريّة تشير إلى فشل علاقة الإحترام، التي يجب أنْ تسود جوّ العمل الإعلامي بمختلف اختصاصاته، لأنّه عمل أساسه الاعتماد على الحقيقة، وابداء الرأي بخصوصها، ومن ثم اتخاذ موقف منها. ومع كل ما لاقى المخالفون، لوجهة نظر نقابة الصحفيين العراقيين ومؤيديها، من تجريح و إيذاء، لابدّ لي أنْ أبدي رأيي، فذلك يحتّمه عليّ واجبي، كإنسان يعيَ ما يدور حوّله ، دون أنْ أعير أيّ اهتمام لما قيل وسيُقال، فأقول: 

1. ألا ينبغي بنقابة الصّحفيّين العراقيّين، وهي الجّهة المسؤولة مهنياً عن الإعلاميّين العراقيّين، أنْ تقوم بمتابعة كتابات الصحفيّين وأداء الإعلاميّين؟. على ضوء معايير إعلامية وأكاديميّة ومهنيّة رصينة، تهتمّ بتحليل مضمون النصّ الإعلامي، و(بالأخصّ) تقييم ما يُكتب، على ضوء متطلبات اللغة العربيّة، التي تعتبر الواسطة الوحيدة، لنقل أفكار الكاتب إلى لمستقبل. وما يجب توفّره (في كتابات البعضّ)، من حدود متوسّطة من الصّياغة البلاغيّة، في اختيار المباني للتعبير عن المقاصد والمعاني. وأنْ تتوفر في هذه الكتابات أيضاً، حدود متوسطة من قواعد اللغة العربيّة في موضوعي النّحو والإملاء، اضافة الى تعليهم فنّ التحاور والمحادثة والتخاطب مع الغيّر.  
2. مراقبة ما يقدّم إلى المجتمع من أنشطة كتابيّة أو برامجيّة (تلفزيونيّة واذاعيّة) والإشارة إلى الغثّ منها، والذي يتعارض مع الذوّق السليم، وأسس الثّقافة العراقيّة التي ترتبط بتاريخ عريق، من الأدب والعلوم والعلاقات الإنسانيّة الطيّبة، والأخلاق الرفيعة والآداب العامّة الحسَنة. وفي حالة وجود عوَز في هذه الجوانب، عند بعض المشتغلين في المهنة الصّحفيّة و الإعلاميّة. ألا يجدر بالنّقابة أنْ تبادر بإقامة دورات تعتني بهذه الجوانب، فتحتضن من يحتاج إلى مساعدة في هذه المجالات، لغرض تطوير أدائه الصّحفي والإعلامي؟. إنّ مثل هذا المشروع أفضل بكثير من إقامة حفّلة غناء ورقّص، استهلكت الجهد والمال والوقّت، دون تحقيق أيّة فائدة تُذكر، سوى متعة للبعض لعدة ساعات، ذهبت نشوتها أدراج الرّياح. 
3. تأسيس مركز متخصص للبحوث والدراسات الإعلاميّة، يتواصل مع الاعلاميّين العراقيّين عن طريق (الانترنت). لإيصال كلّ ما هو جيّد و جديد في العالم، من تطوّر في مجال نظريّات الإعلام الحديثة وعلم الإتّصال. لغرض تطوير إمكانيات الإعلامي العراقي بشكّل مسّتمر، وجعله مواكباً لما يحدث في العالم من تطوّرات. كما يكون هذا المركز البحثيّ، نافذة يطلّ من خلالها الاعلاميّون الأجانب. ليطّلعوا على أنشطة الإعلام العراقيّ، باعتباره جزء من الإعلام العالمي، في زمن بات فيه العالم، قرية صغيرة. 
4. أنْ يكون العيد الوطنيّ للصحافة العراقيّة في كلّ عام، عيداً للتقّييم والمراجعة. فيشهد تقديم بعض الدّراسات الإعلاميّة العلميّة النّقدية، على مستوى الصّحافة والبرامج الإذاعيّة والتلفزيونيّة. وبذلك تتيح النّقابة فرصة لمراجعة دوّر الصّحفي والإعلامي العراقي، و تبيّن مدى اسهامه في متطلبات بناء المعلومة، وإنّماء الثّقافة العامّة، وإثراء المعرفة البنّاءة، لصناعة مجتمع مُسالم يحترم علاقته مع الآخر. 
5. أنْ يُعاد النّظر بتاريخ العيد الوطنيّ للصّحافة العراقيّة، الذي اعتمد تاريخ تأسيس جريدة الزّوراء، و اعتمادها أوّل صحيفة عراقيّة. في حين جريدة الزّوراء، جريدة تركيّة أصلاً، ومؤسّسها شخص تركيّ. وكانت الزّوراء تصدر باللغة التركيّة، كواجهة إعلاميّة للسّلطنة العثمانيّة، وتترجم هذه الصّحيفة إلى اللغة العربيّة. لقد أوّرد الدّكتور عناد اسماعيل الكبيسي، في الصّفحة 50 من كتابه (الأدب في صحافة العراق)، الصادر في عام 1972 ما نصّه: (وفي العدد الاول منها (من جريدة الزّوراء) صورة الفرمان العالي بتولية مدحت باشا ولاية بغداد، نقتبس منه بعض الجمل لنقف على اسلوبها (...دستور مكرم مشير مفخم نظام العالم مدبر امور الجمهور بالفكر الثاقب، متمم مهام الانام بالرأي الصائب، ممهد بنيان الدولة والاقبال، مشيد أركان السعادة والاجلال المحفوف بصنوف عواطف الملك الاعلى من أفاخم وكلاء دولتي العلية....))(انتهى). 
وذكر نفس المصدر في صفحة 57 مايلي: (فقد ذكر صاحب المقتبس الدمشقية عن جرائد الولايات العثمانية – والزوراء منها- كلمة يشير الى الهوة التي انحطت اليها هذه الصحف (كل شيء آخذ بالنمو والنشوء في هذه الديار إلا جرائد الولايات العربية الرسمية فانها كلما طال عليها الزمن تنحط مكانتها لانها كانت وما تزال تقدس اعمال الولاة وتزكيهم إلا قليلاً، وجرائد هكذا حالها كيف يرضيك خبَرُها ومخبِرُها. للحكومة العثمانية اثنتا عشرة ولاية عربية تصدر فيها احدى عشرة جريدة رسمية .... تنشر باللغتين الأولى لغة الحكومة والثانية لغة البلاد، والعربية منقولة من التركية بالحرف، ولكنه نقل لا نقدر ان نقول عنه عربيا ولا مولدا وأحرَ به أن يكون لغة خاصة يكاد لا يفهما الا القليل ممن ألفوها أو ممن يفهمون التركية، فاذا عسر عليهم فهم عبارة قلبوا الوجه التركي من الجريدة فقرؤا الاصل لينحل معهم الاشكال.))(انتهى).
 هذه المعطيات، جعلتنا نعترض على نقابة الصّحفيين العراقيّين، ونواجهها بالنّقد البنّاء. بينما جُوبهت أفكارنا النّاقدة، بسيّل من الأوصاف البذيئة، التي أطلقها بعض المشتغلين في الصّحافة، والمؤيّدين لكلّ ما تقوم به النّقابة، معتبرين إيّاها جهة مقدّسة، مكانها فوق النّقد على الدّوام. إنّ الخاسر الوحيد مِن ظاهرة دّيمقراطيّة الصّحافة ودكتاتوريّة الصّحفيين، هو المثقّف الواعي المستقلّ، والصّحفي المستقلّ، والإعلامي المستقلّ. فضريبة الاستقلال كلّفت المستقلّين، العزل والإبعاد والانتقاص منهم، وتوجيه البذاءآت لهم، وعدم إيلاء الاهتمام بأفكارهم. فدفع المستقلّون ثمن عنادهم، الصّاع صاعيّن، فهم مبعدون من قبل النّظام الدّكتاتوريّ البائد، لابتعادهم عن خطّ النّظام و تصوّراته. وهم الآن مبعدون عن السّاحة الإعلاميّة في زمن النّظام الدّيمقراطيّ، بسبب عدم انتمائهم لحزب أو قوميّة أو عنوان طائفيّ، فدفعوا مرّة أخرى ثمن، إصرارهم على المنهج المستقلّ. 
 

  

محمد جواد سنبه
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2012/07/25



كتابة تعليق لموضوع : دِيمُقْرَاطِيَّةُ الصَّحَافَةِ و دِكْتَاتُورِيَّةِ الصَّحَفِيّينْ. (الحلقة الثانية)
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play

البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق إيزابيل بنيامين ماما آشوري.