• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : القافلة الضائعة والمملكة العجيبة .
                          • الكاتب : فلاح العيساوي .

القافلة الضائعة والمملكة العجيبة

خرج قوم في قافلة قاصدين حج بيت الله الحرام ، وبعد مسيرة ثلاثة أيام تاهوا في عرض البيداء ، وكان معهم شيخ كبير حكيم قد خبر الدنيا وأحوالها وتقلباتها ، وإقبالها بالفرح والحزن ، وإدبارها بفقد الأحبة ، شد الشيخ على سواعد أهل القافلة ، وأشعل فيهم الحماس ، فساروا وهم متوكلين على الحي القيوم ، إلى إن دخلوا في وادي سهوله جميلة ، فقرروا إن يريحوا أنفسهم ودوابهم ، وجلسوا يتسامرون إلى الليل ، فنجوم الليل تهدي الضائع وترشده إلى الطريق الواضح ، فساروا من جديد حتى وصلوا إلى مكان فانهارت الأرض من تحت إقدامهم وسقطوا من شاهق إلى سافل ، فكان سقوطهم على حقل من القش المجموع لعلف الحيوانات فلم يتأذى منهم احد !!!...
 
بعد إن لملموا أنفسهم واطمأنوا على رواحلهم ، وأسفر النور عن دياجير الظلام  ، ساروا قليلا فشاهدوا عجائب الزمان من قصور شاهقة وحدائق أشجارها طويلة ، وانهار جارية مائها نازلة من شلالات عالية تنزل كأنها سيل من الجواهر الجميلة بمختلف ألونها الأرجوانية !!..
 
وقف أهل القافلة عند مجرى النهر ، منهم من يشرب ومنهم من يغسل وجهه ومنهم من يملأ الجراب ، وهم على هذه الحالة وإذا برجال ضخام طوال مدججين بالسلاح ، يمتطون خيول كبيرة بحجم الفيلة أو اكبر منها بقليل ، وقد أحاطوا بهم ، وقالوا انتم غرباء ولستم من بني جنسنا ، وعليه يجب الذهاب بكم إلى الملك ، فأخذوهم إلى قصر شاهق أسواره مرتفعة وأبوابه يستحيل على عشرة رجال من الأنس فتحها ، وأدخلوهم إلى سجن كبير وتركوهم وهم حيارى ، إذ إن المكان غريب لم يسمعوا به من قبل ، ولا يعلمون ما سيئول بهم المصير !!!...
 
فجلسوا وقلبوهم تقفز من الرعب والخوف ومن المصير المجهول ، والشيخ الحكيم يكلمهم ويذكرهم برحمة الله ورأفته على عباده ، والصبر مفتاح الفرج ، والرضا بقضاء الله وقدره غاية المؤمنين العارفين ، حديث الشيخ ادخل السكون على نفوس أهل القافلة ، فخلدوا للنوم إلى غسق الليل ، وأفاقوا على صوت السجانين وهم  نادوا عليهم بالنهوض والتحضر للمثول إمام الملك !!..
 
سار بهم الحرس وأدخلوهم إلى قاعة كبيرة جدا ، فشاهدوا الملك العملاق وهو يجلس على عرشه والى جانبه امرأة سوداء قبيحة المنظر تضع تاج الملكية على رأسها ، وشاهدوا قفص قضبانه من الذهب وفي داخلة امرأة بيضاء شقراء الشعر وهي رائعة الجمال ، فعجب القوم من هذا المنظر وقالوا في أنفسهم ( سبحان الله  ) هذا الملك يجلس السوداء القبيحة إلى جانبه ويترك تلك البيضاء الجميلة الرائعة ويضعها في قفص من الذهب !!!...
 
صار أهل القافلة يتهامسون بينهم والشيخ الحكيم يحاول إسكاتهم خوفا إن يسمعهم الملك فيزيد غضبه عليهم ، وهنا قال الملك : من انتم وكيف دخلتم إلى مملكتنا ؟،، فأراد القوم إن يجيبوا الملك ، فطلب الشيخ منهم إن يتركوا له الحديث إلى الملك فسكتوا وقال الشيخ : أيها الملك السعيد نحن قوم نريد حج بيت الله الحرام فتهنا في البيداء وانهارت الأرض من تحت إقدامنا ووجدنا أنفسنا في مملكتكم العامرة والزاهية ، فقال الملك إلا تعلمون إن من يدخل إلى مملكتنا يكون مصيره الموت وهذا قانون المملكة !!!...
 
فقال الشيخ أيها الملك الرشيد نحن لا نكذب ولا نقول إلا الصدق فغايتنا حج البيت الحرام ولا علم لنا بوجود مملكتكم الجميلة ، فقال الملك وقد أعجبه كلام الشيخ الحكيم ووجده صادقا ، فقال أيها الشيخ أراك صادق اللسان ولا تقول الكذب وسوف أعطيكم فرصة للنجاة من الموت بعد إجابتك عن سؤالي التالي : ( أيهما أفضل للجلوس إلى جانبي هذه المرأة السوداء القبيحة ؟، أم تلك المرأة البيضاء الجميلة القابعة في القفص الذهبي ؟؟،، وما هو السر برائيك في سبب جلوس السوداء إلى جانبي وسجن البيضاء في قفص من الذهب  )؟؟؟،،،
 
فقال الشيخ الحكيم : ( أيها الملك السعيد ذو الرأي السديد ، اعلم إن الأشياء لها صورة وجوهر ، قشر ولب ، ظاهر وباطن ، مادة وروح ، والناظر إلى ما يراه حولك من جهة الشكل والظاهر والقشور والصور يحكم إن الأحق بالجلوس إلى جانبك هي تلك البيضاء الجميلة ، إما من ينظر إلى الجوهر واللب والباطن فيحكم إن من يستحق الجلوس إلى جانبك هي السوداء القبيحة  )!!!...
 
إما قصة وسر ما نراه هو إن هذه البيضاء الجميلة كانت زوجتا لك ، فلم تصن الأمانة وترعاها ، فاستحقت بخيانتها العظمى القتل !، لكن حبك لها ورابطة الرحم بينك وبينها ، خفف حكمك عليها ، وجعلتها في قفص من الذهب ، إما السوداء فهي جاريتا حفظت سرك ، وصانت أمانتك ومخدعك ، فاستحقت منك إن تجلسها إلى جانبك وتضع تاج الملكة على رأسها !!..
 
فأنبهر الملك من كلام الشيخ وقال صدقت أيها الشيخ الحكيم وعليه انتم في أماني إلى إن أرسلكم إلى حيث غايتكم . 



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=7446
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2011 / 07 / 06
  • تاريخ الطباعة : 2024 / 04 / 20