• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : عَلَّمَتْنا كَرْبَلاءُ (٢) .
                          • الكاتب : نزار حيدر .

عَلَّمَتْنا كَرْبَلاءُ (٢)

  انّ اوّل الإصلاح تغيير المفاهيم والقناعات وذلك بسلوك طريقين؛
 الاوّل؛ التّذكير
 الثّاني؛ التّعليم والتّرشيد
 ولقد حرصَ الامام الحسين عليه السلام على انتهاجِ هذين الطّريقين بكلّ وسيلةٍ ممكنةٍ، وهو يعدّ العدّة لإطلاق نهضتهِ العاشورائيّة الإصلاحيّة ضدّ الظلم والاستبداد والديكتاتوريّة والنّظام الشّمولي، أُسوةً بسيرة جدّه رسول الله (ص) وأبيه أمير المؤمنين (ع) عندما قال في وصيّته التي تركها عند أخيه محّمد بن الحنفيّة في المدينة المنوّرة قبل الهجرة منها الى مكة المكرمة {الا وإنّي لَمْ أخرج أشِراً ولا بطِراً ولا مفسِداً ولا ظالماً، وإنّما خرجتُ لطلبِ الاصلاح في أمّةِ جدّي، أُريد أن آمر بالمعروفِ وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرةِ جدّي رسول الله (ص) وأبي أمير المؤمنين علي بن ابي طالِب}.
 وكان عليه السلام الى جانب ذلك يحرص على إيصالِ رؤاهُ الى أكبر عددٍ ممكن من النّاس.
 فقبل هلاك الطاغية الطليق معاوية ابْنُ آكلةِ الأكباد بسنتين حجَّ سيّد الشّهداء (ع) الى بيت الله الحرام فاجتمع عنده في منى اكثر من الف من بني هاشم وكبار الصحابة والتابعين، فعقد معهم ما أُطلق عليه فيما بعد بـ (مؤتمر مِنى).
 تقول الرّواية؛
 إنّه لمّا كان قبل موتِ مُعاوية بسنتين، حجّ الحسين بن علي صلوات الله عليهما، وعبد الله بن عبّاس وعبد الله بن جعفر معه، فجمع الحسين (ع) بني هاشم، رجالهم ونساءهم ومواليهم، ومن الأنصار ممّن يعرفهُ الحسين (ع) وأهل بيته ثم أرسل رسلاً ان {لا تَدَعوا أحداً ممّن حجّ العام من أصحابِ رسول الله (ص) المعروفين بالصّلاح والنُّسك إلا أجمعوهم لي} فاجتمع إليه بمِنى أكثر من سبعِمئةِ رجلٍ وهم في سُرادقهِ، عامّتهم من التّابعين، ونحو من مائتي رجل من أصحاب النبى (ص) فقام فيهم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال (ع): أمّا بعدْ؛ فإنّ هذا الطّاغية قد فعلَ بنا وبشيعتِنا ما قد رأيتُم وعلِمتُم وشهِدتُم، وإنّي أريدُ أن أسألكُم عن شيء، فإن صدَقت فصدّقوني وإن كذِبت فكذّبوني، وأسألُكم بحقِّ الله عليكُم وحقِّ رسول الله (ص) وقرابَتي من نبيّكم ان إسمعوا مقالتي واكتبوا قولي، ثم ارجِعوا إلى أمصارِكم وقبائلِكم فمَن أمِنتم من النّاس ووثقتُم به فادعوهم إلى ما تَعْلَمُونَ من حقِّنا فإنّي أتخّوفُ أن يُدرسَ هذا الأمرِ ويذهب الحقّ ويُغلب {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} فما تركَ شيئاً ممّا أنزلَ الله فيهم من القرآن إلا تلاهُ وفسّرهُ، ولا شيئاً ممّا قالهُ رسول الله (ص) في أبيهِ وأخيهِ وأمّهِ وفي نفسهِ وأهلِ بيتهِ إلا رواه، وكلّ ذلك يقول أصحابهُ: أللهم نعم، وقد سمِعنا وشهِدنا، ويقول التّابعي: أللهم قد حدّثني به مَن أصدّقهُ وأئتمنهُ من الصّحابة، فقال: أنشدكم الله إلا ما حدّثتم به مَن تثقونَ به وبدينهِ.
 وظلّ الامام (ع) يواصل هذا النّهج لتعبئةِ الامّة لصالح جبهة الحقّ ضد جبهة الباطل، للتّذكير بحقائقِ الأمور من جانب ولتنبيه النّاس من الخطر الذي يُحدق بهم من جانبٍ ثانٍ ولترشيدهم وإرشادهم الى الطّريق الذي ينبغي سلوكهُ لتحقيق الهدف الذي تمثّل بالإصلاح وعلى مختلف المستويات واوّلها السّلطة التي حوّلها الأمويّون الى مُلكٍ عضوضٍ غيّروا وبدّلوا فيها الشيء الكثير من المنهج الإنساني لرسالةِ الاسلام وما جاء به رسول الله (ص) من قيمٍ ساميةٍ واخلاقٍ راقيةٍ على مستوى العلاقة بين الرّاعي والرّعية والحقوق والواجبات.
 انّ في النّص أعلاه وكلّ نصوص الرّسائل المتبادلة بين الحسين الشهيد (ع) وطاغية بني أمية في الشّام، وكذلك رسائله عليه السلام التي تبادلها مع كبار الصحابة في اكثر من مِصر من أمصار المسلمين، نلحظ الحقائق التالية؛
 اولا؛ لم يمنح الامام مقدار فتيل من الشّرعية للنّظام الأموي، فلقد ظلّ من وجهة نظرهِ نظامٌ مغتصب للخلافة لانهُ استولى على السّلطة بلا مشورةٍ او تفويضٍ من الامّة.
 هذا يعني انّ الذين يفسرون (صُلح) الامام الحسن السّبط (ع) مع معاوية بانهُ منحٌ للشّرعية لهذا النّظام إنما يغشّون التاريخ ويغشّون عقولهم، فليسَ كلّ مَن تنازل عن حقٍّ لسببٍ من الأسباب يعني انّهُ أمضى بشرعيّة الاخر أبداً، فلقد قبِل رسول الله (ص) ان يمحو صفتهُ كرسولٍ من عند الله تعالى من على وثيقةِ الحديبيّة التي أمضاها مع مشركي قريش، فهل يعني ذلك انّهُ منحهم الشّرعية؟ فلماذا إذن دخل مكّة فاتحاً بعد عامٍ من التّوقيع؟ ممّن فتحها اذا كانت قريش بعد الحديبية تمتلك الشّرعية؟!.
 الامر نَفْسَهُ مع امير المؤمنين (ع) الذي قبِل ان يحذف صفتهُ كأميرٍ للمؤمنين من على وثيقة الصّلح بعد حرب صفّين، فإذا كان الامرُ قد منح مُعاوية الشّرعية، فلماذا إذن جهّز الامام جيشهُ مرّةً أخرى وهمَّ بقتالهِ لولا الخوارج الذين اشغلوهُ بمشاكلهِم وبالتّالي بحربهم ضدّهُ في النّهروان؟!.
 ثانياً؛ في التّبليغ للإصلاحِ عندما تريدُ ان تبيّن الحقائق وتفضح الظّالم وترشد الى طريق الحقّ لا تستثني أحداً، كبيراً كان ام صغيراً عالماً ام متعلماً امرأةً ام رجلاً، فالكلُّ يجب ان يسمع مقالَتك ليؤدّي كلّ واحدٍ منهم دورهُ في الإصلاح.
 لا تقلّل من دور أحدٍ ولا تتجاهل تأثيرَ أحدٍ، فلكلٍ تأثيرهُ ومن كلٍّ دورهُ في عمليّة التغيير، ولذلك ينبغي ان يكون خطابنا اليوم خطاباً شموليّاً يستهدف الكلّ حتّى الخصم، فليس عندنا ما نخجلُ من التّبليغ له او التّعريف بهِ، بل العكس هو الصّحيح فانَّ ما نمتلكهُ من الحق ومن علوم مدرسة أهل البيت (ع) والذي نريدُ ان يعرفهُ العالم الشيء الكثير الذي نفتخرُ به على الدّنيا.
 ثالثاً؛ للرّفض معانٍ كثيرة وطرقٍ واساليب عديدة، فإذا قرّرت تأجيل الثورة مثلاً او الانتفاضة او الخروج على الحاكم الظالم بالسّلاح ولأيِّ سببٍ من الأسباب فهذا لا يعني انّ البديل هو الاستسلام والخضوع والخنوع أبداً، ففضحُك للسّلطة الغاشمة اعلامياا رفضٌ، والاجتهاد لاقناع النّاس برؤيتك بالحكمة والموعظة الحسنة رفضٌ، ومقاطعتك لسياسات الطّاغوت وإعلامه رفضٌ، وتعبئتُك للشّارع ضدّهُ رفضٌ.
 كذا الامر في الحربِ على الفساد لتحقيق العدالة الاجتماعيّة، فإذا لم تكن مسؤولاً في هيئة النّزاهة او في المؤسّسة القضائية لتدفع بعجلٍ سمينٍ واحدٍ على الأقل ليقف خلفَ القُضبان لمحاكمتهِ على ما أفسدَ في السّلطة وسرقَ من خزينة الدّولة، فعلى الأقل لا تبرّر له جرائمهُ ولا تصفّق له ولا تسترسل مع تأييدك السّابق له او تستصحب الحالة الماضية في العلاقة معه، ففكَّ ارتباطك به والولاء له على الأقل ليلاقي مصيرهُ بمفرده، بعدَ ان اتّضحَ امرهُ و {بَدَتْ لَهُ سَوْآتُهُ وَطَفِقَ يَخْصِفَ عَلَيْهِ مِن وَرَقِ الْتّوتِ لِيُوارِي بِهِ سَوْأَتَهُ}.
 انّ مقاطعتكَ له رفضٌ والتبليغَ ضدّ فسادهِ رفضٌ وفضحهُ رفضٌ وانّ فكّ ارتباطكَ بهِ رفضٌ هو الآخر.
 لقد علّمتنا كربلاء انّ [مَنْ رَضِيَ بَعَمَلٍ قَوْمٍ حُشِرَ مَعَهُمْ] كما نقلَ ذلك الصّحابي الجليل جابر بن عبد الله الانصاري عن رَسُولِ الله (ص) عند زيارتهِ لقبر سيّد الشّهداء (ع) في كربلاء في الأربعين.
 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=68845
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2015 / 10 / 18
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 01 / 19