• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : حياتنا والإدارة .
                          • الكاتب : سلمان عبد الاعلى .

حياتنا والإدارة

تعد الإدارة الناجحة مؤشراً على تقدم المجتمعات البشرية، لأنها سمة من السمات
البارزة في المجتمعات المتقدمة، لأن كل تخلف يحصل في المجتمعات هو بسبب فقدان
السيطرة والتحكم أي فقدان الإدارة، ومن هنا نفهم المقولة التي تقول أنه "ليس
هناك دول متقدمة وأخرى متأخرة بل توجد إدارات متقدمة وأخرى متخلفة". لذا لا
يجادل أحداً في أهمية الإدارة ودورها البارز في تطوير وتنمية المجتمعات
البشرية نحو الأفضل.

ما هو المقصود بالإدارة؟
          لا يوجد تعريف موحد للإدارة حالها حال غيرها من المفاهيم المرتبطة بالعلوم
الإنسانية، فلكل جهة تعريفها الخاص الذي يعبر عن مفهومها، ولهذا سأعرف
الإدارة وفقاً لوجهة نظري وبما يفيدني في هذا الموضوع.
الإدارة هي: (ممارسة عمليات التخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة لتحقيق الأهداف بكفاءة
وفعالية)).
          ومن هذا التعريف نجد أن هناك نقطتين رئيسيتين وهما: الأولى: وظائف الإدارة
(التخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة) والثانية: الكفاءة والفعالية في العمل
الإداري، وسوف نتحدث عن هاتين النقطتين بإيجاز في التالي:

أولاً: وظائف الإدارة
          من المعروف في العلوم الإدارية أن هناك أربع وظائف للإدارة هي كالتالي:
1.    التخطيط: تشمل عملية تحديد الأهداف، والأفعال (الإجراءات والسياسات)، والموارد
اللازمة لإنجازها.
2.    التنظيم: تشمل عملية تحديد المسؤوليات وتخصيص المهام والموارد وإقامة الدوائر
والأقسام والتنسيق بينها لإنجاز فعال.
3.    التوجيه: تشمل عملية التأثير في الآخرين وتحفيزهم وتوجيههم لإنجاز الأهداف.
4.    الرقابة: تشمل قياس الأداء الفعلي ومقارنته بالأداء المخطط وتحديد الانحرافات
واتخاذ إجراءات تصحيحية (متابعة النشاطات وتصحيح الانحرافات).

          لو قمنا بعرض هذه الوظائف الأربع للعملية الإدارية على مجتمعاتنا وقارنا
بينها وبين سلوكياتنا وعاداتنا التي نقوم بها عادةً، فهل سنصل إلى نتيجة
إيجابية مفادها أننا في حياتنا نحترم ونلتزم بالعمل الإداري المنظم بالمفهوم
العلمي للإدارة أم لا ؟ !
          بالتأكيد بأن الإجابة على هذا التساؤل تختلف من فرد لآخر، غير أننا نلاحظ
الظواهر الاجتماعية العامة، إذ أن الشائع هو بخلاف هذا بل على النقيض منه،
فلا يوجد هناك تخطيط وتحديد أهداف، ولا تنظيم واضح يحدد المسؤوليات والمهام
بدقة، ولا توجيه وتحفيز يدعم إنجاز الأهداف، ولا رقابة جادة على تنفيذ
الأعمال. وهذا مما يؤسف له لأننا نحتاج هذا الأمور لتقدم مجتمعاتنا في كافة
الأصعدة والمستويات.  
ثانياً: الفعالية والكفاءة في العمل الإداري:
          لا يكفي القيام بوظائف الإدارة السابقة لتحقيق نجاحات إدارية بالشكل الأمثل،
بل نحتاج أن نمارس الوظائف السابقة بأجمعها بكفاءة وفعالية كما جاء في
التعريف، فما هو المقصود من الكفاءة والفعالية؟ !
·       الكفاء: وهي مقياس لحسن استغلال الموارد التي ترتبط بأهداف محددة وتركز الكفاءة
على (المدخلات).
·       الفعالية: قياس لمدى تحقيق الأهداف المحددة وهي تركز على (المخرجات).

          نلاحظ أن هاتين المفردتين شبه مغيبتين في عاداتنا وسلوكياتنا، فكثيراً ما
نقول بأننا حققنا أهدافنا وقد يكون هذا صحيحاً، وهذا يعني أننا قد حققنا
الفعالية، ولكن وبتمعن قليل نجد أننا حققناها ولكن دون استغلال أمثل للموارد
المتاحة، أي دون كفاءة.  
          والموارد التي نعنيها وينبغي استغلالها بمصورة مثلى متعددة، فهناك الموارد
المالية والبشرية والمادية وغيرها، ويمكن اعتبار عامل الوقت من أهم الموارد
التي ينبغي استغلالها، مع أن الكثير يتجاهله ولا يعير له أهمية، فالكثير ينجز
مثلاً عملاً ويتباهى بإنجازه له، ولكنه يسرف في استخدام الوقت، بحيث لو نظرنا
إلى المخرجات التي أنتجها مقارنة بالوقت الذي بذله لإنجازها، فلربما رأيناه
ليس بذلك المستوى، أو على أقل تقدير سنقول بأنه إنجاز تنقصه الكفاءة التي هي
شرط أساس في العمل الإداري.
حياتنا الإدارية على ضوء المدرسة الإدارية التقليدية (الكلاسيكية):

          من المعروف في العلوم الإدارية أن لعلم الإدارة عدة مدارس ساهمت في تطويره
كعلم مستقل قائم بذاته، وذلك من خلال تراكم معرفي ساهم به عدد من العلماء
والباحثين في فترات تاريخية مختلفة، وهذه المدارس يمكن تقسيمها إلى: (المدرسة
الكلاسيكية، والمدرسة السلوكية، والمدرسة الكمية، بالإضافة إلى المدارس
والاتجاهات الحديثة في الإدارة).

          ولو نظرنا إلى حياتنا وقارناها مع المدارس الإدارية لوجدنا بأننا لا نلتزم
بمبادئ وتوجيهات المدرسة الكلاسيكية في الإدارة فضلاً عن غيرها، وهذا الوضع
ينذر عن حالة إدارية متردية للغاية.
نظرة على تايلور والإدارة العلمية:
          من أهم إسهامات المدرسة الكلاسيكية (التقليدية) في الإدارية هو ما قام به
فرديريك تايلور (1856-1915) أبو الإدارة الحديثة كما يسمى، والذي قام بدراسة
الوقت والحركة، حيث قام بتحليل الحركات وأنشطة الأعمال ووضع أوقات قياسية
لأدائها.

وأهم إسهامات تايلور والإدارة العلمية يمكن إجمالها فيما يلي:
1.    إعداد قوائم علمية لكل وظيفة تشتمل على دراسة الحركة والوقت القياسي اللازم
لإنجازها وتحضير ظروف مناسبة في مكان العمل.
2.    اختيار العاملين بعناية فائقة بحيث يمتلكون المهارات المطلوبة للوظيفة.
3.    تدريب العاملين بعناية لأداء أعمالهم ودفع أجور تتلاءم مع أدائهم.
4.    إعانة ودعم العاملين في أداء أعمالهم عن طريق التخطيط السليم للعمل وتسهيل مهمة
إنجازه.  
          ولاشك بأن لنظرية تايلور سلبياتها الكثيرة، والتي من أبرزها أنه حول الإنسان
إلى آلة، وتجاهل عنصر العاطفة والمهارة والمشاعر الإنسانية، وركز جل اهتمامه
على الكمية المنتجة وليس على الجودة، ولكن عمله هذا يبقى له فائدة نظراً
لاهتمامه بعامل الوقت اللازم للإنجاز، وليس بالإنجاز فقط، وهذا ما يتجاهله
الكثير في مجتمعاتنا إلى الآن.

نظرة على هنري فايول ومبادئ الإدارة:
          لقد اقترح الفرنسي هنري فايول (1841-1925) أربعة عشر مبدأ للارتقاء بالإدارة
وهي:
1.    تقسيم العمل: ينبغي تقسيم المهام التي يضمها عمل معين. وأن يتخصص العاملون في
مجموعة محدودة من تلك المهام لكي يتسنى اكتساب الخبرة وزيادة الإنتاجية.
2.    تناسب السلطة والمسئولية: السلطة هي الحق في إصدار الأوامر وتتضمن المسئولية عن
تنفيذها من خلال المكافآت والجزاءات، ويجب أن يقترن بالسلطة مسئولية "مناظرة".
3.    الإنضباط: هو أمر جوهري لضمان سلاسة تشغيل المنشأة ويعتمد على جودة القيادة
والتطبيق الحكيم للجزاءات.
4.    وحدة القيادة: ينبغي أن يتلقى الموظف الأوامر المتصلة بأي عمل من جهة قيادة
موحدة، وإلا تهددت السلطة وحاق الخطر بالإنضباط والنظام والإستقرار.
5.    وحدة الإتجاه: ينبغي تنسيق مجموعة الأنشطة المتعلقة بهدف واحد عن طريق خطة واحدة
وتحت إشراف رئيسي واحد.
6.    تغلب المصلحة العامة على المصلحة الفردية: يجب عدم السماح لأهداف الأفراد أو
المجموعات بأن تطغى على أهداف المنشأة.
7.    مكافآت العاملين: من الممكن تحقيقها بطرق وأساليب عديدة والإختيار مهم هنا، حيث
يجب ألا تؤدي إلى المبالغة في صرف الأموال.
8.    المركزية: تعني بعد ومدى ووجود إصدار الأوامر من قمة المنظمة فقط. مع الأخذ في
الإعتبار خصائص المنظمة مثل الحجم والإمكانيات ونوع النشاط وقدرات العاملين.
9.    تدرج السلطة (خط السلطة): ينبغي أن تتدفق الإتصالات بطول خط السلطة صعوداً
وهبوطاً، ومن قمة المنظمة إلى قاعدتها، ويمكن أن يكون الإتصال الجانبي بين العاملين
المتساويين في المرتبة في الإدارات المختلفة أمراً مرغوباً بشرط إعلام الرؤساء أولاً
بأول.
10.                       النظام: يجب أن توضع المواد والأفراد دائماً في المكان
المناسب، ويجب أن يكون الأفراد مناسبين لوظائفهم، ويقتضي ذلك ضرورة التنظيم المتأني
المدروس للعمل وإختيار العاملين.
11.                       العدالة: يجب أن يعامل الأفراد على نحو ملائم وعادل.
12.                       الإستقرار مدة كافية في العمل: ينبغي تحاشي الدوران السريع
للأفراد حيث أن إكتساب الخبرة يستغرق وقتاً.
13.                       المبادرة: يحب تشجيع جميع العاملين على المبادرة ضمن الحدود
التي تفرضها متطلبات السلطة والإنضباط.
14.                       روح الجماعة (روح التضامن): يجب بذل الجهود من أجل تعزيز
التناغم والإنسجام وتحاشي الخلاف والشقاق والإنقسام.
          أظن أننا نفتقر لوجود الكثير من المبادئ الأربعة عشر السابقة، ولن أعلق هنا
حتى لا نطيل وعلى القارئ مهمة المقارنة بينها وبين الواقع الذي نعيشه.

نظرة على ماكس فيبر والبيرقراطية:
          يسخر الكثير من النظرية البيروقراطية، ويكيل لها التهم ويكثر من نقدها
ومهاجمتها عندما يريد أن ينتقد الإجراءات في الدوائر والمؤسسات الحكومية
بكونها إجراءات بيروقراطية، فالبيروقراطية وفقاً للمفهوم الشائع اليوم مرادفة
للحالة السلبية والروتين والتأخير في إنجاز المعاملات والجمود في التعامل
وغيرها من الأمور السلبية، غير أن البيروقراطية تختلف في ممارساتها التي
نشهدها عن نظريتها على يد مؤسسها ماكس فيببر، حيث اهتم فيبر بوضعه
للبيروقراطية بإيجاد آليات للعمل في المنظمات وفق تسلسل هرمي ومنطقي قائم على
مجموعة من المبادئ أهمها:
1.    تقسيم واضح للعمل: وفيه تحدد الوظائف لكي يزود العاملون بمهارات كافية لأدائها
كما ينبغي.
2.    هيكلية واضحة للسلطة: أن السلطة والمسؤولية يجد أن تحددا بوضوح لجميع المواقع وكل
موقع يجب أن يعرف إلى أي جهة يقدم تقاريره.
3.    قواعد وإجراءات عمل رسمية (مكتوبة): يجب أن تكون هناك قواعد مكتوبة بوضوح لتوجيه
السلوك والقرارات لجميع الوظائف.
4.    اللاشخصية في التعامل: إن القواعد والإجراءات تطبق على الجميع دون استثناءات
شخصية ولا معاملة تفضيلية لأي من العاملين.
5.    التدرج الوظيفي حسب الجدارة: يجب اختيار العاملين وترقيتهم في ضوء قابلياتهم
الفنية وأدائهم.
6.    فصل الإدارة عن الملكية: لضمان أداء أفضل وتحقيق للأهداف فإن الإدارة تفصل عن
المالكين.
                   ولكننا لو تأملنا لوضع الدوائر الحكومية لرأينا هذه الآليات
والإجراءات التي وضعها فيبر مفقودة، ومع ذلك يؤخذ عليها بأنها
بيروقراطية.
                   عموماً، ما يهمني من هذا العرض هو أن حياتنا تكاد تخلو من الممارسات
الإدارية العلمية حتى على ضوء المدرسة التقليدية للإدارة، فكيف إذاً
بغيرها كالمدارس والإتجاهات الحديثة، وعلينا مقارنة أنفسنا بما جاء
به رواد المدرسة التقليدية كتايلور في الحركة والزمن، وهنري فايول
والمبادئ الأربعة عشر للإدارة، وماكس فيبر وآليات العمل الإداري
البيروقراطي، لمعرفة الهوة الكبيرة التي تفصل بيننا وبين العمل
الإداري ولو بصورته التقليدية.
-------------------------------
المصادر:
·       كتاب الإدارة والأعمال، تأليف الدكتور صالح مهدي محسن العامري والدكتور طاهر
محسن منصور الغالبي، دار وائل للنشر والتوزيع- عمان 2011.
·       كتاب مفكرون وأفكار صنعوا مجد الإدارة بإشراف الدكتور عبد الرحمن توفيق، مركز
الخبرات المهنية للإدارة-بميك القاهرة 2007.
·       معارفي التي اكتسبتها من خلال دراستي للعلوم الإدارية.

 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=6010
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2011 / 05 / 24
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 11 / 19