• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : قراءة في كتاب .
                    • الموضوع : قراءة في كتاب""التداولية عند العرب .
                          • الكاتب : د . وسمية المنصور .

قراءة في كتاب""التداولية عند العرب

 التداولية مصطلح جديد تمدد في مساحة واسعة من ساحات الدرس اللغوي الحديث، وامتد ليتصل بدراسات أخرى لها صلة بالمنطق والسيمائية واللسانيات ومنها علم الاجتماع اللغوي أو علم اللغة الاجتماعي فهو شديد الكلف والعناية بالأفعال الكلامية وهي الأفعال التي تتصف بتحقق الإنجاز والحدوث في الاتصال الخطابي بين المتكلم والمستمع. ويدل مصطلح الأفعال الكلامية على الأفعال ذات القوة المتضمنة في القول لتحقيق الفعل كالوعد والطلب والترجي، والتقرير والإخبار، والنفي والإثبات، والاستفهام والتمني. 

عرف العلماء العرب في العصور القديمة فكرة التداولية بمفهومها العلمي، وناقشوها في كثير مما وصلنا من تراث غني، وهم وإن لم يؤصلوا لمصطلح التداولية بلفظه فقد توافروا على كل ما تهتم به من مظاهر لغوية تنبثق من سياقات الاستعمال اللغوي الدائرة في مستوى التخاطب الفعلي وترجموا لمباحث كثيرة متصلة بها في باب الخبر والإنشاء، ولم يكن الاهتمام بالتداولية مثار اهتمام اللغويين من النحاة وعلماء البلاغة فحسب بل اعتنى بها عناية شديدة كل من علماء المنطق والفلاسفة والأصوليين والفقهاء.
أثارت القضية الدكتور مسعود صحراوي فتتبعها في مظانها من أصول العلم العربي ورصد مباحثها في مؤلف قيم قدمه للقراء بعنوان (التداولية عند العلماء العرب) نص في العنوان على إحدى غاياته وهي أنه (دراسة تداولية لظاهرة الأفعال الكلامية في التراث اللساني العربي).. وقد صرح مبكرا بمفهوم التداولية عنده فهي "علم جديد للتواصل الإنساني يدرس الظواهر اللغوية في مجال الاستعمال ويتعرف على القدرات الإنسانية للتواصل اللغوي ومن هنا تكون جديرة بأن تسمى : علم الاستعمال اللغوي" ص 17.
صدرت الطبعة الأولى من الكتاب عن منشورات دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت/ لبنان، صيف 2005م، جاء الكتاب في 240 صفحة من الحجم المتوسط ، ومما حفز الكاتب لخوض هذا المجال حاجة طلاب الدراسات العليا العرب لمؤلف بالعربية في هذا المجال، فما صدر كان بلغات أجنبية غمطت الحق التاريخي لجهود العلماء العرب فكان لا بد من جهد يجلي حقائق تاريخية ويبسط مباحث هذه النظرية برؤية عربية تجمع بين إحاطة واسعة بالتراث العربي المدون عبر حقب تاريخية متصلة إلى عصرنا الحديث كما تكتنـز معرفة واعية بما كتبه الآخر من غير العرب وهو ما تمثل به الدكتور مسعود صحراوي فهو أستاذ أجيال في جامعة الأغواط (الجزائر)، مطلع على الثقافات الأجنبية الحديثة اطلاعا معمقا إلى جانب ما تشكل في تكوينه المعرفي من وعي بالتراث ناجم عن قراءة متصلة بعلوم عديدة ومباحث فريدة كشفتها فصول كتابه الخمسة ، سبقتها مقدمة أجمل فيها دوافعه وأهدافه، ص 5-12 ، وختم بخاتمة بلورت الدرس في الأفعال الكلامية عند العرب وغيرهم ص 222- 227، وخص الفصل الأول بالمفاهيم التداولية التي تمثل نقطة مركزية لشبكة من المعلومات التي تتفاعل العلاقات القائمة فيما بينها وبين بقية الحقول المعرفية الأخرى، فتناول مفهوم الفلسفة التحليلية، ومهام التداولية، ونظرية الملاءمة، والفعل الكلامي، ثم السياق التاريخي للمفاهيم التداولية، وجعل عنوان الفصل (الجهاز المفاهيمي للدرس التداولي المعاصر) ص 13-46. 
وجاء الفصل الثاني مجليا معايير التمييز بين الخبر والإنشاء في التراث العربي ص 47-84 ثم تحول في الفصل الثالث إلى تقسيمات العلماء العرب للخبر والإنشاء ص 85 - 128 وصنف في الفصل الرابع الأفعال الكلامية عند الأصوليين ففصَّل في الأفعال الكلامية المنبثقة عن الخبر والأفعال الكلامية المنبثقة عن الإنشاء ثم عرج على ألفاظ العقود والمعاهدات ص 129- 172. أما الفصل الخامس وهو الأخير فقد كان أكثر الفصول طولا ص 173- 218 ذلك أنه يبحث في الأفعال الكلامية عند النحاة وكشف عن العلاقة بين النحو والدلالة في جهود النحاة العرب ودفع عن الدرس النحوي القديم ما وصم به من كونه درسا تجريديا يتناول التركيب منفصلا عن بحث المعنى لذا جاءت مباحث الفصل لتكشف عن درس النحاة لظاهرة الإسناد وعلاقته بالظواهر الأسلوبية، واهتم الكاتب بتجلية المبادئ التداولية في الدرس النحوي مثل مبدأ "الإفادة" وعلاقته بظواهر التعيين والإثبات والنفي، والتقديم والتأخير، ومبدأ "الغرض والقصد"، وحظيت الأفعال الكلامية في الأساليب النحوية باهتمام الكاتب فتناول بالدرس التأكيد والقسَم والإغراء والتحذير والدعاء والاستغاثة والندبة، ثم عرض للأفعال الكلامية في حروف المعاني.
وخلاصة ما انتهى إليه " أن التداولية بمقولاتها ومفاهيمها الأساسية كسياق الحال، وغرض المتكلم، وإفادة السامع ومراعاة العلاقة بين أطراف الخطاب ومفهوم الأفعال الكلامية يمكن أن تكون أداة من أدوات قراءة التراث العربي في شتى مناحيه ومفتاحا من مفاتيح فهمه". ص 226. 
وتميز البحث بهذا الحشد المنوع لصنوف المعرفة التي تضمنتها قائمة مصادره العربية والأجنبية التي ضمها مسرد تضمن 139 عنوانا منها كتب قديمة وحديثة ومنها مقالات في دوريات محكمة.
إن حاجة الدرس اللغوي الحديث إلى تحديث مباحثه ومناهجه، تتطلب تزويد الباحثين بمثل هذا الكتاب الذي جمع بين أصالة الموضوع ودقة المنهج وثقافة الكاتب ووضوح رؤيته.



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=57274
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2015 / 02 / 03
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 09 / 29