• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : وهل يجدي الإسكات نفعاً ؟ .
                          • الكاتب : كريم الانصاري .

وهل يجدي الإسكات نفعاً ؟

 " الكثيرون يعدّون " الإسكات " نوعاً من الإرغام والاستبداد والإذلال ومصادرة حرّية الرأي والاعتقاد ، لوناً من ألوان الظلم والاستعباد  ، فإنّ اضطرار الآخر على القبول لم ولن يكون ناشئاً من الرضى والتسليم التام ، فلربما أخضعته الحاجة والضعف والمداراة والخوف . إنّه الخلل بعينه أن تبقى المشكلة قائمة كأنها النار تحت الرماد . بخلاف "الإقناع " الذي يعني الإرضاء بالحجّة والدليل والبرهان ، ورغم أنّ رضى الناس غايةٌ لاتُدرَك إلّا أنّ الفضاء الذي يتنفّس نسيم القناعة من الصعب جدّاً إرغامه على قبول هذه الفكرة وذاك المعتقد . ممّا نستشهد به في هذا الإطار مقولة " نحن أهل الدليل حيثما مال نميل " والحقّ والإنصاف أنّ آثار علمائنا وفقهائنا ومختصّينا تعجّ بالمناهج المعرفية الساعية إلى منح " الدليل " و" الاستدلال " غاية الفرصة والمكانة ، حتى أخذ " العقل " منزلته أيضاً في مضمار " الإقناع " ، بل أدّى التطوّر المذهل في علم الاُصول عبر مراحله المختلفة التي بلغت " التكامل " عهد الشيخ الأعظم الأنصاري  - ونحن لازلنا عيال مدرسته - إلى خلق مناخ تهبّ عليه رياح التغيير ، تغيير الأنساق والتحليق في آفاق الإبداع والابتكار ، فكان أن رُفِدت الأوساط المعرفية والمعاقل الثقافية بروائع الآثار والمصنّفات التي تعكس النموّ الهائل الذي طرأ على مدرسة أهل البيت (ع) خصوصاً في علمي الفقه والاُصول وبعض النجاحات في علم التفسير وخطوات دون مستوى الطموح في علمي الكلام والتاريخ ، أمّا في ميدان مواجهة المناهج الفلسفية والفكرية والإنسانية كالبنيوية والحداثوية والبنيوية المحدثة والعولمة والأنسنة ومايشوبها من مفاهيم كنهاية التاريخ وأصل الأنواع وفلسفة الدلالة والحكمة العملية والعقلانية ونظائرها فلازلنا في أول الطريق .  إنّنا في صراع دائم ، سواء على صعيد الذات بمعنييها الأخصّ والأعمّ ،أم على صعيد الآخر أيضاً بمعنييه الأخصّ والأعمّ  . إلى ذلك : إنّ صراع اليوم يختلف تماماً بأساليبه وإمكاناته ومضامينه عن صراع الأمس ، إنّها - مثلاً- " العقلانية " التي إن لم نحسن الغور في أعماقها السحيقة وبطونها العميقة ، ستهدّدنا وتغزونا في عقر دارنا ، بل قد فعلت ذلك بنا ، وللمثال فقط : لو تابعنا وقرأنا حجم الفضاء الذي يشغله الخطاب الأميركي عبر الأقمار الصناعية ومواقع الانترنت ، الذي غزا حتى فرنسا الكبرى بأكثر من 50% ، لعرفنا كم نحن تحت رحمة ثقافة الآخر دون أن نشعر بذلك حتى ، إلّا من خلال التيه الملحوظ الذي يمرّ به الكثير من أبناء اُمّتنا وديننا ومذهبنا . إنّ الشعائر الدينية والمناسبات المذهبية والنشاطات الفكرية والثقافية عبر الأدوات السليمة والتقنيات الحديثة  لها الدور المؤثّر في خلق التوازن المناسب والإمساك بزمام المبادرة في مواجهة مدّ الآخر الذي يعيش معنا وفينا ، وهنا لابدّ من التأكيد على المناهج العقلانية تأكيداً مضاعفاً؛ حيث لها الكلمة الفصل في ظلّ الظروف الراهنة ، وهذا يستدعي بطبيعة الحال جهداً معرفياً هائلاً ونتاجاً علمياً راقياً وممارسةً منهجيةً رفيعةً بمستوى الحدث على أدنى تقدير . إنّ ثوابتنا وقيمنا ومبادئنا في خطر حقيقي ، فإن لم نستطع إرساء ثقافة "الإقناع " إرساءً واقعياً تؤمن به ذاتنا إيماناً واعياً بحيث تتمكّن حتى  من التعبير عنه تعبيراً عقلانياً ، وأبقينا على ثقافة "الإسكات " حاكمةً تتلاعب بعقولنا وأحاسيسنا ، فلانلومنّ إلّا أنفسنا . وممّا يثلج الصدر ويبعث الأمل : أنّهم كم حاولوا إسكاتنا وترويعنا ونفينا وحذفنا لكنّا بقينا إلى اليوم نحيا بكلّ فخر وإباء ؛إذ علّمنا قادتُنا أنّ الوئام خيرٌ من الخصام والحرب مرجوح إزاء السلام والحوار ديدن الإسلام ودم الإنسان أفضل من كعبة الخالق المنّان .وهذا منهج راقٍ ومصداق نابض من مناهج الإقناع .




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=50544
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2014 / 09 / 04
  • تاريخ الطباعة : 2024 / 03 / 29