• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : عَنْ مَشارِيعِ التَّقْسيمِ المَزْعُومَةِ! (٥) .
                          • الكاتب : نزار حيدر .

عَنْ مَشارِيعِ التَّقْسيمِ المَزْعُومَةِ! (٥)

لإذاعة (صوتُ العرب من القاهرة) في برنامج (خطوطٌ حمراء):
   السّؤال السّادس؛ طيّب، يزعم البعض ان البديل عن مشروع الوحدة هو التقسيم؟ فما هو رايك؟!.
   الجواب؛ مشاريع التّقسيم عندنا تشبه مشاريع الوحدة كلها فاشلة، والحل في الديمقراطية التي تعني فيما تعني الحريّة والمساواة والشّراكة الحقيقيّة.
   لقد قسّم اليمنيّون بلادهم الى قسمين ففشلا، وقسّم السودانيّون بلادهم، وانظر الى السودان الجنوبي ما يفعل به أهله، على الرّغم من ان كثيرين قالوا انّ وراء هذا التقسيم هو الغرب (المسيحي) على اعتبار ان الجنوبيّين مسيحييّن.
   ذات الحال في الضفة والقطاع، انظر ما الذي يجري هناك بين الفلسطينييّن، فعلى الرّغم من ان تحدّياتهم واحدة وخطيرة جداً وعلى الرّغم من ان جميعهم لازالوا تحت رحمة الاحتلال الصهيوني، ولكن انظر ما الذي يجري بينهم، فلا هم متّفقون على توحيد الضفة والقطاع ولا هم منفصِلون على وِجهةٍ وَاحِدَةٍ ليُريحون ويستريحون.
   انّهُ الجهل المركّب وغياب الرؤية والعواطف الغالبة على العقل الذي يدفع بالبعض الى التصوّر بأن التقسيم هو الحل لمشاكلهِ في البلد الواحد، في عالم التكتّل فيه هو السّمة الحضاريّة والحاجة الملحّة لمن يريد مواجهة التحدّيات وتحقيق التنمية، ليكتشف بمرور الوقت ان التّقسيم ليس حلاً بل انّهُ بداية مشاكل.
   الان في العراق، هناك حَديثٌ كثيرٌ عن التقسيم [شخصيّاً لن اعتقد بجدّيتهِ مقدارَ نقيرٍ] وكيف انّهُ الحل الأمثل للمشاكل الطّائفية والعنصريّة بين مكونات المجتمع العراقي، ولكننا اذا فكّكنا الموضوع فسنجد ان المشكلة ليست بين المكوّنات فحسب بل انّها متجذّرة وعميقة داخل كلّ مكون، فَلَو تقسّم العراق على أسس دينيّةٍ مثلاً او مذهبيّة او عرقيّة فانّ هذه المشاكل التي يعتقد البعض انّها بين المكوّنات ستطفو على السطح في داخل المكوّن الواحد وستكون اقسى وأعنف منها بين المكوّنات، وهذا ما لمسناه في صراعات الكرد المسلّحة مع بعضهم في ثمانينيّات القرن الماضي.
   والآن، انظر الى الإقليم (كردستان) الذي يتّجه للقسمة على نَفْسه، كردستان الشّمالي وكردستان الجنوبي، فضلاً عن ان اي انفصال سيُثير مشاكل لها اوّل وليس لها آخر مع الكردستان الاخرى، واقصد بها كردستان تركيا! فكيف يمكن لقادة كرد العراق الذين لا يمثلون الا سُبع مجموع تعداد نفوس (كردستان الكبرى) المزعومة ان يقنعوا كُرد تركيا بقيادتهم للدولة الجديدة؟ في الوقت الذي نعرف جيداً ان كُرد تركيا متمسّكين بقيادة زعيمهم كاك عبدالله اوجولان وهو في السّجن اكثر من تمسّك كُرد العراق بزعيمهم كاك مسعود بارزاني الذي لم يعد يعترف بقيادتهِ سوى ثلث عدد نفوس الإقليم! او أقل.
   سُنّة العراق كذلك، فانّ فيما بينهم من المشاكل ما ستجري بسببها الدّماء انهاراً اذا ما تقرّر انفصالهم عن العراق او تشكيل الإقليم السني! كما يزعم البعض، فالذي يعرف العلاقة بين الموصل والانبار او بين الأنبار وصلاح الدّين، يعرف جيداً استحالة ان تتّفق هذه المحافظات على زعامة واحدة ابداً ابداً ابداً، كما ان كرد العراق لم يتفقوا منذ عقود على قيادة واحدة لشدّة الاختلافات العرقية والعشائرية بين الكُرد الباهدينانييّن والكُرد السورانيّين، فضلا عمّا افرزته السّياسة، او كشفت عنه من مشاكل عويصة وقديمة بين الكُرد والتركمان من جانب، والكرد وعرب الموصل السّنة وكذلك بين عدد من الأقليّات التي تقطن في داخل حدود الإقليم او في ما يُعرف بالمناطق المتنازع عليها، مثل الايزديّين وغيرهم.
   ولن تشذّ لُحمة شيعة العراق من ذلك، فَلَو قيّض الله لمشروع اقليم الجنوب ان يرى النور لكان نهر الدّم قد حفر أُخدوداً يمتدّ من القرنة الى بغداد.
   امّا المسيحيين (الكلدان والاشورييّن والسريان) فحدّث عنهم ولا حرج، فعلى الرّغم من ان عددهم لا يتجاوز المليون، وأنهم يحجُزون مقاعدهم في مجلس النواب بنظام الكوتة، الا انّهم مقسّمون سياسيّاً الى طرائِق قِدداً.
   وهكذا بقية مكوّنات المجتمع الأصغر فالأصغر!. 
   قد يسأل سائلٌ، لماذا كلّ هذا؟ ما هو السّبب؟!.
   برأيي، فان السّبب يعود الى ما يلي؛
   أولاً؛ المخلّفات الثقافة التي لازالت متراكمة في العقول والنفوس وطريقة التّفكير، خاصّة تلك التي ورثها العراقيّون من نظام الطّاغية الذليل صدّام حسين، الذي سقط في التاسع من نيسان عام ٢٠٠٣ شخصاً امّا فكراً ومنهجاً وأسلوباً فللأسف لازال حيّاً لم يسقط بعدُ.
   ثانياً؛ محوريّة السّلطة في ثقافتنا بدلاً عن محوريّة الدّولة، فالسّلطة عندنا وبالنسبة لنا كلّ شيء، ولذلك يتعارك عليها الجميع للسّيطرة عليها حتى اذا كان الثّمن دم ودمار، فعندنا الذي في السّلطة يمتلك كلّ شيء والذي ليس في السّلطة لا يمتلك ايّ شيء، طبعاً ليس سلطة الدّولة فقط وانّما ايّة سلطة، ولذلك ذهب عندنا القول (لو باشا لو أموتن) مضرب مثل تجد مصاديقهُ في كل مكان بدءاً من الاسرة وانتهاءاً بالسّلطة.
   كما ان القول المعروف (من القصرِ الى القبرِ) يصدُق بشكل كبير على من يتسنّم موقعاً، ايّ موقعٍ!. 
   ولقد رأينا كيف لخّص الطّاغية الذليل صدّام حسين الدّولة في الحزب والحزب في العشيرة والعشيرة في الاسرة والاسرة في العائلة والعائلة في شخصهِ هو.
   نفس الشيء فعله السيد نوري كامل المالكي، ويفعلهُ الآن السَّيّد مسعود مصطفى البارزاني، على الرّغم من شدّة تناقض الاثنين الاخيرَين مع الاوّل وافتراقهم في كلّ شيء، الا ان طريقة التّفكير واحدة فهي القاسم المشترك بين كلّ العراقيين مهما اختلفت الأزياء والخلفيّات وما أشبه.  
   ثالثاً؛ المواطن عندنا يرى نَفْسَهُ في السّلطة وليس في الخدمة، في الامتيازات وليس في الإنجازات، في اللّحظة وليس في المستقبل، ولذلك تراهُ يتقاتل عليها كلّ حياته علّه يجد نَفْسَهُ الضائعة وشخصيّتهُ البائسة بين ركام الاستبداد والديكتاتورية وعبادة الشّخصية و (العجول) وشعار كل من يتمكن منها (بعد ما ننطيها) وعادة ما لا يتحقّق له ذلك الا بتقمُّص الأشياء والأسماء والنماذج التاريخية (المقدّسة) عند مكوّنهِ على الأقل لتضليل النّاس، فهذا حُسين العصر، وذاك مُختار العصر، وثالث عُمر العصر وبعضهُم مُعاوية العصر او عمرو بن العاص العصر وبعضهُنّ هند العصر، وهكذا!. 
   رابعاً، وأخيراً؛ ضَياع الهويّة وغَياب الانتماء، بين الوطن والدين والمذهب والقومية والمنطقة والحزب والعشيرة وأخيراً (القائد الضّرورة).
   يتبع
      ١ آذار ٢٠١٦ 
                       للتواصل؛
E-mail: [email protected] com



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=75239
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2016 / 03 / 01
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 01 / 25