• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : وداعا ... شهر الصبر والايمان .
                          • الكاتب : عباس لفته حمودي .

وداعا ... شهر الصبر والايمان

 شهر الصيام لقد كرمت نزيلا         ونويت من بعد الاقام رحيلا
وأقمت فينا ناصحا ومؤدبا             وشفيت من نار الفؤاد غليلا
أبكيك يا شهر الصيام بأدمع      تنزل فتحكي علي الخدود سيولا
رمضان ... أيام مضت ، صفحات طُويت ، حسنات قُيدت ، صحائف رُفعت ، وها قد حان وقت الرحيل .
ما أشبه الليلة بالبارحة ، فقد كنا في شوق للقائه ، نتحرى رؤية هلاله ، ونتلقى التهاني بمقدمه ، وها نحن في آخر ساعاته ، نتهيأ لوداعه ، وهذه سنة الله في خلقه ، أيام تنقضي ، وأعوام تنتهي ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين 
فمن المقبول منا فنهنئه ، ومن المحروم منا فنعزيه ، أيها المقبول هنيئاً لك ، أيها المردود جبر الله مصيبتك .
كان حال الصالحين عند وداع رمضان في خوف ودعاء ، خوف من رد العمل ، ودعاء بالقبول من ذي الجود والكرم ، يقول المولى عز وجل : (( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ )) أي يعملون الأعمال الصالحة وقلوبهم خائفة ألا تقبل منهم .
تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : (( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ )) ، قَالَتْ عَائِشَةُ : أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ ؟ قَالَ : (( لا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لا يُقْبَلَ مِنْهُمْ ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ )) .
فمن دعاء الامام علي بن الحسين عليهما السلام في وداع الشهر الفضبل أنه قال : ((أَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ مَا كَانَ أَطْوَلَكَ عَلَى الْمُجْرِمِينَ، وَأَهْيَبَكَ فِي صُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ! أَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ مِنْ شَهْر لا تُنَافِسُهُ الايَّامُ. أَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ مِنْ شَهْر هُوَ مِنْ كُلِّ أَمْر سَلاَمٌ. أَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ غَيْرَ كَرِيهِ الْمُصَاحَبَةِ وَلاَ ذَمِيمِ الْمُلاَبَسَةِ. أَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ كَمَا وَفَدْتَ عَلَيْنَا بِالْبَرَكَاتِ، وَغَسَلْتَ عَنَّا دَنَسَ الْخَطِيئاتِ. أَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ غَيْرَ مُوَدَّع بَرَماً وَلاَ مَتْرُوك صِيَامُهُ سَأَماً )) .
وكان سلف هذه الأمة عند خروج رمضان يدعون الله ستة أشهر أن يتقبل منهم رمضان ، خوفاً من رده .
روي عن علي بن أبي طالب عليه السلام قوله : ( كونوا لقبول العمل أشد اهتماماًَ منكم بالعمل ) ، ألم تسمعوا الله عز وجل يقول : (( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ )).
ويقول الحافظ ابن رجب رحمه الله في ذلك :السلف الصالح يجتهدون في إتمام العمل و إكماله و إتقانه ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله ، و يخافون من رده ، و هؤلاء الذين قال الله عنهم : (( يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ )).
وقال ابن دينار : (الخوف على العمل أن لا يتقبل أشد من العمل) .
و قال عبد العزيز بن أبي رواد : ( أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح فإذا فعلوه وقع عليهم الهم أيقبل منهم أم لا ؟ ).
فهذا حال سلفنا في وداع هذا الشهر ، ولنتفكر عند رحيله سرعة مرور الأيام ، وانقضاء الأعوام ، ودنو الآجال ، فإن في مرورها وسرعتها عبرة للمعتبرين ، وعظة للمتعظين .
روي عن علي أبن أبي طالب عليه السلام أنه كان ينادي في آخر ليلة من شهر رمضان : (يا ليت شعري من هذا المقبول فنهنيه ، و من هذا المحروم فنعزيه ).
وكان عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يقول عند رحيل الشهر : (من هذا المقبول منا فنهنيه ، و من هذا المحروم منا فنعزيه ، أيها المقبول هنيئا لك ، أيها المردود جبر الله مصيبتك ) .
وخرج عمر بن عبد العزيز رحمه الله في يوم عيد الفطر فقال في خطبته: (أيها الناس إنكم صمتم لله ثلاثين يوما وقمتم ثلاثين ليلة وخرجتم اليوم تطلبون من الله أن يتقبل منكم).
 
وكان بعض السلف يظهر عليه الحزن يوم عيد الفطر فيقال له: إنه يوم فرح وسرور فيقول: صدقتم ، ولكني عبد أمرني مولاي أن أعمل له عملا فلا أدري أيقبله منى أم لا؟ ورأى وهيب بن الورد قوما يضحكون في يوم عيد فقال: إن كان هؤلاء تقبل منهم صيامهم فما هذا فعل الشاكرين، وإن كان لم يتقبل منهم صيامهم فما هذا فعل الخائفين!!
 
وعن الحسن قال: إن الله جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون.
وقد ذكر العلماء علامات لقبول العمل من أبرزها إتباع الحسنة بالحسنة ، والثبات على الطاعات بعد رمضان ، فرب رمضان هو رب سائر شهور العام .
سُئل بشر الحافي  رحمه الله  عن أناس يتعبدون في رمضان ويجتهدون فيه ، فإذا انسلخ رمضان تركوا ، قال : ( بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان ). 
اللهم تقبل منا رمضان ، وأعده علينا سنين عديدة وأزمنة مديدة ، ونحن في صحة وعافية وحياة رغيدة .
الوداع الوداع يا شهر الخيرات الوداع الوداع يا شهر الحسنات الوداع الوداع يا شهر الزكاة  الوداع الوداع يا شهر الصلاة الوداع الوداع يا شهر أتى إلينا وانقضي يا ترى من المقبول منا فنهنيه ومن المردود فنعزيه
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال ، وكل عام وأمتنا الاسلامية والعربية وعراقنا الصابر بألف خير ويمن وأمن وبركة .
 

كافة التعليقات (عدد : 1)


• (1) - كتب : علي الوائلي من : العراق ، بعنوان : دعاء في وداع شهر رمضان في 2011/08/29 .


روى الكليني رضي الله عنه في كتاب الكافي عن ابي بصير عن الصّادق عليه السلام هذا الدّعاء لوداع شهر رمضان :
اللّـهُمَّ اِنَّكَ قُلْتَ في كِتابِكَ الْمُنْزَلِ (شَهْرُ رَمَضانَ الَّذي اُنْزِلَ فيهِ الْقُرْآنُ) وَهذا شَهْرُ رَمَضانَ وَقَدْ تَصَرَّمَ فَاَسْأَلُكَ بِوَجْهِكَ الْكَريمِ وَكَلِماتِكَ التّامَّةِ اِنْ كانَ بَقِيَ عَليَّ ذَنْبٌ لَمْ تَغْفِرْهُ لي اَوْ تُريدُ اَنْ تُعَذِّبَني عَلَيْهِ اَوْ تُقايِسَني بِهِ اَنْ يَطْلَعَ فَجْرُ هذِهِ اللَّيْلَةِ اَوْ يَتَصَرَّمَ هذَا الشَّهْرُ اِلاّ وَقَدْ غَفَرْتَهُ لي يا اَرْحَمَ الرّاحِمينَ، اللّـهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ بِمَحامِدِكَ كُلِّها اَوَّلِها وَآخِرِها ما قُلْتَ لِنَفْسِكَ مِنْها وَما قالَ الْخَلاَئِقُ الْحامِدُونَ الُْمجْتَهِدُونَ الْمَعْدُودُونَ الْمُوَفِّرُونَ ذِكْرَكَ وَالشُّكْرَ لَكَ، الَّذينَ اَعَنْتَهُمْ عَلى اَداءِ حَقِّكَ مِنْ اَصْنافِ خَلْقِكَ مِنَ الْمَلائِكَةِ الْمُقَرَّبينَ وَالنَّبِيّينَ وَالْمُرْسَلينَ، وَاَصْنافِ النّاطِقينَ وَالْمُسَبِّحينَ لَكَ مِنْ جَميعِ الْعالَمينَ، على اِنَّكَ بَلَّغْتَنا شَهْرَ رَمَضانَ وَعَلَيْنا مِنْ نِعَمِكَ وَعِنْدَنا مِنْ قِسَمِكَ وَاِحْسانِكَ وَتَظاهُرِ امْتِنانِكَ فَبِذلِكَ لَكَ مُنْتَهَى الْحَمْدِ الْخالِدِ الدّائِمِ الرّاكِدِ الُْمخَلَّدِ السَّرْمَدِ الَّذي لا يَنْفَدُ طُولَ الاَْبَدِ جَلَّ ثَناؤُكَ اَعَنْتَنا عَلَيْهِ حَتّى قَضَيْتَ عَنّا صِيامَهُ وَقِيامَهُ مِنْ صَلاةٍ وَما كانَ مِنّا فيهِ مِنْ بَرٍّ اَوْ شُكْرٍ اَوْ ذِكْرٍ، اللّـهُمَّ فَتَقَبَّلْهُ مِنّا بِاَحْسَنِ قَبُولِكَ وَتَجاوُزِكَ وَعَفْوِكَ وَصَفْحِكَ وَغُفْرانِكَ وَحَقيقَةِ رِضْوانِكَ حَتّى تُظَفِّرَنا فيهِ بِكُلِّ خَيْرٍ مَطْلُوبٍ وَجَزيلِ عَطاءٍ مَوْهُوبٍ وَتُوقِيَنا فيهِ مِنْ كُلِّ مَرْهُوبٍ اَوْ بَلاَءٍ مَجْلُوبٍ اَوْ ذَنْبٍ مَكْسُوبٍ، اللّـهُمَّ اِنّى اَسْاَلُكَ بِعَظيمِ ما سَاَلَكَ بِهِ اَحَدٌ مِنْ خَلْقِكَ مِنْ كَريمِ اَسْمائِكَ وَجَميلِ ثَنائِكَ وَخاصَّةِ دُعائِكَ اَنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَاَنْ تَجْعَلَ شَهْرَنا هذا اَعْظَمَ شَهْرِ رَمَضانَ مَرَّ عَلَيْنا مُنْذُ اَنْزَلْتَنا اِلَى الدُّنْيا، بَرَكَةً فى عِصْمَةِ ديني وَخَلاصِ نَفْسي وَقَضاءِ حَوائِجي وَتُشَفِّعَني فى مَسائِلي وَتَمامِ النِّعْمَةِ عَلى وَصَرْفِ السّوءِ عَنّي وَلِباسِ الْعافِيَةِ لي فيهِ، وَاَنْ تَجْعَلَني بِرَحْمَتِكَ مِمَّنْ خِرْتَ لَهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ وَجَعَلْتَها لَهُ خَيْراً مِنْ اَلْفِ شَهْرٍ في اَعْظَمِ الاَْجْرِ وَكَرائِمِ الذُّخْرِ وَحُسْنِ الشُّكْرِ وَطُولِ الْعُمْرِ وَدَوامِ الْيُسْرِ، اللّـهُمَّ وَأَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ وَطَولِكَ وَعَفْوِكَ وَنَعْمائِكَ وَجَلالِكَ وَقَديمِ اِحْسانِكَ وَاِمْتِنانِكَ اَنْ لا تَجْعَلَهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنّا لِشَهْرِ رَمَضانَ حَتّى تُبَلِّغَناهُ مِنْ قابِلٍ عَلى اَحْسَنِ حالٍ وَتُعَرِّفَني هِلالَهُ مَعَ النّاظِرينَ اِلَيْهِ وَالْمُعْتَرِفينَ لَهُ في اَعْفى عافِيَتِكَ وَاَنْعَمِ نِعْمَتِكَ وَاَوْسَعِ رَحْمَتِكَ وَاَجْزَلِ قِسَمِكَ يا رَبِّي الَّذي لَيْسَ لي رَبٌّ غَيْرُهُ لا يَكُونُ هذَا الْوَداعُ مِنّي لَهُ وَداعُ فَناءِ وَلا اخِرَ الْعَهْدِ مِنّي لِلِقاءِ حَتّى تُرِيَنيهِ مِنْ قابِلٍ في اَوْسَعِ النِّعَمِ وَاَفْضَلِ الرَّجاءِ وَاَنَا لَكَ عَلى اَحْسَنِ الْوَفاءِ اِنَّكَ سَميعُ الدُّعاءِ اللّـهُمَّ اسْمَعْ دُعائي وَارْحَمْ تَضَرُّعي وَتَذَلُّلي لَكَ وَاسْتِكانَتي وَتَوَكُّلي عَلَيْكَ وَاَنَا لَكَ مُسَلِّمٌ لا اَرْجُو نَجاحاً وَلا مُعافاةً وَلا تَشْريفاً وَلا تَبْليغاً اِلاّ بِكَ وَمِنْكَ وَامْنُنْ عَلَيَّ جَلَّ ثَناؤُكَ وَتَقَدَّسَتْ اَسْمائُكَ بِتَبْليغي شَهْرَ رَمْضانَ وَاَنَا مُعافىً مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ وَمَحْذُورٍ مِنْ جَميعِ الْبَوائِقِ، اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي اَعانَنا عَلى صِيامِ هذَا الشَّهْرِ وَقِيامِهِ حَتّى بَلَّغَني آخِرَ لَيْلَةٍ مِنْهُ .



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=9099
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2011 / 08 / 28
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 12 / 11