• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : وراثة الادب خير من وراثة الفضة والذهب .
                          • الكاتب : طاهر القزويني .

وراثة الادب خير من وراثة الفضة والذهب

 التربية السليمة قد تغير مصير الانسان من تعيس الى سعيد، لو عرف الناس ان تربية ابنائهم على الاخلاق الفاضلة يمكن ان تحقق لهم هذه النتيجة لاعتنوا بتربية ابنائهم اشد الاعتناء، مثلما فعل هذا الرجل مع ابنه الذي فارقه عن الحياة كما ورد في القصة التي نقلتها لنا كتب الروايات والاحاديث فقد نقل  الصادق عليه السلام عن آبائه }عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : مر عسيى بن مريم بقبر يعذب صاحبه ثم مر به من قابل فإذا هو ليس يعذب، فقال: يا رب مررت بهذا القبر عام أول، فكان صاحبه يعذب ثم مررت به العام فإذا هو ليس يعذب، فأوحى الله عزوجل إليه يا روح الله إنه أدرك له ولد صالح فأصلح طريقا وآوى يتيما فغفرت له بما عمل ابنه { (1)9-7

 
هذا مثل للابن البار الصالح وهناك مثل للابن السيئ الطالح الذي يجلب العار والسوء لابويه ويرهقهما بذنوبه وظلمه للآخرين ولاشك انه لاأحد من البشر يتمنى ان يكون اباً للطاغية فرعون الذي ظلم وقتل من البشر مالايعد ويحصى حتى اصبح المثل الاكبر للجبروت والطغيان، تخيل ماذا سيكون حالك اذا ولد لك صبي بمواصفات فرعون؟ هذا الامر كاد ان يحصل لاسرة مؤمنة ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، وقد ولد لها صبي شقي كاد ان يرهق والديه بكفره وطغيانه فأمر الله سبحانه وتعالى بقبض روحه في قصة معروفة عن لقاء كليم الله موسى عليه السلام مع ذلك العالم الذي قتل الصبي.
لو عرفنا خاتمة امر تلك الاسرة لأدركنا بالضبط قيمة الابن البار بالنسبة لوالديه بل والحياة عامة فعن الحسن بن سعيد اللحمي قال: ولد لرجل من أصحابنا جارية (فتاة)  ودخل على أبي عبد الله عليه السلام فرآه متسخطا لها(غاضباً)، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: أرأيت لو أن الله أوحى إليك إني أختار لك أو تختار لنفسك، ماكنت تقول ؟ قال: كنت أقول يا رب تختار لي قال عليه السلام: فان الله قد اختار لك ثم قال: إن الغلام الذي قتله العالم الذي كان مع موسى في قول الله: ” فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة و أقرب رحما ” قال: فأبد لهما منه جارية ولدت سبعين نبيا (2).
لاشك ان الاسرة التي ينشئ فيها شخص مثل فرعون تختلف في مصيرها وظروفها وحياتها عن الاسرة التي تنشئ فيها فتاة يخلق الله من نسلها سبعين نبياً، لذا جاء الامر باستبدال الصبي بفتاة رحوم ودود طاهرة تكون صالحة لأن تصبح وعاء لأنوار سبعين نبيا.
ولأهمية موضوع الاعتناء بشخصية الطفل فقد وضع الدين الاسلامي امام الانسان برنامجاً متكاملاً لتحسين ظروف تكونهم ونشاتهم بالصورة الصحيحة وهناك توصيات واضحة للمؤمنين بأن يختاروا لنطفهم امهات ذات ايمان واخلاق لأن العرق دساس، وتوصيات اخرى بأن لايسمحوا للمجنونة والبغي برضاعة ابنائهم لأن حليبهما سيترك اثراً على عقله ونفسه بحسب احاديث واضحة في هذا المجال.
وفي التربية هناك قسمان قسم المعرفة وقسم السلوك، فأما المعرفة فيحصل عليها الطفل من منابع مختلفة من بينها المدرسة لكن الطفل بحاجة الى معارف اساسية تتعلق بدينه وحياته  يحصل عليها من ابويه ومن المجالس الاسلامية التي تعقد في المساجد والحسينيات ومن الكتب والمجلات والصحف عندما يتعلم القراءة والكتابة.
ولأن المدرسة تأخذ على جانبها جزء من تعليم القيم الدينية لذا يتوجب على الابوين ان يركزوا على حصول ابنائهم على التعليم الديني الكافي فالصبي والصبية اللذين يصلان الى مرحلة البلوغ الشرعي يجب عليهما ان يتعلما المسائل الشرعية التي يحتاجونها والمفروض على الآباء ان يساعدوا ابناءهم على فهم واستيعاب تلك المسائل التي تتناولها الرسالة العملية للفقيه الذي يقلدونه.
وربما لايكون الوالدان بالمستوى الثقافي والفقهي مايؤهلهما لتوضيح المسائل الفقهية والدينية بالشكل الصحيح فانه يتعين عليهما ارسال ابنائهما الى الدورات التثقيفية والتعليمية التي تنظمها المعاهد والمدارس الاسلامية بغرض ارشاد الاولاد لامور دينهم، ولايكتفون بهذا المقدار بل يرسلوهما ايضاً لمجالس الوعض والارشاد التي تقام في المساجد والحسينيات.
واما السلوك فيكون من خلال التدريب على فعل الخير حتى يتحول الى عادة وبعدها الى ملكة وطباع نفسية وهنا يلزم على الاب ان يقدم نفسه باعتباره النموذج والقدوة لفعل تلك الاعمال الحسنة لانه من غير المعقول ان يطلب الاب من ابنه ان يقوم بعمل هو لايقوم به او يفعل خلافه.
الاب يجب ان يكون القدوة لابنائه في فعل الخيرات وقبل ان يحث اولاده على اداء الصلاة في اوقاتها يجب ان يشاهدوه هو يفعل ذلك، وان لا يكون من الذين يؤجلون صلاتهم الى وقت متأخر، او من الذين يحثون على تلاوة القرآن الكريم بينما هو لايفعل الامر نفسه.
ويتطبع الاولاد على الافعال والعادات الحسنة من خلال  التدريب عليها ولذا يحث الاسلام الشريف الاب ان لايقدم المال للفقير مباشرة بل يعطيها لابنه لكي يقدمها بدوره للفقير ويحث ايضاً على تعليم الفروسية والرماية والمقصود بالرماية ليس فقط رمي القوس بل تعني تعليم الابناء على استخدام السلاح.
وفي كل الحالات يجب على الاب التدرج في تعليم وتدريب ابنائه ويبدأ بالامور الميسرة وبعدها يتدرج صعوداً نحو الامور الاكثر صعوبة والتدرج  حتى في المسائل الدينية المعرفية والسلوكية ويبدأ هذا التعليم من سن مبكرة تسبق سن البلوغ كما في الرواية التالية :
{فعن عبد الله بن فضالة، عن أبى عبد الله أو أبي جعفر عليهما السلام قال: سمعته يقول: إذا بلغ الغلام ثلاث سنين فقل له سبع مرات: قل لا إله إلا الله، ثم يترك حتى تتم له ثلاث سنين
وسبعة أشهر وعشرون يوما، ثم يقال له: فقل: محمد رسول الله صلى الله عليه وآله سبع مرات، ويترك حتى تتم له أربع سنين ثم يقال له: قل سبع مرات صلى الله على محمد وآلمحمد، ثم يترك حتى تتم له خمس سنين ثم يقال له: أيهما يمينك وأيهما شمالك ؟ فإذاعرف ذلك حول وجهه إلى القبلة ويقال له: اسجد، ثم يترك حتى تتم له ست سنين فإذا تمت
له ست سنين، قيل له: صل وعلم الركوع والسجود حتى تتم له سبع سنين، فإذا تمت له سبع سنين قيل له: اغسل وجهك وكفيك فإذا غسلهما قيل له: صل ثم يترك حتى تتم له تسع سنين، فإذا تمت له علم الوضوء وضرب عليه وامر بالصلاة وضرب عليها، فإذا تعلم الوضوء والصلاة غفر الله لوالديه إنشاء الله تعالى{ (3)
تعلم المسائل الدينية على البالغين هو واجب شرعي بحد سواء على الذكور والاتاث ويخطأ معظم الآباء عندما يظنون بان التعليم والتدريب يبدآن فقط في سن البلوغ لانهم عندها سيواجهون مشاكل كثيرة في تعليمهم تلك المعارف والعادات وحتى بالنسبة للفتاة يجب تعويدها على ارتداء الحجاب منذ الصغر وقبل ان تبلغ سن التكليف الشرعي لأن ذلك سيساعدها على تقبل الحجاب من دون تذمر.
يمكن ان يورث الآباء لابنائهم الكثير من الاموال لكن وراثة الادب هي اعظم وراثة يمكن ان يقدمها الآباء لابنائهم وعندها سيكون الابناء ممتنين والمجتمع سيترحم على الاب الذي ربى ابناً اخلاقه احلى من الذهب.



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=77181
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2016 / 04 / 15
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 09 / 17