مغالطات حول السيرة الفكرية
د. محمد الداهي

د. محمد الداهي

أستاذ جامعي وأكاديمي وناقد مغربي

 

نشر ممدوح فرج النابي مقالا في الجريدة الالكترونية "العرب" يوم الاثنين 23 فبراير 2020 بعنوان "الكتابة الفكرية كتابة شعرية تفضح الأسرار"، وبعد أن قرأته مؤخرا تبين لي أن المقال الصحفي يتضمن جملة من المغالطات المعرفية التي يجب تصويبها حرصا على تفادي "التلويث المعلوماتي Infopollution" بسبب انتشاره على شبكة الانترنيت، وخطورته على القراء المفترضين، وخاصة الناشئة التي لا تتوافر على المناعة الكافية لمقاومته والتصدي له.

1- عنوان الإثارة

يتضح -من العنوان بالبُنط العريض- أن صاحب المقال يقتحم مجالا لا يمتلك عدته النقدية أو الشعرية المناسبة. فهو يوكل إلى السيرة الفكرية (وليس الكتابة الفكرية كما يزعم، وشتان بين المجالين!) مهمة "فضح الأسرار". في حين إنها- كما أوضحت في كتابي "شعرية السيرة الذهنية محاولة تأصيل"- تنأى عن الخوض في الأمور الشخصية أو الحميمية للمترجم له، وتستقطب أساسا كل ما يتصل بمساره التعليمي وتكوينه الثقافي والعلمي إلى أن يحقق جزءا من مطامحه في الحياة. وقد يكتشف القارئ معلومات نادرة أو قد يصادف معلومات معروفة عنه بحكم تداولها وتناقلها بين الأجيال المتعاقبة (وخير مثال على ذلك هو التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا).  وإجمالا، فالسيرة الذاتية الفكرية تهتم بالحياة الفكرية لصاحبها، وهذا ما نعاينه في كل الكتابات من هذا النوع، ويمكن -على سبيل المثال لا الحصر- أن نستشهد بقول طه حسين في حق السيرة الذاتية الفكرية لابن خلدون: "لم يقل لنا في ترجمته شيئا عن تربيته الحقيقية، بل التزم الصمت التام إزاء حداثته وحياته العائلية. على أنه عني بالإضافة إلى تعلمه، وفي الكتب التي درسها في مختلف العلوم التي كانت تدرس حينئذ في تونس"([i]).

2- معلومات متقادمة ومجانبة للحقيقة

يعتمد صاحب المقال على معلومات متقادمة دون تحر أو حيطة ؛ وهذا ما جعله يقع فيما وقع فيه أهل الكهف من قبل. لا تراهن السيرة الذاتية الفكرية على "فضح الأسرار"؛ لأنها تعتمد عموما على معارف يتقاسمها الناس فيما بينهم. وليست مهمة السيرة الذاتية –كما يزعم بعض النقاد الأغمار والأغرار- مكاشفة العورات والبوح بالأسرار، ونقل الحقيقة كما هي. ففليب لوجون لا يعني بالميثاق السيرذاتي التعاقد مع الشيطان وتوقيع بنوده بالدم([ii]). وهذا يعني أن السارد لا يبرم مع القارئ عقدا موثقا وملزما، بل يتعهد بقول الحقيقة معتمدا جملة من القواعد التي تؤطرها الأنساق الثقافية والمواضعات الأدبية. قد يجاريه القارئ في مقاصده ومساعيه وقد يختلف معه مقترحا وضع عمله في خانة مغايرة (ما يسميه فليب لوجون بعقد القراءة). وأنبه إلى ضرورة التشديد على لفظ "التعهد" بدعوى أن كاتب السيرة الذاتية لا يزعم قول الحقيقة، بل يتعهد بقولها. وهو فعل لغوي يحتمل التصديق والجدية إن توافرت الشروط الضرورية على عكس التخييل الذاتيAutofiction  الذي يقوم على تعهد متصنع (أتعهد أمامكم بعدم قول الحقيقة، وهذا ما حذا بماري داريوسيك أن تعتبره جنسا لا يتوافر فيه معيارا الصدق والجدية)([iii]). وإن تعهد كاتب السيرة الذاتية بقول الحقيقة فليس هو الشخص الذي يتحدث في النص، بدعوى أن النص هو الذي ينتج السيرة الذاتية. يقول فليب لوجون للتدليل على صحة طرحه "ليست السيرة الذاتية نصا يحكيه شخص عن ذاته، بل هي نص يقوله -من خلاله- ؟؟؟"([iv]). وسبق له في كتابه "الميثاق؟؟ السيرذاتي 1975" أن شدد على ضرورة التمييز بين المشابهة والمطابقة. فإذ كان هناك من يرهن الكتابة السيرذاتية بوجود مشابهة بين الكاتب وقرينه (السارد/ الشخصية الرئيسة)، فإن همَّ فليب لوجون  انصب على إبراز بنود الميثاق السيرذاتي ومن ضمنها، تطابق المؤلف (الذي يحيل اسمه  على شخصية واقعية) والسارد؛ أي تطابق الهويات السردية للأطراف الثلاثة (الكاتب والسارد والشخصية الرئيسة).

علاوة على ذلك تعرضت الأيدولوجيا السيرذاتية إلى كثير من الانتقادات رغم أن أنصارها لم يكونوا سذاجا إلى درجة اعتبارها "نشرا للغسيل" أو "فضحا للأسرار، ومن بين الانتقادات الموجهة إليها صعوبة  قول الحقيقة بدعوى الرقابة التي يمارسها الكاتب على نفسه، واحترازه من إيذاء الآخرين، وتوجسه من المس بحياتهم الخاصة (مناطق الحساسية)، ولذا آثروا عليها الرواية والتخييل الذاتي لما يتيحانه من إمكانيات تعبيرية وطاقات تخييلية لقول الحقيقة دون خوف أو وجل. يقول جون بول سارتر -في هذا الصدد-: "لقد حان الوقت أخيرا لكي أقول الحقيقة، لكن لا يمكن أن  أقولها إلا في عمل تخييلي"([v]).

3- مغالطة القراء

يقول صاحب المقال بلغة ركيكة ومُثبَّحة "وإن كان محمد الداهي خلط بين الأنواع التي تنتمي إلى هذا النوع وبين أخرى تندرج تحت نوع السيرة الذاتية، فأدرج "سبعون" ميخائيل نعيمة، و"رحلة جبلية رحلة صعبة لفدوى طوقان.. وهو أمر صعب، لا يمكن تقبله بسهولة؛ فمجمل هذه الأعمال تناول المسيرة الحياتية بإسهاب شديد، وهو ما لا تلتزم به السيرة الفكرية".

يبدو -من خلال هذا القول- أن صاحبنا ممدوح فرج النابي يهرف بما لا يعرف، ويصدر أحكاما على عواهنها، وينساق مع ريح أهوائه دون التحري في المصادر والمراجع التي ترد جزافا في كلامه. وقبل دحض مزاعمه ومغرباته أشير إلى أن السيرالذاتية الفكرية المذكورة أورتُدها على سبيل المثال لا الحصر كغيرها من الأمثلة عربية أكانت أم غربية، قديمة أكانت أم حديثة حرصا على استخلاص "النموذج البنائي"(Modèle structurel) الذي يمكن أن ينطبق على طبقة من النصوص تتقاسم السمات المشتركة، في حين لم يتطرق صاحب المقال بمكر أو جهل إلى الأعمال التي حللتها بصفتها عماد المتن المعتمد وقوامه، ومن ضمنها أذكر:  "المنقذ من الضلال" للغزالي، و"حي ابن يقظان" لابن طفيل، و"أنا" للعقاد، و"أوراق" لعبد الله العروي و"شارع الأميرات" لجبرا  إبراهيم جبرا. وأكتفي بمثالين دالين لتأكيد الخلط والالتباس الذي وقع فيهما صاحبنا من حيث لا يعلم.

أستشهد بداية بمقتطف من "سبعون"، يبين فيه ميخائيل نعيمة الأسباب التي جعلته يكتب في هذا اللون بالذات من الكتابة عن الذات، ويعلل أيضا ما حفزه على اعتماد "الحياة الفكرية" عوض        "الحياة الخاصة". ويتضح من خلال هذه المقدمة ومجريات الأحداث أن ميخائيل نعيمة ركز على ما يمت بصلة إلى مساره التعليمي من خلال ثلاث مراحل، وهي: من الطفولة حتى نهاية الدراسة في روسيا، ثم من هجرته إلى الولايات المتحدة الأمريكية إلى حين عودته منها، ثم منذ عودته إلى الفترة التي باشر فيها كتابة سيرته الذاتية الفكرية.

"أعطيهم [القراء] من زاد قلبي وفكري، إذا ما خيل إلي أن فيه زادا صالحا لقلوبهم وأفكارهم. أما حياتي" الخاصة": من أين أرتزق، وماذا آكل وأشرب وألبس، وكيف أنام وأقوم وأعمل. ومن هم أمي وأبي وإخواني وأخواتي، وأجدادي وأعمامي وعماتي، وأخوالي وخالاتي، وخلاني وأعدائي، وكيف عاملتهم وعاملوني، وماذا كان بينهم وبين نساء أحببتهن وأحببنني، وكيف ومتى حزنت وبكيت ومتى فرحت وضحكت. أما هذه الأمور كلها، وكثير من نوعها. فما ظننت يوما أن للناس أي نفع في معرفتها لذلك أهملتها الإهمال كله في كتاباتي.. لكن فضول قرائي -وهو فضول مغفور ومشكور- يأبى الاكتفاء بمشاركتي في حياتي الفكرية، إنهم يريدون أن يعرفوا التربة التي نبتت فيها هذه الأفكار، والأجواء التي فيها تبلورت، والأسس التي تقوم عليها، والعقبات التي واجهتها وذللتها، والتي واجهتها ولم تذللها بعد. وإلى أي حد تساير حياتي أفكاري. وإلى أي حد تغايرها"([vi]).

تميز فدوى طوقان -في سيرتها الذاتية الفكرية ( الجزء الأول)([vii])- بين "مغامراتها الصغيرة" التي تهم بداية اكتشافها الحياة الخارجية، ولا تستوعب إلا صفحات معدودات، و"مغامراتها الأدبية" التي تبين من خلالها كيف تورطت وانغمرت في عشق الشعر خصوصا وحب الأدب العربي عموما.  تدور "المغامرات الصغيرة" حول وقائع بعينها عاينتها الطفلة فدوى في قلب نابلس (معاينة تأسيس الحركة القومية العربية، شعورها بالتذمر من جراء سخرية الآخرين من شحوبها المرضي، امتعاضها من موت ابنة عمها "شهيرة" بسبب داء الروماتيزم، مصاحبة علياء وأمها إلى المزارات ومقامات الأولياء والدراويش) في حين تدور "المغامرات الفكرية" التي تتقاطع مع نمو الذات ومجريات التاريخ الفلسطيني المعاصر. وفي مقدمة المغامرات التي اكترثت بها بيان العوامل التي أسعفتها على نظم الشعر، وجعلتها تندفع بكل أحاسيسها إلى ولوج مملكة الأدب الفيحاء. أكرهها أخوها يوسف على ملازمة البيت والانقطاع عن الدراسة بسبب تورطها في شبهة الحب. وجاء الفرج على يد أخيها طوقان الذي عاد إلى نابلس من الجامعة الأمريكية لممارسة التعليم، فبدأ سطر جديد في حياتها، إذ شد أخوها من أزرها، وقوى عزيمتها، وحفزها على نظم الشعر وتحسينه، وشجعها على قراءة مؤلفات سلامة موسى وعباس محمود العقاد وإبراهيم المازني. وكبر فضولها بمرور الزمن لاكتشاف عالم الشعر الرحب وخاصة ما نظمه الشعراء المحدثون، إلى أن وجدت ضالتها في شعر التفعيلة الذي دشنته نازك الملائكة، لما يتيحه من إمكانات للتحرر من القيود العروضية. وعلاوة على مواكبة الشعر ونظمه وجدت في الرواية حصيلة معرفية ثرَّة، من فكر وشعر وفلسفة وتحليل نفسي. ومن يتابع المسار الفكري لفدوى طوقان يُفاجأ بقوة شخصيتها، ومتانة طموحها، وحصافة عصاميتها لتخطي الصعاب وصعود الجبال. فلم يمنعها الحرمان من الدراسة الأكاديمية على إدمان القراءة، وتنمية قدراتها الثقافية. "أنا أقرأ فأنا موجودة. ظللت قارئة شرهة. وقد نمى هذه الشراهة حرماني من الدراسة الأكاديمية. فالإنسان الطموح يظل ينطوي على مرارة مصدرها الفراغ الذي يتركه في النفس الحرمان المبكر من المدرسة. هناك يتحول إلى (دودة الكتب)"([viii]). ومن أجمل اللحظات الفكرية والثقافية في حياتها ما عاشته في انجلترا (وخاصة بين أروقة جامعة أكسفورد العريقة ومدرسة سوان) في ضيافة أخيها فاروق أواخر مارس من عام 1963. وقبل مجيئها إلى أكسفورد التي قضت فيها ما ينيف على عشرة أيام تلقت من أخيها رسائل في غاية الأهمية لأنها تكشف عن انشغالاته الثقافية وعن التكليفات والأبحاث التي ينبغي له أن ينجزها في مشواره الجامعي.

4- الذات بين الوجود والإيجاد

وعندما يتناول ممدوح النابي السيرة الذاتية الفكرية لبنسالم حميش "الذات بين الوجود والإيجاد"، يكتفي بنتف منها مما يبين قصر نظره أو اكتفاءه كعادته بقراءة ما يكتب عن الكتب عوض قراءتها وهذا أحد الأسباب التي أدت في نظر نزفيتان تودورف إلى تأزيم الأدب (الأدب في خطر) بسبب تهافت أشباه القراء عليه دون دراية بمشاقه ومصاعبه وفق المثل السائر (المية تكذب الغطاس). وبالمناسبة إن القارئ الحقيقي هو من يقرأ المعلومات في مظانها ويثير نقاشا حولها لفهم الوضع الإنساني عوض أن يتحول إلى قارئ مختزل أو حسر البصر أو مرمق أو تقنوي. فصاحبنا مر مرور الكرام على صفاحات الكتاب دون أن يفهم محتوياتها، ويضعها في سياقها الطبيعي، ويتعقبها بتأن وترو. فهو مثلا لم يستوعب مرامي بنسالم حميش من مساءلة المشروع السيرذاتي في المقدمة. أهو مع دعاة الإيديولوجيا السيرذاتية أم من مناهضيها؟ أ هو ممن يبجلون الذات أم ممن يستكرهونها أو يمقتونها سيرا على نهج بليز باسكال؟  أشار صاحبنا -في لمح البصر- إلى طفولة حميش دون أن يتوقف عند ميعة المراهقة والشباب وخاصة مرحلة النضج التي استأثرت بحصة الأسد في الكتاب، لأن بنسالم حميش كان يستعجل القلم للوصول إليها حرصا منه على بيان كيف أضحى علما يشار إليه بالبنان في الفلسفة والرواية والسجلات الأدبية. يكتفي صاحبنا-لنزقه وضعف عدته النقدية والشعرية- بتلخيص العمل بشكل مبتسر ومربك عوض أن يحلله بأدوات نقدية سعيا إلى مناقشة القضايا الآتية التي تناسب خصوصيته: لماذا غلب حميش الميتاتخييل على السرد؟ ولماذا لم يتوسع في "محكي الطفولة والمراهقة" وكرس معظم الكتاب لمرحلة النضج؟ ما الأسباب التي جعلته يؤثر "النرجسية السردية" بحسب لندا هتشون Linda Hutcheon؟ ويغلب في الآن نفسه الإحالية الذاتية (Autoréférentialité) على حبك قصة محتملة الوقوع؟ ولماذا باشر كتابة سيرته الذاتية الفكرية بعد إصدار ثلاث عشرة رواية لحد الآن؟

ومما يبين أن صاحبنا يعمم الأحكام دون تحرّ، ويقرأ الكتاب -إن قرأه فعلا- على عجل، أذكر على سبيل المثال لا الحصر: يقول إن حميش يدين للعروي بالتلمذة الجامعية في حين يغفل فضل محمد عزيز الحبابي وحسن المنيعي وعبد الكبير الخطيبي وماكسيم رودنسون عليه، ويدعي أن كل المعلمين الفرنسيين كانوا عنصريين واستعماريين في حين يشيد حميش بالدور الإيجابي لبعضهم. "أما في سنة البكالوريا اللاحقة فقد اكتشفت ميولي الفلسفي بفضل أستاذين فرنسييين كوكس ولومير، إذ  كانا  يقرآن على التلاميذ إنشاءاتي للتمثيل بها والاقتداء"([ix]).

ويقول في نهاية مقاله كلاما غريبا يبين سجيته وطبعه من جهة واستعلائيته من جهة ثانية (التحدث بصيغة الوجوب والإلزام). "تماثل الحاجة إلى كتابة السيرة الفكرية الحاجة إلى كتابة السيرة الذاتية لما فيها من نفع للدارس والباحث معا، لكن على الكتاب أن يخففوا من نبرة الأنا، والافتخار بتخطي الصعاب، فهذه أشياء لا حاجة للتنويه بها، بقدر ما يستخلصه القارئ بنفسه، وأيضا الابتعاد عن تلخيص كتبهم، وإنما الاكتفاء باستعراض دواعي الكتابة والمناهج المستخدمة، لأنها أفيد للقارئ". فهذا الكلام وغيره يحتاج -علاوة على إعادة الصياغة حتى يستقيم المعنى- إلى مراجعة جذرية لأن صاحبنا يخوض في أشياء بنوع من العبث واللامبالاة متوهما أن كل من يكتب على الانترنيت فهو كاتب أو ناقد معتمد، وأن كل ما ينشر أمر سائغ وعملة متداولة، ويتناسى أن هناك "مؤسسة أدبية رقمية" محترمة تحرص على تمييز الجيد من الرديء، وأن مئات من المبحرين يتابعون ما ينشر بروح نقدية، ويغربلونه لاستبعاد الحسافة عنه، والاقتصار على الثمر أو حب القمح الجيد.

5- السيرة الذاتية الروائية

يشير محمود النابي-في بداية مقاله- إلى السيرة الروائية دون أن يُعرِّف بها، أو يقدم مثالا عنها، أو يوحي على الأقل بأنه يتحرك في مجالها النقدي الذي يؤطرها. يورد هذا الكلام الفضفاض الذي تلتبس فيه المفاهيم: ("رواية السيرة الذاتية"، ثم يقول في الفقرة نفسها: "رواية السيرة" دون أن يعلم أنه ينتقل من نوع أدبي إلى آخر). من جهة أخرى، يطلق الأحكام جزافا. فكل الأعمال الأدبية تتخذ الخيال-بدرجات متفاوتة- قناعا ما دامت تنقل بالوساطة اللغوية، وكم ردد رولان بارث على مسامعنا أن "اللغة لا تنسخ الواقع". وكان حريا بمحمود النابي أن يعود إلى المصادر أو المراجع التي تعني بالتعريف بهذا النوع من الكتابة عن الذات؛ أي السيرة الذاتية الروائية. ومن ضمنها الكتاب الكلاسيكي (الميثاق السيرذاتي) لفليب لوجون الذي ميز بين الرواية والسيرة الذاتية باعتمادهما على ميثاقين متباينين (الميثاق الاستيهامي والميثاق السيرذاتي)، ومؤلفات فليب كاصباريني الذي تخصص في تمييز السيرة الذاتية عن الأنواع المتاخمة لها والملتبسة بها (وفي مقدمتها التخييل الذاتية والسيرة الذاتية التخيلية، والرواية السيرذاتية)، وأحيل صاحبنا  إلى الجدول التوضيحي([x]) الذي أورده الباحث نفسه لإبراز مميزات الرواية السيرذاتية، ويمكن أن أجملها فيما يلي: الهوية الاسمية للكاتب/ السارد اختيارية (جزئية في غالب الأحيان، وتامة أحيانا)، تكون باقي عمليات تحديد الهوية ضرورية، تلتبس الهوية التعاقدية أو التخييلية (محتمل الوقوع) لاتسامها بمؤشرات متناقضة.

أكتفي بهذا القدر رغم أن المقال كله يحتاج إلى مساءلة ومراجعة لتضمنه معلومات مغلوطة وانطباعات متسرعة. وليس هدفي من إثارة هذا النقاش معه التنقيص من قيمته وصيته، بل أردت أن أدعوه إلى التحلي بمزيد من المسؤولية فيما ينشره حرصا على نقل المعلومات وتحليلها بأمانة ونزاهة. فهو بهذا الصنيع قد يجني على كثير من الطلبة الأبرياء الذي يحصدون كل ما يجدونه أمامهم، وينبهرون به دون التحري في صحته وملاءمته وجدواه.

 

 

[i]- طه حسين، فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، المجموعة الكاملة، العدد الثامن (علم الاجتماع)، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ترجمة محمد عبد الله عنان، ط2، 1975، ص14.

[ii]- Philippe Lejeune, écrire sa vie, éd. Méconduit, 2015, p17.

[iii]- للتفصيل عد إلى ما كتبته عن طرح ماري داريوسيك (Marie Darrieussecq) في كتابي: الحقيقة الملتبسة قراءة في أشكال الكتابة عن الذات، منشورات المدارس، الدار البيضاء، ط1، 2007، ص161.

[iv]- Philippe Lejeune, écrire sa vie, op., cit, p17.

[v]- Interview accordée à Michel Contact, Nouvel Observateur, n°23 juin 1975.

[vi]- ميخائيل نعية، سبعون حكاية عمر، ج1، مؤسسة نوفل، بيروت، ط5، 1977، ص ص9-10.

[vii]- فدوى طوقان، رحلة جبلية رحلة صعبة، سيرة ذاتية، دار الشروق للنشر والتوزيع، ط2، 2005.

[viii]- المصدر نفسه، ص153.

[ix]- بنسالم حميش، الوجود والإيجاد، سيرة ذاتية، المركز الثقافي للكتاب، ط1، 2019، ص19.

[x]- Philippe Gasparini, Est-il je? Roman autobiographique et autofiction; éd. Seuil,2004, p27.

  

د. محمد الداهي

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2020/03/25



كتابة تعليق لموضوع : مغالطات حول السيرة الفكرية
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان

البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق عمار الزيادي ، على كورونا هل هي قدر الهي ؟ - للكاتب سامي جواد كاظم : ذكرت الدول كلها...لكنك لم تذكر ايران

 
علّق التمرد على النص ، على عظائمُ الدهور لأَبي علي الدُّبَـْيزي: - للكاتب د . علي عبد الفتاح : فكيف بأمير المؤمنين علي ع

 
علّق محمد جعفر الكيشوان الموسوي ، على يوم الله العالمي.. إلهي العفو - للكاتب محمد جعفر الكيشوان الموسوي : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته العلوية المهذبة إبنتنا الراقية مريم محمد جعفر أشكر مرورك الكريم وتعليقك الواعي نسأل الله أن يغيّر الله حالنا إلى أحسن حال ويجنبنا وإيّاكم مضلات الفتن. وأن يرينا جميعاً بمحمدٍ وآل محمد السرور والفرج. إسلمي لنا سيدتي المتألقة بمجاورتك للحسين عليه السلام. الشكر الجزيل لأدارة الموقع الكريم دمتم بخيرٍ وعافيةٍ جميعا

 
علّق مريم محمد جعفر الكيشوان ، على يوم الله العالمي.. إلهي العفو - للكاتب محمد جعفر الكيشوان الموسوي : السلام عليكم ابي العزيز والكاتب القدير. حفظك الله من كل سوء، وسدد خطاك. كل ما كتبته هو واقع حالنا اليوم. نسال الله المغفرة وحسن العاقبة❤❤

 
علّق دسعد الحداد ، على علي الصفار الكربلائي يؤرخ لفتوى المرجعية بقصيدة ( فتوى العطاء ) - للكاتب علي الصفار الكربلائي : بوركت ... ووفقك الله اخي العزيز استاذ علي الصفار

 
علّق الحزم ، على الفتنة التي أشعل فتيل آل سعود لا تخمد! - للكاتب سيد صباح بهباني : يا مسلم يا مؤمن هيا نلعن قرناء الشيطان آل سعود. اللهم يا رافع السماء بلا عمد، مثبت الارض بلا وتد، يا من خلقت السموات والأرض في ستة ايام ثم استويت على العرش، يا من لا يعجزه شئ في الارض ولا في السماء، يا من اذا أراد شيئا قال له كن فيكون، اللهم دمر ال سعود، فهم قوم سوء اشرار فجار، اللهم اهلكهم بالطاغية، اللهم وأرسل عليهم ريح صرصر عاتية ولا تجعل لهم من باقية، اللهم اغرقهم كما اغرقت فرعون، واخسف بهم كما خسفت بقارون، اللهم اسلك بهم في قعر وادي سقر، ولا تبق منهم ولا تذر، اللهم لقد عاثوا فسادا في ارضك فحق عقابك. اللهم العن آل سعود، اللهم العن الصعلوك سلمان بن عبد العزيز، اللهم العن السفيه محمد ابن سلمان، اللهم العن كل ابناء سلمان. اللهم العن آل سعود والعن كل من والى آل سعود.

 
علّق حفيظ ، على أثر الذكاء التنافسي وإدارة المعرفة في تحقيق الميزة التنافسية المستدامة مدخل تكاملي شركة زين للاتصالات – العراق انموذجا ( 1 ) - للكاتب د . رزاق مخور الغراوي : كيف احصل نسخة من هذا البحث لاغراض بحثية و شكرا

 
علّق سحر الشامي ، على حوار المسرح مع الكاتبة العراقية سحر الشامي - للكاتب عدي المختار : الف شكر استاذ عدي على هذا النشر، سلمت ودمت

 
علّق د.ضرغام خالد ابو كلل ، على هذه هي المعرفة - للكاتب د . أحمد العلياوي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته تحية لكم اخوتي الكرام ... القصة جميلة وفيها مضامين جميلة...حفظ الله السيد علي الاسبزواري ...ووفق الله تعالى اهل الخير

 
علّق خالد ، على من أخلاق الرسول الكريم (ص).. وقصة سفانة بنت حاتم الطائي - للكاتب انعام عبد الهادي البابي : قال عنه الالباني حديث موضوع

 
علّق مؤسسة الشموس الإعلامية ، على اثار الإجراءات الاحترازية على السياحة الدينية في سوريا - للكاتب قاسم خشان الركابي : أسرة الموقع الكرام نهديكم أطيب تحياتنا نتشرف ان نقدم الشكر والتقدير لأسرة التحرير لاختيار الشخصيات الوطنية والمهنية وان يتم تبديل الصور للشخصية لكل الكتابونحن نتطلع إلى تعاون مستقبلي مثمر وان إطار هذا التعاون يتطلب قبول مقترنا على وضع الكتاب ب ثلاث درجات الاولى من هم الرواد والمتميزين دوليا وإقليمية ثانية أ والثانية ب

 
علّق احمد لطيف الزيادي ، على وباء كورونا والانتظار   - للكاتب الشيخ عطشان الماجدي : جزاك الله خير الجزاء شيخنا الكريم،لقد كان هذا الوباءتمحيص آخر كشف لنا فئة جديدة من أتباع الاهواء الذين خالفو نأئب أمامهم الحجة في الالتزام بالتوجيهات الطبية لاهل الاختصاص وأخذا الامر بجدية وان لايكونو عوامل لنشر المرض كونه من الاسباب الطبيعية.

 
علّق سيد صادق الغالبي ، على وباء كورونا والانتظار   - للكاتب الشيخ عطشان الماجدي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا الجليل جزاكم الله خيرا على هذه المقالة التي نشرها موقع كتابات في الميزان ما فهمناه منكم أن هذا الوباء هو مقدمة لظهور الأمام صاحب الزمان عجل الله فرجه هل فهمنا لكلامكم في محله أم يوجد رأي لكم بذلك وهل نحن نقترب من زمن الظهور المقدس. أردنا نشر الأجابة للفائدة. أجاب سماحة الشيخ عطشان الماجدي( حفظه الله ) وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الجواب ان شاء ألله تعالى : .نحن لا نقول مقدمة للظهور بل :- 1. التأكيد على المؤمن المنتظِر ان يتعلم من التجارب وان يحيط علما بما يدور من حوله كي يكون على أهبة الإستعداد القصوى متى ما حصل طاريء أو طلب منه تأدية لواجب... 2. ومنها هذا الوباء الخطير إذ يمكن للسفياني ومن وراه ان يستعمله هو او غيره ضد قواعد الامام المهدي عجل ألله تعالى فرجه الشريف . 3. يقطعون شبكات التواصل الاجتماعي وغيرها . نتعلم كيفية التعامل مع الأحداث المشابهة من خلال فتوى المرجع الأعلى الإمام السيستاني مد ظله . 4. حينما حصل الوباء ومنع السفر قدحت بذهننا ان ال(313) يمكن أن يجتمعوا هكذا...

 
علّق الفريق المدني لرعاية الصحفيين ، على اثار الإجراءات الاحترازية على السياحة الدينية في سوريا - للكاتب قاسم خشان الركابي : تسجيل الجامع الأموي والمرقد الشريف على لائحة التراث الكاتب سجل موقفا عربي كبير لغرض تشكيل لجنة كبيره لغرض الاستعداد لاتخاذ الإجراءات التي توثق على لائحة التراث وسجل موقفا كبيرا اخر حيث دعى الى تشكيل فريق متابعة للعاملين في سمات الدخول في ظل الظروف

 
علّق سعيد العذاري ، على رسول الله يعفو عن الجاسوس (!) - للكاتب محمد تقي الذاكري : احسنت التفصيل والتحليل ان العفو عنه جاء بعد ان ثبت ان اخباره لم تصل ولم تترتب عليها اثار سلبية .

الكتّاب :

صفحة الكاتب : صباح مهدي السلماوي
صفحة الكاتب :
  صباح مهدي السلماوي


للإطلاع على كافة الكتّاب إضغط هنا

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

كتابات متنوعة :



 العراقيون ولعبة الادوار المركبة  : حميد الموسوي

 ولدي مهجة قلبي...!!  : كريم مرزة الاسدي

 البشرية بين مَوتٍ وبائيٍّ ،وأنانيةٍ أعقد يا أمة تضحك من جهلها الامم  : د . سمير ايوب

 شرطة المثنى وعشائر بني حجيم تنظم وقفة في مدخل المحافظة الجنوبي  : وزارة الداخلية العراقية

 للتسلية فقط.....مقارنة بسيطة بين زين الهاربين بن علي وبطل الحفرة القومية صدام حسين!!  : د . عباس الامامي

 تعادل يقرب السعودية والإمارات من المربع الذهبي بكأس الخليج

 توجيه عدد من الدعوات لشخصيات سودانية بواسطة السفير السوداني في العراق  : مهرجان الغدير العالمي الاول

 التجارة... تجهز محافظة نينوى بكمية 11389 كيس طحين ضمن الحصة التموينية  : اعلام وزارة التجارة

 التربية : تطور ملاكاتها التدريسية وتنظم دورة (TOT) في ميسان  : وزارة التربية العراقية

 التجارة تتابع اجراءات ايصال المواد الغذائية لمناطق الحويجة والشرقاط المحررة وتأهيل ابنيتها  : اعلام وزارة التجارة

 سيرةُ ذات من حبّ كبير!!  : عماد يونس فغالي

 الاستراتيجية الفلسطينية في مواجهة حقبة ترامب  : د . مصطفى يوسف اللداوي

 رئيس مجلس محافظة ميسان يستقبل لجنة متابعة حقوق منتسبي القطاع النفطي ويطلع على الية عملهم  : اعلام مجلس محافظة ميسان

 المفهوم الآخر للفقر!  : الشيخ ليث الكربلائي

 مجلس النواب يستأنف جلساته اليوم بالقراءة الأولى لمشروع قانون الموازنة

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على [email protected]

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net