• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : السمات الدلالية في أدعية نبي الله إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) .
                          • الكاتب : الشيخ علي العبادي .

السمات الدلالية في أدعية نبي الله إبراهيم الخليل ( عليه السلام )

 بسم الله الرحمن الرحيم

        .
كنا قد ذكرنا في المقال السابق بأن هنالك تنوع تعبيري وسمات دلالية في أدعية نبي الله إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) كان لها الأثر البارز في إظهار المعنى الذي أراده.وذكرنا واحدة من تلك السمات . وفي هذا المقال نذكر بعضا" من تلك السمات على أن نعود في مناسبات أخر لذكر المزيد منها بإذن الله تعالى. 
السمة الثانية : 
حذف حرف النداء ( الياء ).
     إن المتتبع لأدعية نبي الله إبراهيم (عليه السلام ) يجدها وقد خلت من حرف النداء( الياء). وهذا جائز في اللغة العربية ولعله الراجح عندهم . وبالإضافة إلى جوازه اللغوي وصوره العديدة التي تناولها النحاة في كتبهم إلا إننا سنتجاوز هذا الجانب من الحذف ونركز على الجانب الدلالي. حيث إنا نعتقد بأنه ( عليه السلام )  ابتغى منه دلالة تعبيرية عالية المضمون غير الجانب اللغوي . 
    يقول الشيخ الطوسي - طيب الله ثراه -:
( إنما حذف حرف النداء لما كان أصله تنبيه المنادى ليقبل عليك، وكان الله لايغيب عنه شيء (تعالى الله عن ذلك)  سقط حرف النداء للاستغناء ) (1).
وهذا معناه إن الخليل ( عليه السلام )  لم يخاطب المولى إلا وهو متيقن من التفاته تعالى إليه غير معرض عنه.على اعتبار أن حرف النداء يكون للفت انتباه المخاطب – بالفتح –  إلى المخاطب - بالكسر- . والله تعالى ليس بغائب ولا معرضا" عن خليله  ( عليه السلام )   حتى يستخدم معه ما يسترعي انتباهه لذلك استغنى عن حرف النداء .
    أما الشيرازي المدني فقد ذكر معنى آخر رائع لسبب الحذف في كتابه ( رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ) ما نصه:
( حذف حرف النداء استغناء عنه لاستشعاره كون المنادى مقبلا"عليه سامعا" لما يقول ) (2).
   وعند التدقيق في القولين نلاحظ الفرق بينهما، فالأول بلحاظ المنادى،والذي هو الله تبارك وتعالى. فهو الموجود السامع الذي لايغيب عنه شيء. والثاني بلحاظ المنادي، وهو النبي إبراهيم ( عليه السلام ) .فهو ممن يلتفت إليه، ويسمع منه لمكانته وعلو مقامه. والأول هو المعنى الذي أراد الخليل ( عليه السلام ) إبرازه من خلال حذف حرف النداء ليؤكد لنا بأن الله تعالى ليس منصرفا" ولاغافلا" عنه حتى يحتاج إلى استخدام حرف النداء لألفاته وتنبيهه ؛ إنما هو موجود حاضر يسمع ويرى ولا يحتاج إلى من يلفت نظره . {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ  }البقرة186. فالله تبارك وتعالى قريب منا، بل هو أقرب إلينا من حبل الوريد. هذا معنا نحن عامة البشر، فكيف هو مع نبيه وخليله ( عليه السلام )  ؟ بالتأكيد سيكون أقرب إليه من جميع الخلق. حاله حال الأنبياء والأولياء الصالحين الذين يعيشون حالة مع الله تعالى لا يعرفها إلا هم صلوات الله عليهم أجمعين.
ولعل هذا المعنى نجده جليا" وواضحا" في دعاء سيد الشهداء مولانا الأمام الحسين ( عليه السلام ) وهو يسطر بأحرف من نور تلك الكلمات الربانية والأنوار الإلهية مخاطبا" المولى تبارك وتعالى بقوله : 
 ( الهي ترددي في الآثار يوجب بعد المزار، فاجمعني عليك بخدمة توصلني إليك. كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك. أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك. متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك. ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك ) (3).
ولذلك لاتري في خطاب النبي إبراهيم الخليل لله تعالى خطابا" مبدوء" بحرف النداء ( الياء ) لعلمه ويقينه بحضوره الدائم المبارك معه. كيف لا وهو القائل : {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ  }الحديد4.
    أما المعنى الثاني الذي استظهره المدني الشيرازي فيبين مكانة النبي الخليل ( عليه السلام ) وأنه ممن له مكانة عند الله تعالى بحيث لايحتاج إلى در عطف المولى لألفاته باستخدام حرف النداء؛ إنما هو ملتفت إليه دائما" لمكانته. حيث اصطفاه الله نبيا" ثم خليلا" ثم إماما". وهذه المكانة الرفيعة جعلت من خليل الرحمن ما يستغني في خطاب مولاه تعالى عن كل وسيلة قد يستعملها الغير لخطابه.
    ومن هنا نرى أن حذف حرف النداء في خطابه ( عليه السلام ) لله تعالى إنما أراد  إظهار معنى معين وهو أن الله تعالى موجود غير غائب ولا منصرف عنه فلا يحتاج في خطابه إلى ما يحتاجه غيره. والله تعالى هو العالم بحقيقة الأمور.
 
السمة الثالثة :
 حذف ما يدل على ذاته ( عليه السلام ).
    السمة الثالثة التي نراها في أدعية الخليل ( عليه السلام ) هي أنه وعندما يخاطب المولى جل وعلا باسمه الكريم المبارك المضاف إلى نفسه فالملاحظ حذف الضمير الدال على الذات المتكلمة. فيكتفي بذكر الاسم الكريم مجردا" من الضمير فيقول (رب) بالكسر، بدلا" من ( ربي ) كما في قوله تعالى :
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}البقرة126.
  {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ      }إبراهيم35.
{رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }إبراهيم36.
{رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء }إبراهيم40.
{رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ }الشعراء83.
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي }البقرة260.
    وقد علل الأندلسي ذلك تعليلا" نحويا". إذ جاء في تفسير البحر المحيط :
(( و (رب)  منادى مضاف إلى الياء. وحذف منه النداء. والمضاف إلى الياء فيه لغات أحسنها أن تحذف منه ياء الإضافة، ويدل عليه بالكسر. فيجتزأ بها لأن النداء موضع تخفيف )) (4).
والملاحظ في تعليل الأندلسي أخذه الجانب اللغوي دون الالتفات لأي جانب آخر.ديدنه ديدن كل التفاسير التي تعنى بالجوانب اللغوية الصرفة .ولكنا نعتقد أن الخليل ( عليه السلام ) أراد بهذا التعبير إظهار معنى له دلالة غير الدلالة النحوية. إذ لايخفى ما في هذا الأسلوب من إيحاء دلالي على ذوبان الذات الداعية في الذات المدعوة. فانه ( عليه السلام ) لايرى وجودا" لنفسه وهو يقف بين يدي ربه يدعوه ويناجيه. إذ يرى ذاتا" واحدة فقط وقد ذابت كل الأشياء حتى نفسه في الذات الحقيقية وهي ذات الباري عز و جل. فلم يبق أمامه إلا أن يقول ( رب ) دون أن يدلل على نفسه بحرف ( الياء ) لعدم صدق الوجود عليها. لأنها والحال هذا لاشيء إذا ما قورنت بالذات الحقيقية المقدسة فتأمل.
     ولكن قد يقال :
أن هذه ليست سمة خاصة بأدعية النبي الخليل ( عليه السلام ) ،إذ إن جميع أدعية الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين  تكون بحذف ضمير الذات إذا ما أضيف إليها الاسم الكريم ( رب ).
    وللإجابة على ذلك:
  إني حقيقة" تتبعت كل أدعية وخطابات الأنبياء ( عليهم السلام ) في القرآن الكريم في المصحف الرقمي فوجدتها كلها وبلا استثناء محذوفة ضمير الذات المتكلمة المضاف إليها الاسم الكريم.
 بل حتى دعاء وخطاب غير الأنبياء كامرأة عمران في قوله تعالى:
{إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }آل عمران35
{فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى }آل عمران36.
والسيدة مريم ( عليها السلام ) في قوله تعالى :
{قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ }آل عمران47. 
فكانت كما ترون خالية من ضمير المتكلم.
 بل حتى خطاب إبليس عليه اللعنة والعذاب مع الباري عز وجل نراه قد خلا منها؛ كقوله تعالى حاكيا" عنه:
{قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ }الحجر36.
والجواب على ذلك بوجهين:
الأول: لغويا"، فان الحذف مادام ممكنا" فيلجأ إليه للتخفيف . وهذا ما ليس فيه خلاف عند جميع النحاة.
الثاني: ومع ما ذكر أعلاه فان هذا لايمنع أن الخليل ( عليه السلام ) أراد إظهار منتهى العبودية لله تعالى بذوبان ذاته مع الذات المقدسة. والله العالم بحقيقة الأمور.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين وجميع الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
{هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء }آل عمران38
{قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ }آل عمران40 
{قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ }آل عمران41
{قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ }المائدة25
{قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ }الأعراف151
{وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ }الأعراف155
{وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ }هود45
{قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ }يوسف33
{وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً }الإسراء24
 
    
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
___________________________
(1)التبيان في تفسير القرآن للشيخ أبي جعفر بن الحسين الطوسي:ج1\ص71.
(2)رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين للمدني الشيرازي علي خان:ج4\ص523.
(3)مفاتيح الجنان للشيخ عباس القمي:دعاء الإمام الحسين عليه السلام يوم عرفه
(4)تفسير البحر المحيط: أبو حيان الأندلسي:ج1 \ 554



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=9580
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2011 / 09 / 16
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 11 / 11