• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : اختلاف الفقهاء في ثبوت الهلال .
                          • الكاتب : السيد اسعد القاضي .

اختلاف الفقهاء في ثبوت الهلال

 بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين، إلى يوم الدين.
 
وبعد..
 
مسألتان فقهيتان لهما أهميّتهما في ضمن المسائل الفقهية.
 
١- بداية الشهر هل تثبت برؤية الهلال، أم يكفي تولده، وكذلك هل يكفي قول الفلكي بوجوده في الافق.
 
٢- إذا رؤي الهلال في بلد بعيد نوعاً ما عن بلد المكلف فهل يثبت الشهر في حق المكلف؟.
 
وقبل الحديث حول هاتين المسألتين يحسن التمهيد بأمر مهم..
 
وهو ان الاختلاف بين الفقهاء ما هو إلا نتيجة الانحراف وحملات التحريف وطمس الحقائق التي ابتدأت عقيب وفاة النبي (ص) واستمرت، مضافاً إلى ما مُني به المذهب من إتلاف وإحراق المهم من كتبه في عصور مختلفة، حتى ضاع الكثير من كلام المعصومين (ع)، بما في ذلك الاحكام الشرعية.
 
أضف إلى ذلك انفتاح باب الاجتهاد عندنا، بمعنى الاستفادة من ظاهر النصوص الشرعية، وليس المقصود الاجتهاد على حساب النص، الذي يستوجب هجر النص والإعراض عنه، كما يصنعه البعض.
 
وهذه الطريقة في استنباط الاحكام الشرعية مرخّص بل مأمور بها من قِبل المعصومين (عليهم السلام)، ولنا الأدلة الوافية على ذلك.
 
وبعد..
 
فقد أطبق اكثر الفقهاء على أن بداية الشهر تثبت بأمور، منها رؤية الهلال، من دون حاجة لأن يراه المكلف بنفسه، بل يكفي أن يراه شخصان عادلان ويشهدان بأنهما رأيا الهلال.
 
وعلى هذا فلو رأى الهلال شخصان عادلان وشهدا عند احد المراجع، لكن لم تثبت عدالتهما عند مرجع آخر، فحينئذٍ يثبت الشهر عند المرجع الاول دون الثاني، لأن المقياس في قبول الشهادة هي ثبوت عدالة الشهود.
 
وهذا باب من أبواب الاختلاف بين العلماء في بداية الشهور، إلا أنه اختلاف طبيعي شأنه شأن باقي الاختلافات في أبواب الفقه، وهكذا الاختلاف في تعيين الموضوع الذي ينصبّ عليه الحكم الشرعي، كلها ـ وإن تعددت وكثرت ـ لا توجب التنازع، ولا تدعو إلى التهريج والسخرية.
 
أما المسألة الأخرى التي تتعلق بالهلال فهي مسألة اتحاد الآفاق وتعددها، فبعض الفقهاء يذهب الى وحدة الافق، بمعنى أنه لو رؤي الهلال في بعض البلدان فلا يثبت الا في البلدان القريبة منه، ويذهب فقهاء آخرون الى توسيع دائرة الأفق التي ان رؤي الهلال في بعضها ثبت في بعضها الاخر.
 
وسأذكر ـ كنموذج ـ نصوص هذه المسألة من الرسائل العملية لثلاثة من فقهائنا المعاصرين، وهم آيات الله العظام السيد الخوئي (قدس سره) والسيد السيستاني (دام ظله) والسيد الحكيم (دام ظله)، من اجل ايصال الفكرة ومعرفة الحال..
 
قال السيد الخوئي (قدس سره): "إذا رؤي الهلال في بلد كفى في الثبوت في غيره مع اشتراكهما في الأفق، بحيث إذا رؤي في أحدهما رؤي في الآخر، بل الظاهر كفاية الرؤية في بلد ما في الثبوت لغيره من البلاد المشتركة معه في الليل، وإن كان أول الليل في أحدهما آخره في الآخر".
 
وقال السيد السيستاني (دام ظله): "إذا رئي الهلال في بلد كفى في الثبوت في غيره مع اشتراكهما في الأفق، بمعنى كون الرؤية الفعلية في البلد الأول ملازماً للرؤية في البلد الثاني، لولا المانع من سحاب أو غيم أو جبل أو نحو ذلك".
 
وقال السيد الحكيم (دام ظله): "وجود الهلال في بلد يوجب دخول الشهر فيه وفي جميع البلدان الغربية بالاضافة إليه، بل وكذا في البلاد الشرقية بالاضافة إليه، إذا كان البلد الذي ظهر فيه الهلال من بلدان العالم القديم ـ وهو القارات الثلاث آسيا، أفريقيا، اُوربا ـ دون بلاد الامريكيتين، فإن ظهور الهلال فيها لا يوجب ثبوت الشهر في بلدان العالم القديم".
 
هذه نماذج ثلاثة من اختلاف الفقهاء في وحدة الأفق وتعدده، ولا يخرج عن كونه اختلاف في المسائل الشرعية، شأنه شأن سائر الاختلافات في أبواب الفقه، لا ينبغي أن يكون مدعاة للاستهزاء من الآخرين، بعد أن كانت أسباب الاختلاف واضحة لمن كان له أدنى اطلاع على سير الفقه من عصر التشريع إلى يومنا هذا
 
ونعود لنقول..
 
ان اختلاف المراجع (سددهم الله) في ثبوت الهلال يرجع..
 
(تارة): إلى قيام الشهادة عند احدهم، وعدم قيامها عند الاخر، فكل منهم يعمل وفق وظيفته.
 
لكن هذا الفرض نادر الحصول، خصوصاً في عصرنا، حيث أصبح العالم كالبلد الواحد في سرعة وصول المعلومات، فلا يُعقل ـ عادةً ـ وجود شهادة في بلدٍ من البلدان قد ثبتت عند أحد المراجع ولم تثبت عند آخر.
 
(وأخرى): يرجع الاختلاف في ثبوت الشهر إلى المبنى الفقهي في اتحاد الأفق وتعدده، مع الاتفاق بينهم على قيام الشهادة، وقد تقدَم شرحه
 
ولنضرب مثالاً على ذلك..
 
إذا قامت الشهادة على رؤية الهلال في لندن مثلاً، وثبتت الشهادة عند جميع المراجع، فان الشهر يثبت في العراق عند المرجعين السيد الخوئي والسيد الحكيم، ولا يثبت عند السيد السيستاني.
 
وبما ان الشهادة ثابتة فان سكان لندن يثبت عندهم الشهر حتى عند السيد السيستاني، لانهم رأوه في بلدهم.
 
هذا كل ما في أمر الاختلاف والاتفاق في بدايات الشهور.



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=86553
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2016 / 11 / 27
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 02 / 23