صفحة الكاتب : صادق مهدي حسن

هَكَذا قَدَّس الحُسَينٌ الصلاة
صادق مهدي حسن

 كانَ صَليلُ السّيوفِ يَأخُذُ بمجامِعِ الألباب ،وَسِهامُ البُغاةِ النّاكِثينَ تَتَهاوى بِغَزارَةِ المَطَرِ، وَالأجْسادُ الطَّواهرُ الزَّواكي مُتَناثِرَةٌ في أرجاءِ الصَّحراءِ تَسْقِي الأرضَ المُجدِبَةَ بِدِماءِ الحُرِّيَةِ وَالكَرامَة وَقَد أخَذَ الحَرُّ مِنْ أولئِكِ الصَّفوَةِ مَأخَذَهُ فَيَصْبِرُ الأبطالُ ، وَيَصرُخُ الأطفالُ : العَطَش..العَطَش!! فللّهِ صَبرُكَ سَيِّدي يا جَبَل الصَّبرِ يا أبا عَبْدِ الله.
     إنَّها ظَهيرَةُ العاشِرِ مِنْ مُحَرَّمِ والشَّمْسُ عَلى وَشَكِ الزَّوال..وَهُنا يَلتَفِتُ (أبو ثُمامَة الصّائِدي) للإمامِ الحُسَينِ عليه السَّلام ويَقولُ :(يا أبا عَبدِ اللهِ ، نَفسِي لَكَ الفِداءُ ، إنّي أرى هؤُلاءِ قَدِ اقتَرَبوا مِنكَ ، وَلا واللهِ لا تُقتَلُ حَتّى اُقتَلَ دونَكَ إنْ شاءَ اللهُ ، واُحِبُّ أَنْ ألقى رَبِّي وقَد صَلَّيتُ هذِهِ الصَّلاةَ الَّتي دَنا وَقتُها) ،فَرَفَعَ الحُسَينُ رَأسَهُ ثُمَّ قالَ:(ذَكَرتَ الصَّلاةَ ،جَعَلَكَ اللهُ مِنَ المُصَلّينَ الذَّاكِرينَ،نَعَم هذا أوَّلُ وَقتِها )..كانَ الخَطَرُ مُحدِقَاً بالجَّميعِ وَلكِنَّهُم أدَّوا الصَّلاة مَعَ كُلِّ ما يَجري حَولَهُم مِنْ خُطُوب.
       إنَّهُ دَرْسٌ عَظِيمٌ مِنْ دُروسِ مَدرَسَةِ عاشوراءِ الشَّهادَة.. لَمْ يُجِب الحُسَينُ (عليه السلام) ذلكَ الرَّجُلَ بالقَول: ((وَهَلْ هذا وَقتُ صَلاةٍ فَنَحنُ نَخوضُ غِمارَ حَربٍ طاحَنَةٍ دامِيَة !!)) بَلْ دَعا الله لَهُ أنْ يَجعَلَهُ (مِنَ المُصَلّينَ الذَّاكِرينَ)، وَبادَر إلى الصّلاةِ فَهيَ الهَدَفُ الأسمى لِتِلْكَ الحَربِ..
انطلاقاً مِنْ هذا المَوقِفِ الكَريم ، وَنَحنُ نَعيشُ ذكرى الحُسَينِ وَأهْلِ بَيتِه (سَلامُ الله عَلَيهِم أجمَعِين) في شَهْرَي مُحَرَّم وَصَفَر حَيْثُ زيارَة عاشوراء وَالزَّيارَة الأربَعينيَّة (زادَهما الله شَرَفَاً وَرِفعَةً)..لابُدَّ لَنا مِنْ كَلِمَةٍ مَعَ أَحبابِ الحُسَينِ عمومَاً، وزوّارِه الكِرامِ عَلى وَجهِ الخُصوص (( فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ )).
     يَقولُ تَعالى : ((ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)) ، نَعم أَيُّهَا الأَحِبَّةُ في الله إِنَّ زِيارَةَ الحُسَينِ هِيَ مِنْ شَعائِرِ الله العَظِيمَةِ.. فَهِيَ زيارَةٌ لِرَسُولِ الله بَلْ هِيَ زيارَةٌ لله في عَرْشِهِ كَما وَرَدَ في جُمْلَةٍ مِنَ الرِّوايَات.. وَلأَجْلِ أَنْ نَكُونَ زُوّارَاً مَقْبولِينَ وَمَرضِيّينَ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ أَولِياءِهِ فَلا بُدَّ أَنْ نَأتَمِرَ بَما أَمَرَنا بِهِ رَسُولُ الله وَأَهْلِ بَيتِه (صَلواتُ الله عَلَيهِم أَجْمَعِين)..وَلاشَكَّ أَنَّ الصَّلاةَ هِيَ أَعْظَمُ شَعِيرَةٍ فَرَضَها اللهُ تَعالى عَلى عِبادِهِ ..وَقَدْ وَرَدَ عَنْ الإمامِ الباقِرِ (عَلَيهِ السّلام) : ((إِنَّ أَوَّلَ ما يُحاسَبُ بِهِ العَبْدُ الصَّلاة فَإنْ قُبِلَتْ قُبِلَ ما سِواها ، وَإِنَّ الصَّلاةَ إذا ارتَفَعَتْ في وَقتِها رَجَعَتْ إلى صاحِبِها وَهيَ بَيضاءُ مَشرِقَةٌ تَقُولُ: حَفِظْتَنِي حَفِظَكَ اللهُ، وَإذا ارتَفَعَتْ في غَيرِ وَقتِها بِغَيرِ حُدُودِها رَجَعَتْ إلى صاحِبِها وَهيَ سَوداءُ مُظلِمَةٌ تَقُولُ: ضَيَّعْتَنِي ضَيَّعَكَ الله))..وَيقولُ الإمامُ الصّادِقُ (عَلَيهِ السَّلامُ) : (امتَحِنوا شيعَتَنا عِندَ مَواقيتِ الصَّلاةِ كَيفَ مُحافَظَتُهُم عَلَيها)..وَقالَ في حَديثٍ آخَر : (فَضْلُ الوَقْتِ الأوَّلِ عَلى الوَقْتِ الأخِيرِ كَفَضْلِ الآخِرَةِ عَلى الدُّنيا)..ومِمّا وَرَدَ في الرَّواياتِ أنَّ الله يَبتَلي مَنْ تَهاوَنَ بِصلاتِهِ بِخِصالٍ وَمِنْها ((يَرفَعُ الله البَرَكَةَ مِنْ عُمُرِهِ وَمِنْ رِزقِهِ، وَيَمْحُو الله تَعالى سِيماءَ الصّالِحِينَ مِنْ وَجْهِهِ، وَكُلُّ عَمَلٍ يَعمَلُهُ لا يُؤجَرُ عَلَيه، وَلا يَرتَفِعُ دُعائُهُ إلى السَّماءِ، وَلَيسَ لَه حَظُّ في دُعاءِ الصّالِحينَ، وَيَموتُ ذَليلاً وَجائِعَاً وَعَطشانَاً فَلَو سُقِيَ مِنْ أَنهارِ الدُّنيا لَمْ يَروّ عَطَشَهُ، وَيوكِّل الله بِه مَلَكَاً يُزعِجهُ في قَبرِهِ، وَيُضيّقُ عَلَيهِ قَبرَهُ وَتَكونُ الظُلمَةُ في قَبرِهِ،وَيُوكِّلُ الله به مَلَكَاً يَسْحَبُهُ عَلى وَجهِهِ وَالخَلائِقُ يَنظُرونَ إلَيهِ، وَيُحاسَبُ حِسابَاً شَديدَاً، وَلا يَنْظُرُ الله إلَيهِ وَلا يُزَكِّيهِ وَلَهُ عَذابٌ أَليْم)) ..وَمِن كَلامٍ لأحَدِ عُلَمائِنا :( أنّ أوقاتَ الصَّلاةِ هِيَ أوقاتُ الحُضُورِ في جَنابِ القُدسِ بِحَضرَةِ ذي الجَلالِ ، وَأَنَّ الحَقَّ تَعالى مَلِكُ المُلُوكِ وَالعَظيم المُطلَق في تِلْكَ الأوقاتِ دَعا عَبْدَهُ الضَّعِيفِ الَّذي هُوَ لا شَيء إلى مُناجاتِهِ وأَذِنَ لَهُ بالدُخولِ إلى دارِ الكَرامَةِ حَتّى يَفوزَ بالسَّعادةِ الأبَديَّة ويَجِدَ السُّرورَ وَالبَهجَةِ الدّائِميَّة). فَلنَسمَع وَنَتَّعِظ !
    فَيا أَيُّها الزّاحِفُونَ كَالسَّيلِ إلى ثَرى الحُسَينِ (عَلَيهِ السَّلام): سَدَّدَ الله خُطاكُم إلى كُلِّ خَيرٍ وَبَرَكَةٍ وَرَحمَةٍ..ضَعُوا نُصبَ أَعيُنكًُم قَولَ الله العَظِيم في كِتابِهِ الكَريم ((إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا))،وَلا تَنسَوا هذا الدَّرسَ مِنْ إمامِكُم..فَلنَتَوقَّف عَنْ المَشي وَإقامَةِ العَزاءِ في أوقاتِ الصَّلاةِ كَما تَوَقَّفَ الحُسَينُ وَأَهْلُ بَيتِه وَصَحبِهِ عَنِ القِتالِ في ذلكَ اليَومِ المَشهودِ..وَلنَكُنْ مِنَ المُصَلّينَ الذَّاكِرينَ ((الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ))..ونُقَدِّسَ وَقتَ الصَّلاةِ كَما قَدَّسَه سَيِّد الشُّهَداءِ (سلام الله عليه) وَهوَ في أَحلَكِ الظُّروفِ وَأَصْعَبِها.. فَفِي أداءِ الصّلاةِ في وَقتِها أَعظُمُ نُصرةٍ للحُسَينِ(عليه السلام) الَّذي وَهَبَ كُلَّ وَأَعزَّ ما لَدَيهِ مِنْ أَجْلِ الصَّلاة، وأعلَمُوا أَنَّ صَوتَ الأذانِ هُوَِ بمَثابَةِ نِداءِ الحُرّيَةِ ..وَالنَّسيمُ الَّذي يَهَبُ الحَياةَ لِروحِ الإستِقلالِ والمَجد، وَيُثيرُ الرُّعبَ وَالخَوفَ في نُفوسَ الأعداءِ الحاقِدينَ، ويُعتَبرُ رَمزَاً مِنْ رُموزِ بَقاء الإِسلام"0
--------------------
صادق مهدي حسن / ناحية الكفل / المهنة: مدرس- اللغة الإنكليزية
مهتم بالثقافة العامة والثقافة الإسلامية على وجه الخصوص
 

صادق مهدي حسن
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2011/12/02





كتابة تعليق لموضوع : هَكَذا قَدَّس الحُسَينٌ الصلاة
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 

أحدث التعليقات إضافة (عدد : 1)


• (1) - كتب : وائل المسلماوي ، في 2012/03/29 .

احسنت ابو جعفر على هذا المقال الرائع


البحث :



الكتّاب :

صفحة الكاتب : الشيخ حسان منعم
صفحة الكاتب :
  الشيخ حسان منعم


للإطلاع على كافة الكتّاب إضغط هنا

الملفات :

مقالات مهمة :



  لماذا كتابات في الميزان

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 حركة تصحيحية لمنهج السيد كمال الحيدري

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

كتابات متنوعة :



 رابطة الكاتبات المغربيات : الاشجار لا تُـرجَم إلا اذا كانت مثمرة ! (بمناسبة اليوم العالمي للمرأة )  : ياسمينة حَسِبي

  مقتل الامام الحسين عليه السلام مثير الاحزان ومنيرشبل الاشجان تاليف ابن نما الحلي وتحقيق السيد معين الحيدري علي فضيله الشمري

 سرور الهيتاوي :- يعلن عن بدء التسجيل البايومتري للمشمولين بالتصويت الخاص من منتسبي القوات الامنية في محافظة الانبار  : المفوضية العليا المستقلة للانتخابات

 رسالة الى البشرية بشقيها .. المتسلطين.. والمستضعفين .. إعرفوا حجمكم !!  : فؤاد المازني

 صورة البخاتي أذلت كبرياءهم!  : امل الياسري

 النائب الحكيم يدعو الى تشكيل اربع فرق عسكرية من المتطوعين المستقلين لحماية العتبات المقدسة ويؤكد : أمن العراق من أمن العتبات المقدسة  : مكتب النائب د عبد الهادي الحكيم

 ألف مقاتل مسيحي تطوعوا للقتال و 30 الف شخص بالديوانية

 بيان هام لأنصار ثورة 14 فبراير حول الأوضاع والتطورات الراهنة في البحرين وما يحدث من جرائم حرب وإبادة في البحرين وميدان التحرير بالقاهرة هذا نصه:  : انصار ثورة 14 فبراير في البحرين

 مدير عام صندوق الاسكان يحجز معاملات المواطنين الذين تحدثوا للاعلام والوزاره لم ترسل اي رد الى الان  : زهير الفتلاوي

 انا اعرف ان كنت امرأة او انثى ..... تحليل سايكولوجي لمجموعة من العوامل التي تحدد الشخصية  : ايفان علي عثمان الزيباري

 تشديدات أمنية حول مرقد السيدة زينب ترقبا لزيارة الرئيس الإيرانى أحمدى نجاد

  البرازيل والعرب .... شتان بين مشرُّق و مغرِّب!!!!  : د . حميد حسون بجية

 افتتاح معرض الفنانة التشكيلية بادة العبيدي في المملكة الاردنة الهاشمية  : علي فضيله الشمري

 دعم الصناعة الوطنية واجب وطني  : صباح الرسام

 معركة الفلوجة: جدلية الإقصاء والاحتواء  : مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية

إحصاءات :


 • الأقسام : 14 - المواضيع : 86548 - التصفحات : 65287227

 • التاريخ : 16/01/2017 - 21:35

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net