صفحة الكاتب : شعيب العاملي

يوم لم يؤذن لعليٍّ.. بِحَصدِ الرؤوس !
شعيب العاملي

 بسم الله الرحمن الرحيم

اتَّفَقَت كلمةُ الشيعة على وقوع الظُّلمِ على عليٍّ عليه السلام: فسُلِبَ حقُّه، وانتُهِكَت دارُه، وظُلِمَت وضَرِبَت حَليلته، حتى رَحَلَت شهيدةً مقتولة !

ثم نُسِبَ لَهم اعتقادُهم بأنَّ عليَّاً عليه السلام كان (موصىً) و(مقيَّداً)، فلَم يدفَع عن نفسه وأسرته، ولم يطلب حقَّهُ بالسيف بسبب الوصيَّة.

فهَل يُعقَلُ ذلك ؟!

إنَّ قيامَ عليٍّ بالسيف دفاعاً عن نفسه وأسرَته وحقوقه لا يخلو من صورتين:

الأولى: حَملُ السَّيفِ بالأسباب
الثانية: حَملُ السَّيف بالإعجاز

فما حالُ عليٍّ عليه السلام مع هذين الاحتمالين ؟

الصورة الأولى: حَملُ السَّيفِ بالأسباب

ونُريدُ مِنها الإقدام على العمل المسلَّح وفق الأسباب الطبيعية، بعيداً عن المَدَد الغيبي، والإعجاز الإلهي.
فَعَليٌّ عليه السلام وإن كان أشجعَ مَن عليها، لا يسبقُه سابق، ولا يلحق به لاحق، إلا أنَّهُ بَشَرٌ كرسول الله صلى الله عليه وآله، تجري عليه قوانينُ السَّماء، ففي أُحُدٍ: شُجَّ النَّبِيُّ (ص) وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُه‏ (الخصال ج2 ص389)، وكان في معرض الموت والقتل.

والله تعالى ما أمرَ عبادَه بمخالفة السنن الكونية، بل حثَّهم على الإعداد لكل شيء قبل الخَوض فيه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الخَيْلِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْديكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾.

ولقد كان لعليٍّ عليه السلام أسبابٌ جَمَّةٌ مَنَعَتهُ عن حَملِ السَّيف منها:

1. حفظ الأسرة الطاهرة

لقد تقدَّمَ منّا في أبحاثٍ سابقة أنَّ القومَ أرادوا إحراق عليٍّ وفاطمة والحسنين وسائر ذرية النبيّ (ص).
أراد القومُ إذاً قَتلَ الأسرة المباركة، وكانوا يتحيَّنون الفرصة لذلك، وخَيرُ فرصَةٍ هي حَملُ عليٍّ للسلاح، ففوَّت عليهم الإمام ذلك، وأفشلت الزَّهراء خطَّتَهم بأن وقفَت من خلف الباب تُجيبُهم وتحرِّجُ عليهم أن يدخلوا بابَها، فانتقلوا إلى خِطَّةٍ بديلةٍ أحرقوا بها الباب وفعلوا ما فعلوا.

وقد صرَّح أميرُ المؤمنين عليه السلام أنَّه تجنَّبَ حمل السيف حفظاً للأسرة الطاهرة، ومن ذلك قوله لابن عباس:
وَلَوْ لَا اتِّقَائِي عَلَى الثَّقَلِ الأَصْغَرِ أَنْ يَبِيدَ، فَيَنْقَطِعَ شَجَرَةُ العِلْمِ وَزَهْرَةُ الدُّنْيَا وَحَبْلُ الله المَتِينُ وَحِصْنُهُ الأَمِينُ، وَلَدُ رَسُولِ الله رَبِّ العَالَمِينَ، لَكَانَ طَلَبُ المَوْتِ وَالخُرُوجُ إِلَى الله عَزَّ وَجَلَّ أَلَذَّ عِنْدِي مِنْ شَرْبَةِ ظَمْآنَ، وَنَوْمِ وَسْنَانَ (اليقين ص325).

وقال في موردٍ آخر:
فَإِذَا لَيْسَ مَعِي رَافِدٌ وَلَا ذَابٌّ وَلَا مُسَاعِدٌ إِلَّا أَهْلُ بَيْتِي، فَضَنِنْتُ بِهِمْ عَنِ الهَلَاكِ (الغارات ج‏1 ص205).

فإنَّ القيامَ إنَّما يُرادُ منه الذَّبُ عن نفسه الشريفة وأسرته الطاهرة، وسينتُجُ عن ذلك هلاكه وهلاك الثِّقلِ الأصغر، فيكون في قيامه تفويتٌ للغرض ونقضٌ له، وخلاف المصلحة في الإبقاء عليهم صلوات الله عليهم.

وإنَّ الرَّجُلَ العاقل يحسب العواقب، فإن وجد في الصبر ثماراً أعظم من سلّ السيف كان من الصابرين، وهذا حال عليٍّ عليه السلام.

2. انتفاء القدرة الظاهرة

لم يكُن لعليٍّ عليه السلام مَن يستجيب له ممَّن تقوم به الكفاية، فإنَّ العمل المسلَّحَ يحتاج إلى أعوانٍ وأنصارٍ ويدٍ مبسوطةٍ وعدَّة وعدد..
ولكن لم يكن مع عليٍّ شيءٌ من ذلك.. وكلماتُه في هذا المعنى أكثر من أن تُحصى..

منها قوله عليه السلام:
أَمَا وَالله لَوْ كَانَ لِي عِدَّةُ أَصْحَابِ طَالُوتَ أَوْ عِدَّةُ أَهْلِ بَدْرٍ وَهُمْ أَعْدَاؤُكُمْ لَضَرَبْتُكُمْ بِالسَّيْفِ حَتَّى تَئُولُوا إِلَى الحَقِّ، وَتُنِيبُوا لِلصِّدْقِ، فَكَانَ أَرْتَقَ لِلْفَتْقِ وَآخَذَ بِالرِّفْقِ (الكافي ج‏8 ص32).

ومَن لم يكن له عدَّةٌ يقاتل بها كانت يدُه مقطوعة جذّاء، وقد قال في شقشقيَّته الشهيرة: وَطَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ..
وهو القائل: وَلَوْ كُنْتُ فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا لَفَرَّقْتُ جَمَاعَتَكُمْ (الإحتجاج ج1 ص83).

هذا هو معنى الوصية التي يتحدَّث عنها الشيعة، فليست الوصيَّةٌ شيئاً خلاف موازين العقل والشَّرع، بل هي موافقةٌ له بلا شكٍّ ورَيب، بل جزءٌ منه.
وقد أوصاه النبي (ص) مراراً.. حين أمره بالصبر لعلمه بعدم وجود الناصر، وعَلَّق الأمر بالقيام على وجوده، وهو العالم بانتفائه.

وقد روت الأمة كلمات النبي (ص)، فَمِنَ السنة روى المناوي في كتاب كنوز الدقائق قول النبي (ص) لعليٍّ عليه السلام: يا علي إنك ستُبتَلى بعدي، فلا تقاتلن! (ص104 من النسخة المخطوطة - مكتبة الملك سعود رقم7624).

وروى الشيعة أمر النبي (ص) له بالصبر لما يجري عليه وعلى البضعة الطاهرة عليه السلام: وَعَلَيْكَ بِالصَّبْرِ عَلَى مَا يَنْزِلُ بِكَ وَبِهَا حَتَّى تَقْدَمُوا عَلَيَّ (طرف من الأنباء والمناقب ص162).

كلَّ هذا لعلم النبيِّ صلى الله عليه وآله بعدم الناصر، وقد قال له (ص):
يَا عَلِيُّ الصَّبْرَ الصَّبْرَ حَتَّى يَنْزِلَ الأَمْرُ.. فَإِذَا أَمْكَنَكَ الأَمْرُ فَالسَّيْفَ السَّيْفَ، القَتْلَ القَتْلَ، حَتَّى يَفِيئُوا إِلى‏ أَمْرِ الله وَأَمْرِ رَسُولِهِ (الإحتجاج ج‏1 ص197).

وقد علَّلَ له النبي (ص) ذلك وبيَّن له أن في قيامه دون أعوانٍ إلقاءٌ للنفس في التهلكة، ولا يجوز ذلك، بل يجب حقن الدِّماء، لذا قال له (ص) تارة: وَإِنْ [أَنْتَ‏] لَمْ تَجِدْ أَعْوَاناً فَبَايِعْ وَاحْقِنْ دَمَكَ (كتاب سليم ج2 ص591).

وتارة أخرى: وَإِنْ لَمْ تَجِدْ أَعْوَاناً فَاكْفُفْ يَدَكَ وَاحْقِنْ دَمَكَ (كتاب سليم ج2 ص664).
وقال له ثالثةً: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ أَعْوَاناً فَاصْبِرْ، وَكُفَّ يَدَكَ، وَلَا تُلْقِ بِيَدِكَ إِلَى التَّهْلُكَةِ (كتاب سليم ج2 ص568).

وإنَّ في قتله عليه السلام إطفاءٌ لنور الله، فلا سبيل لثبات الحقِّ على وجه البسيطة إلا بعليٍّ عليه السلام، ولو قُتِلَ لم يبق لعبادة الله بعده على الأرض عينٌ ولا أثر، فينتقض الغرضُ من بعثة الأنبياء وخلقة الخَلق، وقد قال له (ص) ما يدلُّ على هذا المعنى:

إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ إِنْ نَاهَضْتَ القَوْمَ وَنَابَذْتَهُمْ وَجَاهَدْتَهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مَعَكَ فِئَةٌ [أَعْوَانٌ‏] تَقْوَى بِهِمْ أَنْ يَقْتُلُوكَ [فَيُطْفَأَ نُورُ الله وَلَا يُعْبَدَ الله فِي الأَرْضِ]‏ (كتاب سليم ج2 ص768).
وقال له (ص): أَتَخَوَّفُ عَلَيْكَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ إِلَى عِبَادَةِ الأَصْنَامِ، وَالجُحُودِ بِأَنِّي رَسُولُ الله (كتاب سليم ج2 ص770).

3. المصلحة العامة

إنَّ للأنبياء والأوصياء دورٌ عظيمٌ في صلاح الأمّة، وعندما يدورُ الأمرُ بين وقوع الجَور والظُّلمِ عليهم خاصة، أو فساد الأمة بأسرها، يُقَدِّمون النَّفعَ والصلاح العام، وإن كان فيه أذيَّةٌ لأشخاصهم.

ولقد علمَ الإمام عليه السلام أنَّ القوم إنما ظلّوا على ظاهر الإسلام لأنَّهم وجدوا أنها الطريقة الوحيدة لنيل المُلك والسُّلطان، فلو منعَهم إياه بقوّة السيف لارتدوا عن دين الله تعالى، ولذهبت جهود النبي (ص) سدى، ولمنعوا مَن يأتي من الأمم والأجيال من التعرُّف على الحق بنقضهم العهود في الظاهر والباطن معاً.

ولذا قال عليه السلام:
ولو لا أن قريشاً جعلت اسمه ذريعةً إلى الرئاسة، وسلماً إلى العزّ والإمرة، لما عبدت الله بعد موته يوماً واحداً ! (شرح النهج ج‏20 ص299).

وهو ما يفسِّرُ رجوع الناس كفاراً وارتدادهم عن الإسلام لو قام فيهم بالسيف، وقد قال: وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ كُفَّاراً (عيون أخبار الرضا عليه السلام ج‏2 ص187).

وعنه عليه السلام:
وَايْمُ الله لَوْ لَا مَخَافَةُ الفُرْقَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وَأَنْ يَعُودُوا إِلَى الكُفْرِ، وَيُعَوَّرَ الدِّينُ، لَكُنَّا قَدْ غَيَّرْنَا ذَلِكَ مَا اسْتَطَعْنَا (الأمالي للمفيدص155).

وعن الباقر عليه السلام:
لَمْ يُمْنَعْ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (ع) مِنْ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى نَفْسِهِ إِلَّا نَظَراً لِلنَّاسِ، وتَخَوُّفاً عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْتَدُّوا عَنِ الإِسْلَامِ فَيَعْبُدُوا الأَوْثَانَ، وَلَا يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله (ص)، وَكَانَ الأَحَبَّ إِلَيْهِ أَنْ يُقِرَّهُمْ عَلَى مَا صَنَعُوا مِنْ أَنْ يَرْتَدُّوا عَنْ جَمِيعِ الإِسْلَامِ (الكافي ج‏8 ص296).

ألا يجب الدفاع عن النفس ؟

فإن قيل:
هذا يُفَسِّرُ قعوده عن المطالبة بحقِّه، ولا يفسِّرُ قعوده في الدِّفاع عن نفسه، والدِّفاعُ عن النَّفس واجبٌ لا يحتاجُ إلى أنصار.

قلنا:
لا بد من التمييز بين صورتين:

الصورة الأولى: أن يُفرضَ القتال على الولي المعصوم، فلا بدَّ من أن يقاتل ولو لم يكن معه أحدٌ من الأنصار.

الصورة الثانية: أن لا يُفرَضَ عليه القتال إلا تخييراً، أي أن يُخيَّر بين القتال وبين شيءٍ آخر، فإذا وجد المصلحة في ترك القتال تركه وأتى بالخيار الآخر.

وهو حالُ أمير المؤمنين عليه السلام، فقد بيَّن حالهم بعدما فشلت خطَّتهم الأولى بالقضاء على الأسرة المباركة، فقال عليه السلام:

إِنَّ القَوْمَ حِينَ قَهَرُونِي وَاسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي، لَوْ قَالُوا لِي: (نَقْتُلُكَ البَتَّةَ) لَامْتَنَعْتُ مِنْ قَتْلِهِمْ إِيَّايَ وَلَوْ لَمْ أَجِدْ غَيْرَ نَفْسِي وَحْدِي.
وَلَكِنْ قَالُوا: إِنْ بَايَعْتَ كَفَفْنَا عَنْكَ وَأَكْرَمْنَاكَ وَقَرَّبْنَاكَ وَفَضَّلْنَاكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ قَتَلْنَاكَ، فَلَمَّا لَمْ أَجِدْ أَحَداً بَايَعْتُهُمْ، وَبَيْعَتِي إِيَّاهُمْ لَا يُحِقُّ لَهُمْ بَاطِلًا، وَلَا يُوجِبُ لَهُمْ حَقّا (كتاب سليم ج‏2 ص666).

فلم يكن حملُ السيف واجباً لأن هناك طريقاً للتخلُّص من القتل ولو بالبيعة الظاهرة.

ألا يجب الدِّفاع عن الأسرة ؟!

فإن قيل:
هذا يبرِّر عدم دفاعه عن نفسه، ولكن ولا يشمل عدم دفاعه عن زوجته وأولاده.

قلنا:
لقد كان أميرُ المؤمنين عليه السلام مُخَيَّراً بين أن يحمل السيف فيقتلون جميعاً، وبين أن يضع السيف وتتصدى الزَّهراء عليها السلام فتكون الدائرة عليها خاصةً، وتُحفظ الإمامة، وهو ما يبرِّرُ دفاع الزهراء عليها السلام عنه، وقد حالت بينهم وبينه عليه السلام لأجل ذلك.

وقد علم اللُّعناء أنها ستفعل ذلك من قبل، ذلك أن حفظ الإمام أوجب من كل شيء، وقد أرسل عُمَر لقنفذ يلفتُه إلى هذا المعنى قبل حدوثه فقال له:
إِنْ حَالَتْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ فَاطِمَةُ فَاضْرِبْهَا ! (كتاب سليم ج‏2 ص588).

وهو ما جرى فعلاً: وَحَالَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ فَاطِمَةُ (ع) عِنْدَ بَابِ البَيْتِ فَضَرَبَهَا قُنْفُذٌ المَلْعُونُ بِالسَّوْطِ (كتاب سليم ج‏2 ص586).

وقد روي هذا المعنى عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام، متحدِّثاً عن قنفذ: هُوَ الَّذِي ضَرَبَ فَاطِمَةَ (ع) بِالسَّوْطِ حِينَ جَاءَتْ لِتَحُولَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَمَاتَتْ (ع) (تفسير العياشي ج‏2 ص307).

الصورة الثانية: حَملُ السَّيف بالإعجاز

إذا كان عليٌّ عليه السلام لم يحمل السَّيف لأنَّ الموازين والأسباب لم تكن لصالحه ولا لصالح أسرته ولا لصالح الإسلام، فلماذا لم يحمل السيف ويستعين بالقدرات الغيبية التي أعطاه الله تعالى ؟!

ألم يكن عليٌّ قادراً على ذلك ؟!

بلى..
كان عليه السلام قادراً على الاستعانة بالقوَّة الملكوتية والمدد الغيبي، ولو فعلَ ذلك لأفناهم عن بكرة أبيهم..

ولكنَّ هذه الاستعانة تخضَعُ للمصلحة والحكمة والأمر الإلهي، ولم يكن من الحكمة أن يقوم عليه السلام بذلك فيُفنِي أمَّة الإسلام، ولا يبق له بعد ذلك من باقية !

وقد أشار عليه السلام إلى هذا المعنى بقوله:
أَمَا وَالله لَوْ أُذِنَ لِي بِمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ لَحَصَدْتُ رُءُوسَكُمْ عَنْ أَجْسَادِكُمْ كَحَبِّ الحَصِيدِ، بِقَوَاضِبَ مِنْ حَدِيدٍ، وَلَقَلَعْتُ مِنْ جَمَاجِمِ شُجْعَانِكُمْ مَا أَقْرَحُ بِهِ آمَاقَكُمْ، وَأُوحِشُ بِهِ مَحَالَّكُمْ، فَإِنِّي مُذْ عُرِفْتُ مُرْدِيَ العَسَاكِرِ، وَمُفْنِيَ الجَحَافِلِ، وَمُبِيدَ خَضْرَائِكُمْ، وَمُخْمِدَ ضَوْضَائِكُمْ.. (الإحتجاج ج‏1 ص95).

لن يعجزَ عليٌّ عليه السلام عن حَصد الرؤوس، بالإعجاز أو بغيره، لكنَّ في ذلك خلاف الحكمة والمصلحة، فإنَّ الواقعة لن تخلو من إحدى حالتين:

1. إمّا أن يغلبوه ويقهروه عليه السلام، ثم يقتلوه وأهل بيته.. فينقطع نور الله في الأرض.

2. وإمّا أن يغلبهم ويفلج عليهم، فيفنيهم عن بكرة أبيهم، ولا يُبقي على الأرض من المسلمين دَيّاراً.

وكلتاهما نتيجتان لا يرتضيهما الله تعالى، ولا رسوله، ولا وليه المعصوم.. لذا رأى عليه السلام أنَّ: الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى‏.. فصَبَر..

ولذا لم يورد (المُخَالِفِينَ خَلِيجَ المَنِيَّةِ)!
ولم يرسل عليهم: (شَآبِيبَ صَوَاعِقِ المَوْتِ) (الكافي ج‏8 ص32).

والقوم يعرفون ذلك، وقد قال أوَّلُهُم لثانيهم: فَوَ الله، لَوْ هَمَّ ابن أبي طالب‏ بِقَتْلِي وَقَتْلِكَ لَقَتَلَنَا بِشِمَالِهِ دُونَ يَمِينِه !‏ (الاحتجاج ج‏1 ص96).

وقد فرَّ الثاني لما ضرب سيدة النساء من ظاهر الخمار سريعاً إلى خارج الدار ثم قال لأصحابه:
قَدْ جَنَيْتُ جِنَايَةً عَظِيمَةً لَا آمَنُ عَلَى نَفْسِي. وَهَذَا عَلِيٌّ قَدْ بَرَزَ مِنَ البَيْتِ وَمَا لِي وَلَكُمْ جَمِيعاً بِهِ طَاقَةٌ. فَخَرَجَ عَلِيٌّ وَقَدْ ضَرَبَتْ يَدَيْهَا إِلَى نَاصِيَتِهَا لِتَكْشِفَ عَنْهَا وَتَسْتَغِيثَ بِالله العَظِيمِ مَا نَزَلَ بِهَا، فَأَسْبَلَ عَلِيٌّ عَلَيْهَا مُلَاءَتَهَا وَقَالَ لَهَا:

يَا بِنْتَ رَسُولِ الله! إِنَّ الله بَعَثَ أَبَاكِ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، وَايْمُ الله لَئِنْ كَشَفْتِ عَنْ نَاصِيَتِكِ سَائِلَةً إِلَى رَبِّكِ لِيُهْلِكَ هَذَا الخَلْقَ لَأَجَابَكِ حَتَّى لَا يُبْقِيَ عَلَى الأَرْضِ مِنْهُمْ بَشَراً.
.. فَكُونِي يَا سَيِّدَةَ النِّسَاءِ رَحْمَةً عَلَى هَذَا الخَلْقِ المَنْكُوسِ وَلَا تَكُونِي عَذَاباً (بحار الأنوار ج‏30 ص294).

لقد علمَ القومُ أنَّهم لو اجتمعوا جميعاً، بل لو اجتمع من في الأرض جميعاً على قَهرِ عليٍّ ما قهروه يقيناً، وصرَّحوا بذلك..
فإنَّ من يعتصم بالله تعالى لو كادته السماوات والأرض لجعل الله له من بينهنّ مخرجاً..

وهذا عليٌّ إمامُ المعتصمين بالله، وسيِّدُهم وأفضلهم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله.
ولكن.. لم يكن لعليٍّ أن يفعل غير ما فَعَل، كما لم يكن للزَّهراء أن تفعل غير ما فعلَت..

لقد بعثَ الله تعالى حبيبَهُ (ص) رحمةً، فلم يكن لعليٍّ ولا لفاطمة عليهما السلام أن يُنزلا العذاب على هذا الخلق المنكوس، بل كانا رحمةً كما كان رسول الله (ص).

لهذا ما كَشَفَت الزَّهراء شعرَها ولا دَعَت على القوم، وما أوردهم عليٌّ خليجَ المنيّة، ولا حَصَدَ رؤوسهم.. إمتثالاً لأمر الله تعالى، وإكمالاً للامتحان الإلهي: ﴿حَتَّى يَميزَ الخَبيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾.

والحمد لله رب العالمين.

الخميس 23 جمادى الثانية 1443 هـ
27 – 1 – 2022 م

  

شعيب العاملي
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2022/01/27



كتابة تعليق لموضوع : يوم لم يؤذن لعليٍّ.. بِحَصدِ الرؤوس !
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان

البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق منير حجازي ، على العراق..وحكاية من الهند! - للكاتب سمير داود حنوش : وعزت الله وجلاله لو شعر الفاسدون ان الشعب يُهددهم من خلال مطالبهم المشروعة ، ولو شعر الفاسدون أن مصالحهم سوف تتضرر ، عندها لا يتورعون عن اقامة (عمليات انفال) ثالثة لا تُبقي ولا تذر. أنا اتذكر أن سماحة المرجع بشير النجفي عندما افتى بعدم انتخاب حزب معين او اعادة انتخاب رموزه . كيف أن هذا الحرب (الاسلامي الشيعي) هجم على مكتب المرجع وقام بتسفير الطلبة الباكستانيين ، ثم اخرجوا عاهرة على فضائياتهم تقول بأن جماعة الشيخ بشير النجفي الباكستانيين يجبروهن على المتعة . يا اخي ان سبب قتل الانبياء هي الاطماع والاهواء . الجريمة ضمن اطار الفساد لا حدود لها .

 
علّق محمد ، على "إنّا رفعناه" .... لطمية كلماتها منحرفة عقائدياً ومنهجياً - للكاتب نبيل محمد حسن الكرخي : سبحانك يارب لا تفقهون في الشعر ولا في فضل اهل البيت , قصيدة باسم لا يوجد فيها شرك ف اذهبوا لشاعر ليفسر لكم وليكن يفقه في علوم اهل البيت , ف اذا قلت ان نبي الله عيسى يخلق الطير , وقلت انه يحيي الموتى , هل كفرت ؟

 
علّق كريم عبد ، على الانتحار هروب أم انتصار؟ - للكاتب عزيز ملا هذال : تمنيت ان تذكر سبب مهم للانتحار عمليات السيطرة على الدماغ التي تمارسها جهات اجرامية عن طريق الاقمار الصناعية تفوق تصور الانسان غير المطلع واجبي الشرعي يدعوني الى تحذير الناس من شياطين الانس الكثير من عمليات الانتحار والقتل وتناول المحدرات وغيرها من الجرائم سببها السيطرة على الدماع الرجاء البحث في النت عن معلومات تخص الموضوع

 
علّق البعاج ، على الإسلام بين التراث السلفي والفكر المعاصر   - للكاتب ضياء محسن الاسدي : لعلي لا اتفق معك في بعض واتفق معك في البعض الاخر .. ما اتفق به معك هو ضرورة اعادة التفسير او اعادة قراءة النص الديني وبيان مفاد الايات الكريمة لان التفسير القديم له ثقافته الخاصة والمهمة ونحن بحاجة الى تفسير حديد يتماشى مع العصر. ولكن لا اتفق معك في ما اطلقت عليه غربلة العقيدة الاسلامية وتنقيح الموروث الديني وكذلك لا اتفق معك في حسن الظن بمن اسميتهم المتنورون.. لان ما يطلق عليهم المتنورين او المتنورون هؤلاء همهم سلب المقدس عن قدسيته .. والعقيدة ثوابت ولا علاقة لها بالفكر من حيث التطور والموضوع طويل لا استطيع بهذه العجالة كتابته .. فان تعويلك على الكتاب والكتابات الغربية والعلمانية في تصحيح الفكر الاسلامي كما تقول هو امر مردود وغير مقبول فاهل مكة ادرى بشعابها والنص الديني محكوم بسبب نزول وسياق خاص به. تقبل احترامي

 
علّق ظافر ، على شبهة اخفاء قبر امير المؤمنين (عليه السلام) بين الواقع والخيال - للكاتب السيد زين العابدين الغريفي : والله العظيم هذولة الصرخية لا دين ولا اخلاق ولا ضمير وكل يوم لهم رأي مرة يطالبون بالعتبات المقدسة وعندما فشل مشروعهم انتقلوا الى الامر بتهديمها ولا يوجد فرق بينهم وبين الوهابية بل الوهابية احسن لانهم عدو ظاهري معروف ومكشوف للعيان والصرخية عدو باطني خطير

 
علّق باسم البناي أبو مجتبى ، على هل الدين يتعارض مع العلم… - للكاتب الشيخ احمد سلمان : السلام عليكم فضيلة الشيخ هناك الكثير من الإشكالات التي ترد على هذا النحو أورد بعضاً منها ... كقوله تعالى (أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا) بينما العلم يفيد بأننا جزء من السماء وقال تعالى:أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا بينما يفيد العلم بأن الأرض كروية وكذلك قوله تعالى ( وينزل من السماء من جبال فيها من برد ) بينما يفيد العلم بأن البرد عبارة عن ذرات مطر متجمدة فضيلة الشيخ الكريم ... مثل هذه الإشكالات وأكثر ترد كثيرا بالسوشال ميديا ونأمل منكم تخصيص بحث بها. ودامت توفيقاتكم

 
علّق منير حجازي . ، على جريمة اليورانيوم المنضب تفتك بالعراقيين بالمرض الخبيث - للكاتب د . هاتف الركابي : المسؤولون العراقيون الان قرأوا مقالتك وسمعوا صوتكم وهم جادون في إيجاد فرصة من كل ما ذكرته في كيفية الاستفادة من هذه المعلومات وكم سيحصلون عليه من مبلغ التعويضات لو طالبوا بها. وإذا تبين أن ما يحصلون عليه لا يفي بالغرض ، فطز بالعراق والعراقيين ما دام ابنائهم في اوربا في امان يتنعمون بالاوموال المنهوبة. عند الله ستلتقي الخصوم.

 
علّق إيزابيل بنيامين ماما آشوري. ، على الكرادلة والبابا ومراجع المسلمين. - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : اعترض البعض على ذكر جملة (مراجع المسلمين). معتقدا أني اقصد مراجع الشيعة. وهذا جهلٌ منهم أو تحامل ، او ممن يتبع متمرجعا لا حق له في ذلك. ان قولي (مراجع المسلمين). اي العلماء الذين يرجع إليهم الناس في مسائل دينهم إن كانوا من السنة او من الشيعة ، لأن كلمة مرجع تعني المصدر الذي يعود إليه الناس في اي شأن من شؤونهم .

 
علّق مصطفى الهادي ، على الفرزدق والتاريخ المتناقض - للكاتب سامي جواد كاظم : السلام عليكم . يكفي ان تُلصق بالشاعر أو غيره تهمة التشيع لآل بيت رسول الله صلوات الله عليهم فتنصبّ عليه المحن من كل جانب ومكان ، فكل من صنفوهم بالعدالة والوثاقة متهمون ما داموا يحملون عنوان التشيع. فأي محدّث او مؤرخ يقولون عنه ، عادل ، صادق ، لا بأس به ، ثقة مأمون ، لا يأخذون عنه لأنهم يكتبون بعد ذلك ، فيه تشيّع ، مغال في التشيع . فيه رفض. انظر لأبي هريرة وعائشة وغيرهم كيف اعطوهم مساحة هائلة من التاريخ والحديث وما ذلك إلا بسبب بغضهم لآل البيت عليهم السلام وتماشيهم مع رغبة الحكام الغير شرعيين ، الذين يستمدون شرعيتهم من ضعفاء النفوس والايمان والوصوليين.وأنا أرى ان كل ما يجري على الموالين هو اختبار لولائهم وامتحان لإيمانهم (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة) . واما أعداء آل محمد والكارهين لولايتهم الذين ( كرهوا ما أنـزل الله فأحبط أعمالهم). فـ (ذرْهم يأكلوا ويتمتعوا ويُلْههمُ الأمل فسوف يعلمون). انت قلمٌ يكتب في زمن الأقلام المكسورة.

 
علّق محمد ، على الانتحال في تراث السيد الحيدري كتاب يبين سرقات الحيدري العلمية - للكاتب علي سلمان العجمي : ما ادري على شنو بعض الناس مغترة بالحيدري، لا علم ولا فهم ولا حتى دراسة. راس ماله بعض المقدمات التي درسها في البصرة وشهادة بكالوريس من كلية الفقه ثم مباشرة هرب الى ايران وبدون حضور دروس لا في النجف ولا قم نصب نفسه عالم ومرجع وحاكم على المراجع، وصار ينسب الى نفسه انه درس عند الخوئي والصدر ... الخ وكلها اكاذيب .. من يعرف حياته وسيرته يعرف الاكاذيب التي جاي يسوقها على الناس

 
علّق أمير الكرعاوي ، على شبهة اخفاء قبر امير المؤمنين (عليه السلام) بين الواقع والخيال - للكاتب السيد زين العابدين الغريفي : مقال رائع في الرد على المتمرجع الناصبي الصرخي واتباعه الجهلة

 
علّق أمير الكرعاوي ، على شبهة اخفاء قبر امير المؤمنين (عليه السلام) بين الواقع والخيال - للكاتب السيد زين العابدين الغريفي : مقال رائع في الرد على المتمرجع الناصبي الصرخي واتباعه الجهلة

 
علّق زينب ، على قافية الوطن المسلوب في المجموعة الشعرية ( قافية رغيف ) للشاعر أمجد الحريزي - للكاتب جمعة عبد الله : عشت ربي يوفقك،، كيف ممكن احصل نسخة من الكتاب؟؟؟ يامكتبة متوفر الكتاب او مطبعة اكون ممنونة لحضرتكم

 
علّق غانم حمدانيه ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : غانم الزنكي من أهالي حمدانيه نبحث عن عشيرتنا الاسديه في محافظه ديالى السعديه وشيخها العام شيخ عصام زنكي الاسدي نتظر خبر من الشيخ كي نرجع الي عشيرتنا ال زنكي الاسديه في السعديه ونحن ذهبنا الي موصل

 
علّق أنساب القبائل ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يوجد كثير من عشيره السعداوي في محافظه ذي قار عشيره السعداوي كبيره جدا بطن من بطون ال زيرج و السعداوي الاسدي بيت من بيوت عشيره ال زنكي الاسدية فرق بين العشيره والبيت .

الكتّاب :

صفحة الكاتب : ايسر الصندوق
صفحة الكاتب :
  ايسر الصندوق


للإطلاع على كافة الكتّاب إضغط هنا

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

 مواقف شديدة الحساسية/٢ "بانوراما" الحشد..

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على [email protected]

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net