• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : أنَّي أُحبُكَ يأولدي... .
                          • الكاتب : صلاح عبد المهدي الحلو .

أنَّي أُحبُكَ يأولدي...


انت لاتعرف معنى كلمةِ الحب...
ولاتدري تفسيراً لمعنى حبِّي لك,
انا كذلك ياشغاف قلبي ويامقلَ عيوني,لاأعرفُ معنى هذه الكلمة ِ حينَ يتعبدُ بها لساني عند محراب اسماعك,وحين يَترنَّمُ بها فمي بين يدي حضرتك ....
اريدُ ان اسكبَ خمر مشاعري في كأسِ قلمي, ثمَّ أصبُّها في قوالبِ الالفاظِ عسى ان تتشكلَ معاني هيامي بك,وانَّى لحربةِ قلمٍ من خشب ان تَشعرَ بأحاسيس قلب من لحمٍ ودم؟ وكيف لسطور صحائف من ورق أن تدري بمشاعر روحٍ من عاطفةٍ وشعور؟
حين اقول انِّي احبُّك ثم لااجد تفسيراً لهذه الكلمة اخجل منك , كخجل العابد في مصلاَّهُ حين يرتلُ ادعيةَ صلواته لمعبودهِ وهو لايدري معناها, او كخجلِ عاشقٍ يتلو قصيدة شوقٍ لمحبوبته وهو لايعرف تفعيلتها.
انَّ عشقي لك هو وجودٌ لمشاعري,غايته ان هذا الوجود العاشق تارةً يتلبَّسُ
برداء الشفقة حين تكون مريضاً,واخرى بلباس الشوق حين تكون غائباً,وثالثة بأزار الاسف حين تكون غافلا ,
انا أعلم أنني ضيَّقتُ عليكَ كثيراً,لقسوتي عليكَ حيناً, وتشدُدي معكَ حيناً آخر,واليوم حين التقت نظراتُنا هالني لغة العتاب التي قرأتها في مرآة عينيك,قرأتُها بسرعة وفهمتها بأسرع ممَّا قرأتُها.
لقد مزَّقَتْ سكينُ تلك النظرة كلَّ كياني,وطعنتني في صميم ابوَّتي,وإذا كان بعضُ الابناء يعقون أباءَهم,فإنِّي اعترفُ انَّي عققتُكَ مراراً كثيرة,وظلمتك احايين عديدة,
عققتُك يوم عاملتُكَ - وأنتَ طفلٌ - معاملةَ الكبار,وظننتُ بذلك إنني أصنَعُ منك رجلا,
وظلمتُك إذ لم أراعِ مشاعركَ وانتَ في سنِّ المراهقة الخطر,وعاملتُك معاملة اباء جيلي لجيلي,ولم أُعاملْك معاملة اباءِ جيلك لجيلك,
وظلمتُك اخرى يوم كان الموقف يتطلَّبُ شدَّةً فرخوت,وكان اخرى يتطلَّبُ رخاوةً فشددت,
يابُنيَّ,اغفر لي خطأي في حقِكَ,فعذري عندك انَّي احبُكَ,وان عاطفتي لاتترجمُ هذا الحبَّ في صورته العملية الاَّ بالقسوة الزائدة حيناً,والشدة عليك حيناً اخر,وان كان نصابُ هذه الشدَّة ان تدفع زكاة الالم من قلبك,وان يكون ثمن تلك القسوة ان ترسم لوحة العتاب في عينيك.
تعال وآرجع معي ستةَ عشر عاماً الى الوراءِ,لقد كان قلبُ ابيك في تلك الفترة مثقلاً بالهمومِ,مُوقِرا بالاحزان ,تكادُ لاتومضُ في سماءِ مشاعره ومضةٌ من عاطفة,ولاتنبتُ في ارضِ احاسيسه سنبلةُ من شعور,وكان لايفرقُ بين قلبي وبين أيِّ صخرةٍ صمَّاء الاَّ فترةٌ من الزمن قليلة لاأكثر,ليكون قلبي تلك الصخرة او أشدَّ قسوة,او تكون تلك الصخرةُ هذا القلبِ او أقلَّ قسوة,فلاتعجبْ أن قلتُ لك إنَّ معاشرتي بالحُسنى لمن كان في داخل الدار لم تكن من باب العاطفة بل كانت من باب حُرمة أذى الاخرين,وانَّ مخالطتي بالجميل لمن كان خارج الدَّار لم تكن من باب الموَّدة بل من باب حسن الخلق والحياء .
يابنيَّ,وكان الهمُّ والخوفُ والظلمُ وضيقُ ذاتِ اليد قد أكلتْ كثيراً من انسانيَّتي وكثيراً من ديني,وكادت ترسمُ لي معتقداتٍ جديدةً عن العدل الالهيِّ والقضاء والقدر,لولا أنَّ لقمة الحلال ردَّتني عن كثيرٍ من الغيِّ,ولولا أنَّ حبَّ اميرِ المؤمنين عليه السلام عصمني عن كثيرٍ من الزَلَل....
وفي ذلك اليوم الذي جئتَ فيه الى الدنيا,تبدَّل الحال وتغيَّرتِ الدُّنيا,
لقد خلقتَ لي قلبا,
نعم يابنيَّ,فذلك القلبُ القاسي تدفَّقت فيه العاطفةُ انهاراً قلعَت كلَّ صخوره,وابدلتها بربيعٍ من العاطفة اخضر معشوشبٍ بالاحاسيس اليانعة,وبسماءِ من العشق زرقاءَ مرصعة بنجوم الحُبِّ اللامعة,
فبهذه النعمة التي انعمك الله بها عليَّ تبدَّلت معتقداتي في القضاء والقدر,وصرتُ اعاملُ من كان في الدَّار لامن باب حرمة ايذائهم,بل من باب الحبِّ اليس الدينُ هو الحب؟
وصارت مخالطتي لمن كان خارج الدَّار ليس من باب حسن الخلق فحسب بل من باب المشاركة القلبية الصادقة.
انقلبَ الهمُ بوجودِك املا,وصار الخوف امنا,وضيقُ ذاتِ اليدِ بك غنى,
لقد وهبتني ياولدي حياةً جديدة غير تلك الحياة,وعمراً اخرَ غيرَ ذلك العمر,فواعجبا,هل سمعتَ بشخصِ يُولَدُ فيُولد بولادته شخصان؟!
لاتعجب,فذلك انتَ يابنيَّ,ولدتَ فولِدَ معك ابوك من جديد, فأنت والدٌ وولد,وأنا أبنٌ وأب,
فانا والدك الصُّلبي وانت والدي الروحي,ولايرتابُ احدٌ انَّ الوالد الروحي خيرٌ من الوالد الصلبي,وهذا هو سرُّ شغفي بك على غير المعقول الذي يجعلني اتشددُ معك على غير المألوف,لأنَّي احبك ضعفين,
حُبّاً لأنك أبني من لحمي ودمي,
وحباً لأنَّك ابي عاطفةً وشعورا,
فاعذرني,وسامح أباك على كلِّ زلَلٍ وخطيئةٍ اقترفها بحقك.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=55240
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2014 / 12 / 18
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 12 / 11