• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : ثقافة المؤسسة الصحية .
                          • الكاتب : بوقفة رؤوف .

ثقافة المؤسسة الصحية

  نقصد بالثقافة هنا هي السلوك التنظيمي الذي يتصرف من خلاله الموظف مع غيره سواء كان الغير هو مسؤوليه  أو زملاؤه أو المرضى او مرافقيهم.
         ثقافة المؤسسة الصحية هي جزء من الثقافة المؤسساتية (الولاية , البلدية , الجامعة , الثانوية , المؤسسات الاقتصادية , المؤسسات الخدماتية , المؤسسات العمومية , المؤسسات الخاصة.......).
      ـ الثقافة المؤسساتية هي جزء من ثقافة المجتمع .
      ـ ثقافة المؤسسة الصحية تختلف من مؤسسة صحية الى أخرى,  حيث أن هناك ثقافة عامة واحدة لكن تختلف في جزيئاتها من مؤسسة الى أخرى و بالتالي فالثقافة التنظيمية هي نتاج ما اكتسبه العاملون من أنماط سلوكية وطرق تفكير و قيم ومهارات تقنية.
       أنواع الثقافة التنظيمية في المؤسسات الصحية :
      ـ الثقافة الايجابية :
                             تساهم في خلق مناخ تنظيمي تسوده القيم المشتركة و                الالتفاف حول خدمة المريض ومستوى عال من الرضا مما يريد من معدلات الالتزام التنظيمي.
ومثال عن ذلك :
    يلتحق ممرض جديد بالمؤسسة متخرج حديثا فترة تربصه قضاها في مصلحة الأمراض الداخلية فقط وذلك لسبب أن الادارة انتهزت فرصة وجوده و أخرجت معظم الممرضين بالمصلحة عطلهم السنوية.
                 عند تعيين هذا الممرض و لنسميه هنا جمال تم توجيهه للعمل في مصلحة الاستعجالات , الممرض جمال لم يتعامل من قبل مع الحالات المباشرة لضحايا الحوادث ( دماء , أوجاع , صراخ , كسور , أعضاء مبتورة........)
               الفريق الشبه الطبي رفقة المراقب الطبي المناوب لاحظ أن الممرض جمال كلما قدمت لمصلحة الاستعجالات حالات الحوادث , إما يختفي عن الأنظار , او يتحاشى التدخل و القيام بالمهام الموكلة اليه متذرعا بحجج واهية.
             هنا تمكن ثقافة الفريق المناوب الذي هو جزء من ثقافة المؤسسة الصحية , الخيار السهل هو كتابة تقرير بالممرض جمال بأنه لا يصلح أن يكون جزء من الفريق الشبه الطبي لمصلحة الاستعجالات أو العمل بطرق غير مباشرة على جعله يطلب من الادارة نقله من مصلحة الاستعجالات الى مصلحة أخرى وذلك بتعزيز شعوره بالغربة عن الفريق المناوب كطريقة أو آلية من آليات الجسم الواحد في رفض العضو المزروع فيه.
         لكن باعتبار أن ثقافة مصلحة الاستعجالات ثقافة ايجابية , نجد أن الفريق الشبه الطبي قد تقبل الممرض جمال و احتواه و بدأ في نزع منه شعور الغربة وسطه و بدأ يدفعه للمشاركة في المهام المنوطة به مرحليا بصفة متدرجة من السهل الى الأصعب (غسل الجرح ←تقطيب الجرح .......) ولنتخيل معا هذا السيناريو:

       ـ الممرض وليد : هل انت الممرض الجديد الملتحق بمصلحة الاستعجالات ؟
       ـ الممرض جمال : نعم أنا هو و اسمي جمال.
       ـ الممرض سليم : لابد أنك ارتكبت كثيرا من الآثام أو أنك عاق والديك , حتى يعاقبك الله و يرسلك الى مصلحة الاستعجالات.
      ـ المراقب الطبي ينفجر ضاحكا ويقول :لا, لا أعتقد يبدوا من ملامح وجهة أنه طيب , لكن سيعيش كل ليلة أجواء فيلم الرعب , صراخ المرضى و أنينهم, مناظر الدماء , الأرجل المبتورة , الأجسام المفرومة, القيء , البول.......).
       ـ الممرض وليد : سيموت فيك الشعور وتصبح مثلنا بارد القلب ,فاقد الأحاسيس , مرحبا بك يا سي جمال مصلحة بوابة الجحيم الكبرى.
       ـ  الممرض سليم : المهم الحمد لله أنه أرسلك لنا على الأقل تتحمل نصيبا من صراخ السكارى المدمنين وضربهم وعراكهم وهم يقتحمون المصلحة وربما يصيبك أحدهم بسكين أو سيفه فتموت هنا شهيد.
        ـ المراقب الطبي ينفجر ضاحكا و هو معلقا : على الأقل يتم تسمية المصلحة باسمك مصلحة الاستعجالات الطبية و الجراحية الشهيد الممرض جمال ورفقاؤه
يثور الجميع بصوت واحد : بعيد الشر إنشاء الله أنت.
        لنتخيل معا معنويات الممرض جمال في أول يوم له في العمل في مصلحة الاستعجالات , ستتحطم أحلامه و آماله و أول عمل يقوم به غدا صباحا هو التوجه للإدارة لوضع طلب انتقال إلى مصلحة أخرى و في حال رفض الإدارة لطلبه فسوف يستقيل أو سيقوم بافتعال أخطاء أو شجار أو حادثة حتى يتم نقله من المصلحة أو سيواصل العمل في المصلحة و كلما جاءت حالة طارئة يختبئ في دورات المياه.
     أحداث هذه القصة تبين لنا أن الثقافة السلبية في مصلحة الاستعجالات كيف تؤثر على الوافد الجديد لها و هي تعكس الثقافة التنظيمية للمؤسسة الصحية ككل و يمكن معرفة ذلك من خلال استقراء:
   ـ عدد طلبات الإحالة على التقاعد السيئ
  ـ عدد طلبات التحويل الى مؤسسات صحية أخرى.
 ـ عدد طلبات وضع في الخدمة الى مؤسسات صحية أخرى
و بالتالي فما يميز المؤسسة الصحية التي تسيطر عليها الثقافة التنظيمية السلبية هي :



         *أنها تتحول الى مركز طرد الكفاءات الطبية و الشبه طبية و الإدارية و المرضى.
         *وجود صراعات مزمنة بين الأطقم ( الطبية , شبه طبية , الإدارية ( صراع او شجار بين طبيب و ممرض , بين مدير المناوبة و سائق سيارة الإسعاف, بين عامل المطبخ و الطبيب المناوب , بين المنظفة و الممرض.........) .

*ارتفاع نسبة الشكاوي (مريض , مرافقي المريض , عمال ......)
*ارتفاع نسبة الرسائل المجهولة
*ارتفاع نسبة الأعمال الكيدية (تعطيل آلة, اختفاء جهاز الضغط , وضع النفايات في غير الأماكن المخصصة لها......)
* انتشار الإشاعات ( إقحام الأمور الشخصية في بيئة العمل ( زواج , خلاف , فسخ خطوبة, خيانة...)
* تتبع عورات العمال و الموظفين لبعضهم البعض و انشغالهم بهذا الأمر واعتباره أولوية

لنتخيل الآن ثقافة مصلحة الاستعجالات إيجابية:
         - المراقب الطبي : يشرفني ان أقدم لكم الممرض الجديد في فريقكم الشبه الطبي , الممرض جمال وأحب ان اقول له نيابة عنكم أنه محظوظ جدا بالعمل في أنبل مصلحة و هي مصلحة الاستعجالات.
- الممرض وحيد : أهلا بك ولدي وتأكد انك وسط عائلتك سنقدم لك كل خبرتنا , رسالتنا واحدة وهي خدمة المريض قبل أن يطلبها لأن الذي يأتي لنا في حالة حرجة يجب أن نبادر نحن لتقديم الخدمات له , يا ولدي مصلحة الاستعجالات هي الطريق الى الجنة , دعوات المريض مستجابة و أنت وشطارتك كم مريض ستخدم بحب وإخلاص وتفان وكم دعوة أجر ستحصد
-الممرض سليم : نحن هنا عائلة واحدة الوقت الذي نقضيه معا أكثر من الوقت الوقت الذي نقضيه مع أهلنا , فأنت من الليلة بين أهلك ووسط ناسك
-المراقب الطبي : رؤيتنا يا جمال أن تنظر للوافد الى المصلحة بعين الرحمة بابتسامة وكلمة طيبة وسعة صدر ان نجسد معاني الرحمة و الإنسانية فإن لم نستطيع أن نخلصهم من الآلام نحاول ان نخففها عنهم , هذه هي رؤيتنا وهدفنا يا جمال
-الممرض وليد : نحن هنا نعمل كفريق واحد نقف مع بعضنا البعض ونغطي على بعضنا البعض نتضامن مع بعضنا البعض , مصلحة المريض أولا وقبل كل شيء قبل راحتنا قبل أكلنا فنحن هنا من أجل المريض.
         هناك سلم أدري على الجميع احترامه فأول شيء أنا رئيس هذا الفريق أيّ أمر تحتاجه    
         تأتي اليّ  أولا أنا الذي أحقق مطالبك أو أوجهك
      توزيع المهام بين أعضاء الفريق الشبه الطبي من صلاحياتي
     ان كان هناك أمر لا يتضح لك أو لم تستوعبه , بعد انجاز مهامنا نناقشه معا دون اي   
     حساسية أو عقدة لكن يجب عليك أن تعرف شعارنا و تؤمن به وهو:
      المريض أولا الفريق ثانيا.
  *المراقب الطبي : هناك بعض الأمور التي تجب أن توضحها في البداية دوما.
نحن نعمل في جهة واحدة و بالتالي الكذب مرفوض تماما أي خطأ دون ذلك يمكن تجاوزه باستثناء الكذب مثلا اذا أوقعت زجاجة الكحول الطبي وانكسرت فهذا حادث قد يقع لكنأن لا أبلغ على هذا الحادث ثم يتم ملاحظة اختفاء قارورة الكحول الطبي و يبدأ البحث و الشك و التحقيق و الدخول في متاهات فهذا أمر كفريق عمل واحد نرفضه تماما.
نحن لا نتساهل في الكذب و لا في السرقة إذا احتجت لأي شيء , فيمكن تدبيره (كمادات, قفاز طبي , شاش ......) لكن أن تؤخذ هذه الأشياء خلسة فهذا أمر لا نتساهل معه أبدا.
                    في هذه القصة نجد أن الوافد الجديد على مصلحة الاستعجالات الذي هو الممرض جمال قد تم تقديمه لفريق العمل الذي سيكون عضوا فيه , مع تحديد المهام و المسؤوليات و السلم الاداري الواجب اتباعه و شرح رسالة مصلحة الاستعجالات و رؤيتها و أهدافها و هي نفس رسالة و رؤية و اهداف فريق العمل المناوب و سياسة الفريق.
و إدا أردنا أن نضع مقارنة بين وقائع القصتين  نجد أن :
في الثقافة التنظيمية السلبية ينظر الى مكان العمل الذي هو هنا مصلحة الاستعجالات الطبية و الجراحية على أنها مكان مشاكل, كابوس , نقطة سوداء تثبيط , يأس , تشكيك , تفكك .
بينما في الثقافة التنظيمية الايجابية : نجد النظرة لمصلحة الاستعجالات على أنها مكان عمل , مكان تنافس لتقديم , الخدمات الانسانية أمل , سعادة , تعاون , روابط مهنية.
قبل سنوات , حين لم يكن هناك هاتف نقال وقع حادث انحراف قطار مسافرين في مدينة العوينات قادم من عنابة  في اتجاه تبسة.
مدينة العوينات بها مستشفى لكنها مدينة هادئة لم تسجل حركية تؤدي الى اكتظاظ مصالح المستشفى فنادرا ما تحدث حوادث في مدينة العوينات.
سمع سكان البلدة بحادث الانحرراف ,معظم عمال المستشفى من أطباء وشبه طبيين و سائقين و عمال مهنيين و إداريين كلهم هرعوا الى المستشفى دون استدعاء أو تسخيرة , حتى الذين تقاعدوا منهم وضعوا أنفسهم تحت تصرف إدارة المستشفى.
 هذه الهبة التضامنية بين جميع عمال المؤسسة و تعاون الجميع دون شرط وجود نقل أو الحصول على أيام راحة تعويضيةهي الثقافة التنظيمية الايجابية المطلوب احياؤها.
يدخل أحدهم عند الطبيب المناوب في مصلحة الاستعجالات , يطلب من الطبيب أن يقدم له مادة الفليوم , تبدوا على ملامح الشخص علامات الادمان , يرفض الطبيب , ينفعل المريض يبدأ في الصراخ , قد ينفعل الطبيب المنهك أيضا و يصرخ و ربما دون سابق انذار يهجم عليه المدمن المنفعل و يصبح في حالة هيجان ويكسر الواجهة الزجاجية وعتاد و أدوات المصلحة و لنتتبع السيناريوهات الواردة:
        * الطبيبة المناوبة في مصلحة الاستعجالات الطبيبة و الجراحية متخرجة حديثا و ليس لديها خبرة في التعامل مع الحالات المدمنة.
  ترى المتقدم للعلاج تخاف منه تعطي له وصفة ليقدم له , الفريق الشبه طبي مادة الفاليوم في مصل , حتى تتجنب الدخول في اشتباك معه.
  تطلب منه الجلوس ثم تخرج تستدعي عون الأمن أو المراقب الطبي أو المدير المناوب وتشرح له الوضعية.
الحالة التي أمامنا لمدمن لا ينفع معه الحوار , فهو لا يستمع و لا يريد الفهم و لا يخشى قدوم الشرطة و مستعد للتصعيد وإحداث البلبلة و الفوضى و هناك مرضى في انتظار دورهم فيهم الكبير و الصغير.
 أمام هذا الموقف و بالاتفاق مسبق بين الفريق المناوب في مثل هذا النوع من الحالات يدخل على الطبيب شخص يرتعد , يرتعش تبدوا عليه ملامح الادمان يطلب الحصول على مهدئ يخبره الطبيب بالإيجاب وأنه سيتم وضع له مادة الفاليوم في مصل يحرر له الوصفة على علم بهذا الأمر أين يتم وضعه في السرير ووضع له محل متكون من سائل ملحي فقط لا يشكل أي خطر على صحته وفي نفس الوقت لا توضع له مادة الفاليوم المريض توهم بأن المصل قد تم حقنه بمادة الفاليوم فهدأ وبدأ جسده يتعاطى ايجابا كأنه تناول مادة مهدئة بالفعل.
    ومن خلال جميع هذه الأمثلة يمكننا أن نتبين أن ثقافة المؤسسة الصحية تتضح في التعامل بين المكونات البشرية للمؤسسة في العلاقة بين الطبيب وعون الامن و الممرض و المدير المناوب من جهة و بينهم و بين مرتادي المرفق الصحي من جهة أخرى سواء كان مريضا أو مرافقا للمريض.
  في الثقافة التنظيمية الايجابية لمؤسسة الصحية نجد العلاقة تكاملية , تعاونية تفاعلية لأجل تقديم خدمة صحية بطريقة صحيحة من أول مرة وفي كل مرة.
 بينما نجد في الثقافة التنظيمية السلبية في المؤسسة الصحية العلاقة بين فعاليات المؤسسة من الأطقم الثلاثة (طبيبة , شبه طبيبة , ادارية , تنافسية , اقصائية , تصادمية , فكل واحد يحمل المسؤولية للطرف الآخر و المريض هو الذي يدفع دوما الثمن.
                       





 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=71882
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2015 / 12 / 22
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 09 / 16