• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : اراء لكتابها .
                    • الموضوع : المشكلة المصطلحية كتصدير رداً على تداولية طه عبد الرحمن .
                          • الكاتب : ادريس هاني .

المشكلة المصطلحية كتصدير رداً على تداولية طه عبد الرحمن

تفاديا لمشكلة الاصطلاح، كنّا دائما ومنذ سنوات نعتبر أنّ لا مشاح في الاصطلاح. ولتفادي الالتباس في المصطلح نفضّل في البناء الصناعي للمفاهيم الإبقاء عليها مع ضبطها من حيث الوزن العربي قصد إدماجها في النّظام الصوتي العربي. لكن ولكي تظلّ حمولتها المفهومية تؤدّي وظيفتها العلمية يجب الإبقاء عليها كما هي. والقيمة العلمية لهذا الاختيار هو أنّ الإبقاء على المصطلح كما هو يمنحنا نحن فرصة الاقتراب الدائم من أبعاده المفهومية كما يمنحه الرقابة الكاملة على أن لا ننزل به إلى حدّ المتداول في عرفنا اللغوي الطبيعي مما يؤدّي إلى تحريف المعنى وتهديم الصناعة المفهومية. وقد كان هذا هو الوضع الطبيعي في نقل وإدماج المصطلح في الثقافة العربية، إلى أن ورد المفكّر المغربي طه عبد الرحمن ونحا منحى مختلفا تماما لكن لم يجد بيئة علمية حاضنة تكرس القناعة بالنتائج التي توصّل إليها في ما سمّاه بالترجمة التّداولية. وعلى أهمّية هذه المحاولة إلاّ أنّني أعتقد أنّها محاولة لا تقدّم ضمانات وافية لحماية المفاهيم من التحريف التي يفرضه عليها ما يسمّيه الباحث المذكور بالمجال التّداولي. حيث لا يمكن أن يمارس المجال المستقبل للمفاهيم سلطته على المفهوم المستنبت أساسا في مجتمع علمي آخر. وفي مثل هذه الحالة نكون أمام وضع يشبه المبادلات التجارية. حيث يمكن الوصول إلى ترشيد الاستهلاك وتهذيب عملية نقل البضاعة ولكن دون تحريف مضمونها. الحاجة إلى المفهوم هي حاجة كونية. وتفقد المفاهيم سلطتها إذا ما أفرغت من شحنتها التداولية التي تفسّر قيمتها المعرفية. هناك إذن مبالغة في فكرة الترجمة التداولية. وأمّا النقطة الغائبة فيما أراه يمثّل تحدّيا حقيقيا أمام هذه الفكرة، والتي غالبا ما لم ينتبه إليها المعجبون وغبر المعجبين بفكرة طه عبد الرحمن حول المجال التداولي هو أنّ هذا المفهوم نفسه تنطبق عليه الإشكالية التي نحن بصددها. فالتداولي هي المعادل الذي ارتضاه طه عبد الرحمن لعبارة تختص بعلم قائم بذاته هو اللّسانية البراغماتية. وهذا علم أمريكي تحديدا يحيلنا إلى مجمل التفكير الأمريكي الذي اكتمل مع محاولات بيرس في تطوير هذا العلم الذي لازال يتطور منذ فرديناند دوسوسور. لقد تميّز الفكر الفلسفي الأمريكي بالبراغماتية الفلسفية كما أرسى أفكارها وليام جيمس. ومع بروز البراغماتية اللسانية اكتمل العقل الأمريكي وانسجم مع هذه الظاهرة الجديدة في تعدّد المقاصد. وكان أحرى بطه عبد الرحمن أن يعمل على إيجاد جسر حقيقي بين هذه اللسانية البراغماتية وبين ما يمكن أن يكون داعما لها من التراث اللّغوي العربي. وعند التعمق في عبارة تداولي التي آثر طه عبد الرحمن أن تكون المعادل العربي لمصطلح براغماتي، نجد أنّ التداول يثير قضية التساوي في بناء الدلالة، بينما المطلوب في البراغماتية وبموجب نظرية التّلقي وأفعال الكلام أنّ يكون المتلقي هو العنصر الحاسم في عملية تشكّل المعنى. من ناحية أخرى، يبدو التناقض هنا كبيرا، حيث اللسانية البراغماتية هي ثورة على الإنحاء الصّلب لأنّها هي الاستمرار للثورة الأمريكية على التّاريخانية والبنائية لصالح فعل الكلام. فهي مع بيرس جماع النزعتين الواقعية والعقلية. هنا لا مجال للإغراق في تاريخانية الكلام وبنيوية النحو، بل المعوّل عليه في عملية توليد المعنى هو فعل الكلام في سياق معيّن وظروف خاصة تشكل معا إطارا للمعنى. إنّ استحضار المعنى لا يتمّ إلاّ باستحضار كلّ هذه العوامل المصاحبة مما يجعل الحديث عن تاريخ المعنى أمرا شبه مستحيل. فالآنية والمعايشة أيضا مهمّة. وإغراق طه عبد الرحمن في المعيارية المنطقية والنحوية كسلطة معيارية لتحديد المعنى، مناقض تماما لعلم التداوليات. ولذا لجأ طه عبد الرحمن إلى اللّغة الطبيعية في نوع من التحريض على اللغة الصناعية التي تنطلق من شروط مختلفة وتتطوّر حسب وتائر مختلفة. وفي هذا أتبع منهج بن تيمية في ردوده على المنطقيين؛ حينما هاجم الصناعة المنطقية باللغة الطبيعية. ومن هنا آثرنا أن يكون نقل المفهوم يعتمد فقط شرط وزنه ضمن اللغة المحلّية للاندماج النحوي والصوتي، بينما يظلّ مفهومه يرخي بظلاله كمفهوم جديد تمّ استدخاله لحاجات معرفية صناعية. لقد حرص طه عبد الرحمن على أن يجعل من قواعد النّحو والمنطق المعيار الأسمى لتحديد المعنى. وهذا انتهاك غير معلن للتداولية بوصفها تتصيد المعنى في سياق الخطاب ومقام التخاطب واستعمال اللّغة. وهي غير معنيّة بأصول المواضعات قدر عنايتها بمآلات المعاني ضمن ما عرّفه علماء مباحث الألفاظ بالمعاني التّعيّنية إذا جاز لنا القول. وذلك نابع من أنّ المعنى بتعبير هوسرل يسبق اللّفظ. وبالتالي هنا يكمن الدور الثانوي للغة. وقد جاء ذلك ردّا من هوسرل على المناطقة الصوريين ـ الذي ينحو طه عبد الرحمن منحاهم ـ الذين اعتبروا أنّ المنطق هو الذي يحدّد المعاني، لذا فصل هوسرل بين المعنى والحدّ المنطقي، ليربطه بحالة الشعور القصدي . يعتبر كتاب "الفلسفة والترجمة" لطه عبد الرحمن عملا منبّها لخطورة الترجمة أحاطها بمحاذير كثيرة وارتقى بها إلى مستوى من الأهمية الإشكالية للعلاقة المذكورة. وستجد هذه العلاقة المحكومة بالتّوتر الذي تفرضه المفاهيم المنقولة لدى الكاتب اهتماما يخدم وجهة نظره في علاقة اللّغة بالفكر . لكن وعلى منحى طه عبد الرحمن في عدم الإحالة على الأصل الأوربي لما ينحته عربيّا، لم يشر إلى أن رصد هذه العلاقة لها سابقة في معالجة بنيامين لنص مالارمي في كتابه "مهمّة المترجم" حين كتب يقول:" إنّ الفلسفة والترجمة ليستا مع ذلك من الأمور التافهة كما يدّعي بعض الفنانين العاطفيين؛ ذلك أنه توجد عبقرية فلسفية تتميز بالحنين إلى هذه اللغة التي تعلن عن نفسها في الترجمة" . عقد جاك دريدا فصلا كاملا عن الترجمة كقضية فلسفية من خلال نموذج أبراج بابل. وهي تصلح أن تعطينا فكرة عن الهواجس التي لم يتطرّق إليها طه عبد الرحمن وهو يخوض في إشكالية العلاقة بين الترجمة والفلسفة كما لو أنّها لم تبحث من قبل. فمن خلال مقاربة إشكالية ترجمة بابل كنّا أمام منشأ المتاهة إن لم نقل شكلا من بلبلة اللغات. فالموقف من الترجمة الحرفية ليس جديدا فلقد حذّر منه شيشرون نقدا على شوراكي. تضعنا أسطورة برج بابل أمام انتقام إلهي ضدّ الذين سعوا إلى فرض الأصل الوحيد والعالمي للغة. لذا سيكون تفكيك البرج والقضاء على السلالة والأصل الجينيالوجي والعقاب عبر فرض الترجمة ومنعها في آن معا، وبذلك ينهي عهد الإمبريالية اللّسانية. وهنا أقول بأنّ الإسرائليات الفكرانية لو صحّ التعبير، ماثلة في مقاربة طه عبد الرحمن، حيث ستتحوّل الترجمة في محاولة طه عبد الرحمن إلى ضرورة مستحيلة، بل كادت تكون لعنة. فالترجمة هي هنا بمثابة إعلان حرب على الهوية بوصفها تختزل هنا إلى لغات مشتّتة لكن يحكمها منطق كوني. ولا شكّ أنّ للتعددية اللغوية تأثير على عملية استزراع المفاهيم من حيز لغوي إلى آخر. هنا ومع استحالة الترجمة لا يفعل المترجم سوى أن يفسّر ويشرح ولكنه لا يترجم. إن التقسيمات الطهائية لأنواع الترجمة هو نفسه جري على تقسيم جاكبسون للترجمة إلى حقيقية وأخرى دلالية "بينلغوية". في مقاربة دريدا الذي اختار الأمانة العلمية للإحالة على بنيامين وكذا التعبير عن أنه مدين لموريس غوندياك  الذي عمل على ترجمة نصوص بنيامين، نجد أنّ الترجمة تحيل إلى الدين والأمانة، لكنه دين غير قابل للسداد ويسميه بالإنجاز البابلي. وهو ما يعتبر بنيامين باستحالة الإرجاع. وليس ثمة سوى رابطة حميمية بين اللغات تتيحها الترجمة التي تعزّز بقاء النص حيّا وليس حياته بعد الممات. هذه الحيات التي لا تتحقق باستمرار الجسد العضوي بل هي حياة روحية وتاريخية تتجاوز الحياة والموت البيولوجيين. العلاقة بين النص الأصلي والمترجم ليست علاقة تلقي ولا تواصل ولا تمثيل. الأصل نفسه يتطور من خلال الترجمة: "بابل غير قابلة للترجمة". هنا أهمية " العقد الترانسندنتالي" بين لغتين. ولغة الحقيقة الخالصة التي ينتمي إلى المضمون غير الممكن ترجمته. وتكمن مهم المترجم في استرجاع " هذه اللغة الخالصة والمنفية داخل اللسان الأجنبي وتحريرها بنقلها كلغة أسيرة داخل العمل". إن الأصل بتعبير بنيامين يكبر داخل الترجمة " ينمو ولا يعاد إنتاجه" ومن تمّ تتصالح اللغات وتتكامل فيما بينها. الحاجة ماسة إذن إلى لغة ثالثة ضامنة يعبّر عنها دريدا بالقول:" يتجلّى وعد الترجمة داخل مملكة تتصالح فيها اللغات. وكحدث رمزي خاص يجمع ويقرن ويزاوج بين لغتين تعتبران جزأين من كلّ أكبر، فإن هذا الوعد يستدعي لغة الحقيقة" .



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=68307
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2015 / 10 / 07
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 11 / 16