• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : إشكالات المنشقين على حزب الدعوة الإسلامية الحلقة السادسة والعشرون من كتاب حزب الدعوة الإسلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي .
                          • الكاتب : د . علي المؤمن .

إشكالات المنشقين على حزب الدعوة الإسلامية الحلقة السادسة والعشرون من كتاب حزب الدعوة الإسلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي

     في داخل حزب الدعوة؛ كان بعض الدعاة يتهم القيادة والمنظومة الحزبية؛ بأنها غير ذائبة في ولاية الإمام الخميني أو أنها لا تطيع فقيه الدعوة؛ سواء السيد الصدر أو السيد الحائري من بعده؛ بناءً على المعطيات التالية: 
1- إن بعض أعضاء القيادة العامة لحزب الدعوة (التنظيم العالمي للدعوة)؛ والذين يقيم معظمهم في الخارج؛ يتقدمهم القيادي المتنفذ محمد هادي السبيتي؛ كانوا يرون أن “الدعوة” غير مهيأة لدخول مرحلة العمل العسكري ضد النظام العراقي في العام 1979؛ بالشكل الذي يريده مؤسس الحزب السيد محمد باقر الصدر في تفجير الثورة ضد النظام، وكانوا يعتقدون أن هذا الأسلوب في الاندفاع المسلح سيقضي على المؤسس الصدر نفسه وعلى الدعوة في العراق أيضاً، ولكن في الوقت نفسه بايعت قيادات الدعوة في داخل العراق السيد الصدر على الموت بين يديه، كما كان المجلس الفقهي للحزب منسجماً في حركته وفتاواه وبياناته مع توجهات الصدر، وتسبب هذا في اتهامات بتخلي قيادة الخارج عن السيد الصدر.
 
طاعة فقيه الدعوة
2- عندما اختير السيد كاظم الحائري فقيهاً لحزب الدعوة وعضواً بالتزكية في قيادته العامة عام 1982؛ حدثت إشكاليات في الصلاحيات بينه وبين قيادة حزب الدعوة؛ فقد كان الحائري يرى ضرورة ممارسة نفس صلاحيات الإمام الخميني في قيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ فيعين له ممثلين في كل لجان الحزب ومكاتبه وفروعه؛ يكون لهم حق النقض الشرعي؛ وهو ما رفضته قيادة الدعوة؛ لأسباب تقنية كثيرة، وقد سألت السيد الحائري في عام 1984 خلال تحضيري لكتاب “سنوات الجمر” عما وصلت اليه علاقته بقيادة الدعوة؛ فقال: ((إنهم لا يسمعون كلامي))، وهو تعبير عن عدم طاعتهم الكاملة له، ونتج عنه خلافات على الصلاحيات وتفسير النظام الداخلي؛ فتم التوافق على حل الخلاف بإلغاء منصب “فقيه الدعوة” من النظام الداخلي خلال عام 1984، والعودة الى صيغة “المجلس الفقهي”، وتجدد الخلاف على الصلاحيات بين المجلس والقيادة مرة أخرى؛ ما دعا مؤتمر الحزب في عام 1988 الى إلغاء مادة المجلس الفقهي من النظام الداخلي، وتسبب ذلك في خروج بعض الكوادر من الدعوة؛ واتهموا القيادة بعدم طاعة الفقهاء. 
 
العلاقة بقيادة الإمام الخميني
3- كان بعض كوادر حزب الدعوة يفسر وصية الشهيد الصدر: ((ذوبوا في الإمام الخميني بقدر ما ذاب هو في الإسلام))؛ بأنه ذوبان في أجهزة الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ بما في ذلك القوات المسلحة، وبأنه ارتباط مباشر بالإمام الخميني، ثم بآية الله الخامنئي بعد وفاة الإمام الخميني، وكان هذا التفسير الذي اعتبرته قيادة حزب الدعوة غير واقعي؛ بل لم يكن يرغب به الإمام الخميني والسيد الخامنئي أساساً؛ لأسباب واقعية أيضاً؛ مدعاةً لخروج بعض الدعاة والكوادر من الحزب، واتهامهم القيادة بعدم الالتزام بوصية الإمام الصدر، وعدم التمسك بولاية ولي الأمر، ومن أبرز هؤلاء -كما أسلفنا-  المجموعة التي مثلت نواة قوات بدر في معسكر الشهيد الصدر، ومجموعة القيادي الجهادي السيد مهدي عبد مهدي. 
 
دعم مرجعية فضل الله
4- توجه بعض قياديي حزب الدعوة في أواسط التسعينيات الى التعاون مع مرجعية آية الله السيد محمد حسين فضل الله، ووجد الدعاة أنفسهم في مواجهة اتهامات مشتركة تطال الطرفين، وكان بعض امتدادات “الدعوة” في كثير من البلدان؛ ولاسيما لبنان وإيران والكويت والبحرين والإمارات وسوريا وأوربا وأميركا يشكل حاضنة لمرجعية السيد فضل الله، وتسبب هذا في خلافات بين حزب الدعوة وبعض المرجعيات في قم والنجف، وفي تركيز اتهام حزب الدعوة بالتنصل عن الالتزام بقيادة السيد الخامنئي ومرجعيته من جهة، وعدم التبعية لمرجعية النجف من جهة أخرى.
 
المثلث المرجعي بعد سقوط البعث
5- بعد سقوط النظام البعثي عام 2003؛ دخل حزب الدعوة في إشكالية جديدة؛ فقد بات يعيش تحت تأثير مثلث مرجعي ضاغط: مرجعية السيد السيستاني التي شكلت أمراً واقعاً جديداَ وأساساً، ومرجعية السيد الخامنئي وقيادته النافذة في العراق، ومرجعية السيد فضل الله؛ وما تمثله من التزام أخلاقي مستمر للدعوة، ولكن بعد وفاة السيد فضل الله؛ اقتصرت المعادلة المرجعية الدعوتية على طرفين: السيستاني والخامنئي، وظل موقف حزب الدعوة هو التوازن بين طرفي المعادلة، ومن حسن حظ “الدعوة” هو ان مرجعيتي السيد السيستاني والسيد الخامنئي؛ منسجمتان في التوجه وفي النظرة الى الواقع العراقي ومستقبل مكوناته؛ ولاسيما المكون الشيعي، وهذا التوازن العملي في العلاقة بمرجعيتي السيد السيستاني والسيد الخامنئي هو قرار كل أجنحة مدرسة الدعوة (حزب الدعوة الذي يتزعمه نوري المالكي، وتنظيم العراق بزعامة السيد هاشم الموسوي، وتيار الاصلاح بقيادة السيد ابراهيم الجعفري، وتنظيم الداخل بقيادة عبد الكريم العنزي)؛ وهو نفسه الموقف التقليدي لحزب لدعوة من المرجعيات والقيادات المرجعية.
 
التصاق "الدعوة" بالمرجعية
     لسنا هنا بصدد مناقشة الجدليات والملابسات المفهومية والمصداقية التي توجه لحزب الدعوة في موضوع علاقته بالمرجعية الدينية؛ ولكننا ذكرناها لمجرد كونها مفارقات ومتعارضات، وكونها تضع “الدعوة” دائما بين خيارات محيرة، وفي دائرة محاطة بعدة نيران؛ ذلك أن جميع الإشكالات الواردة على حزب الدعوة من خصومه وأصدقائه السياسيين والدينيين الشيعة في النجف وقم وطهران وبيروت؛ تدور حول الاختلاف على تبعية حزب الدعوة لهذه المرجعية وتلك، وبالتالي؛ فإنها تؤكد متلازمة حزب الدعوة والمرجعية، وبأن تكوين حزب الدعوة ومساحة حركته لصيقان بالفضاء المرجعي، ولا يمكنهما فكرياً وواقعياً الانفكاك منه، صحيح أن الدعوة لم يكن يوماً حزباً تابعاً لمرجعية معينة؛ ولكن ايديولوجية حزب الدعوة لا يمكن أن تعمل بمعزل عن منظومة المرجعيات الدينية؛ لأنه حزب ديني شيعي، وفيه فقهاء وعلماء دين، وأعضاؤه متدينون ومقلدون للمرجعيات، ومساحة حركته هي المساحة الشيعية الدينية نفسها التي تمسك بها المرجعية الدينية، وإنه بحاجة دائماً الى الإذن الشرعي؛ أي إجازة الفقيه؛ في ما يرتبط بالحقوق الشرعية والأموال والدماء وكثير من الأمور الحسبية. 
 
ولاية المرجع
     أما الالتزام بقرارات المرجعية وتوجيهاتها وارشاداتها؛ فهو موضوع شائك جداً، ولا يجوز أن يخضع للمزايدات السياسية والمصالح الآنية والكلام الدعائي، وليس مادة للتصريحات الإعلامية والشعارات الشعبوية؛ لأن التبعية للمرجعية تستبطن أبعاداً فقهية وواقعية كثيرة؛ ترتبط بطبيعة التوجيه؛ فيما لو كان ولائياً أو إرشادياً أو رأياً سياسياً أو تكليفاً فردياً خاضعاً للتقليد، كما يرتبط بمبنى المرجع نفسه في موضوعة مساحة ولاية المرجع ونوعية إعماله لهذه الولاية، وتصديه أو عدم تصديه للشأن العام، وهو ما يختلف فيه الفقهاء والمراجع أنفسهم، ومن هنا يتعامل حزب الدعوة مع مبدأ الالتزام والتبعية للمرجعية وفقاً للأسس الفقهية المتعارفة، والمداخل الواقعية ذات العلاقة بتعدد المرجعيات، ومن منهم يجب أن يُتبع ومن لا يجب، ومصداق المرجع الأعلى مبسوط اليد؛ فضلاً عن تنوع التقليد بين الدعاة، وترك موضوع التقليد لكل داعية؛ باعتباره موضوعاَ شخصياً صرفاً؛ بل وعدم فرض مبنى فقهي محدد على الدعاة الفقهاء والمتفقهين؛ في موضوعة الولاية.
      وربما تكون مفارقة تحتاج الى تأمل؛ أن تتهم حركة؛ كحزب الدعوة؛ بعدم التبعية للمرجعية ولعلماء الدين؛ بالرغم من أن أكثر من خمسة مراجع دين وأكثر من ثلاثين مجتهداً كانوا يوماً أعضاء فيه؛ ولا يزال فيه مجتهدون وعلماء دين ومفكرون، وإن معظم علماء الدين ومشايخ حزب الدعوة هم وكلاء للمرجعيات الدينية، وإن الحوزات العلمية في النجف وقم كانت ولا تزال مليئة بالأساتذة والطلبة الدعاة، وإن الدعاة جميعاً يرجعون بالتقليد الى المرجعيات الدينية. ولكن خصوم “الدعوة” يرددون التهم والملابسات والشبهات في هذا المجال؛ كجزء من المناكفات السياسية والتنافس على كسب المجتمع الشيعي؛ دون أخذ مصلحة الأمة والوحدة المجتمعية وتآلف أبناء المذهب والمكون الواحد بنظر الاعتبار.
 
رئاسة الحكومة العراقية 2014
     الحديث السابق يمهد لفهم جدلية علاقة الدعوة بالمرجعية الدينية في مرحلة ما بعد عام 2003. ونطرح هنا نموذجاً تطبيقياً لهذه الجدلية؛ يلخص طبيعة متلازمة حزب الدعوة والمرجعية، ويرتبط برؤية المرجعية النجفية العليا لموضوعة رئاسة الحكومة العراقية في عام 2014، والتي تمخض عنها ترشيح القيادي في حزب الدعوة حيدر العبادي لرئاسة الحكومة، وسحب أمين عام حزب الدعوة نوري المالكي ترشيحه لمصلحة محازبه. 
      لقد طرحت المرجعية النجفية العليا المتمثلة بالإمام السيستاني مشروعاً عميقاً في نوعه وكبيراً في حجمه خلال عام 2014؛ تلخًص عنوانه بـمفردة ((التغيير))؛ من أجل إخراج العراق من أزماته المتجذرة في أعماق التاريخ العراقي وموروثاته، وجغرافيته، وديمغرافيته، ونظامه القانوني، ونظامه السياسي، واقتصاده، وسياسات الدولة والحكومة والفرقاء في العملية السياسية، والبيئة النفسية الاجتماعية والفردية، وثقافة الدولة والمجتمع. 
      ولم تكن رؤية الإمام السيستاني تقصد التغيير على تغيير الوجوه الحكومية وحسب؛ فبيانات مكتبه وخطب أئمة الجمعة من وكلائه قبل الانتخابات البرلمانية عام 2014 وأثنائها وبعدها؛ وصولاً الى الرسالتين التاريخيتين المتبادلتين بين قيادة حزب الدعوة الإسلامية وشخص الإمام السيستاني؛ تدل على أن مشروع التغيير عند الإمام السيستاني يستوعب كل أزمات العراق وموروثاته؛ بما في ذلك رئاسة الوزراء.
     وتلقف الفرقاء السياسيون مفردة التغيير، وأخذ كل منهم يفسره وفقاً  لمصالحه وأهدافه، وكان ائتلاف دولة القانون الذي يرأسه نوري المالكي؛ يرى أن التغيير الحقيقي الذي يدعو له الإمام السيستاني ليس تغييراً شكلياً؛ بل تغييراً في السياسات والأساليب والمضامين، وعليه؛ رفع شعار ((حكومة الأغلبية)) التي من شأنها توحيد قرار الدولة والحكومة؛ وصولاً الى القدرة على التغيير الحقيقي.
 
أصوات المالكي
     وأفرزت الانتخابات عن حصول ائتلاف دولة القانون وحلفائه على 103 مقاعد؛ أي ما يعادل ثلثي أصوات الكتلة الناخبة الشيعية في العراق، بينما حصل جميع منافسي المالكي من الجماعات الشيعية على ثلث أصوات الكتلة الناخبة الشيعية. كما حصل نوري المالكي شخصياً على أعلى الأصوات على مستوى العراق، هذه النتائج بينت بما لا يقبل الشك أن الناخب العراقي صوّت لنوري المالكي، وأنه يرغب في تحقيق الاستقرار السياسي عبر وحدة قرار الدولة والحكومة. ولم يحصل المالكي على هذه النتائج بسهولة؛ بل انتزعها من خلال عمق نفوذه الشعبي؛ وهو النفوذ الذي لم يتأثر بالفتاوى التي صدرت ضده، أو الحراك السني والكردي والسعودي والتركي والأميركي الذي استهدفه بقوة؛ لأسباب يطول شرحها.
      وبعد إعلان نتائج الانتخابات؛ جرت الأمور منذ اليوم الأول في مسار الاختلاف على تسمية الكتلة الأكبر؛ فكان ائتلاف دولة القانون يعد نفسه الكتلة الأكبر داخل البرلمان وداخل التحالف الوطني الشيعي الذي يضم ائتلاف دولة القانون وائتلاف المواطن وكتلة الأحرار وكتلا صغيرة أخرى؛ بينما كانت أطراف أخرى في التحالف الوطني ترى أن التحالف هو الكتلة الأكبر؛ في حين يشكل ائتلاف دولة القانون وشركائه حوالي 64 بالمئة من مقاعد التحالف الوطني؛ أي أن التحالف هو الأكبر بوجود ائتلاف دولة القانون فيه، ولم ينته السجال بين أطراف التحالف؛ في الوقت الذي كانت مواقف أكثر أطراف الكتلتين السنية والكردية تدعمان استبعاد ائتلاف دولة القانون من تسميته الكتلة الاكبر، واستبعاد  السيد نوري المالكي من الترشح لرئاسة الوزراء.



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=80462
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2016 / 07 / 03
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 06 / 27