• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : حكم الاحزاب الدينية ، تفويض مشروط ، أو مطلق ؟ .
                          • الكاتب : الشيخ عمار الاسدي .

حكم الاحزاب الدينية ، تفويض مشروط ، أو مطلق ؟

 تُلقي في بعض الاحيان بعض الازمات بظلالها على مشهد الفكر والحياة لتستثير موضوعات يكون البحث فيها جديراً لاستيضاح الموقف الصحيح من مسالة ربما تكون مشوشة او غامضة ، لبعض التداخلات .

ومن تلك المسائل علاقة الأحزاب الدينية الشيعية كممثلات للشعب والقواعد الشيعية بالمرجعية الدينية العامة ، وهل يوجد ما يسوغ مخالفة الأولى للثانية من جهة اختلاف ميدان عملهما والوظيفة التي يضطلع بها الأثنان ؟

وموضوع الاختلاف طبعا هو وسيلة الحكم او صلاحية بعض افراده ، اذا ما تطلب وضعٌ معينٌ ، أو ظرف خاص تدخل المرجعية العليا العامة وتغليب كلمتها ، لتصحيح وضع ، وتسيير العملية السياسية على خلاف ما يرغب او يصنع الساسة لتتخذ شكلاً آخر لظروف موضوعية تراها جديرة بذلك . بعد وضوح ان الاحزاب لا صلاحية لها في عمل المرجعية فيما تختص فيه من عملها الديني . 

في العصور المتاخرة التائقة فيها الشعوب للنهوض باستحقاقاتها ، ورعاية مصالحها ، والخروج عن نير الظلم وطغيان حكم المتغلب ، وتنور الانسان بحقوقه المدنية ، وتقارب البشر في حصص التعليم ، وتفتق الاذهان بالتعليم والاعلام ، ظهرت في الاوساط الاجتماعية للشعوب طبقة اتخذت من العمل الحزبي طريقاً لتحقيق اهداف سياسية في الادارة والحكم كوسيلة لتحقيق اماني وتطلعات شعوبها ، او هكذا بدت وأسست لمشروعيتها وخصوصيتها . والمسلمون عموما كانت فيهم تلك الطبقة التائقة الى ترجمة الاهداف الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية للاسلام على مستوى الدولة ، فتكونت الاحزاب الدينية لأجل ذلك والحركات . والشيعة فيهم من رأى ذلك النشاط مناسباً للنهوض بأعباء مهمة رفع الظلم والحيف عن ابناء ذلك المذهب في واقعهم الديني والاجتماعي ، كونهم كانوا ، ولقرون خلت ، غالبا تحت وطأة الحاكم الظالم الذي يتقصدهم بالظلم ، او يتحاشى ويتجاهل حقوقهم لدواعي مختلفة . فشجعت تلك الاسباب القوية لقيام احزاب شيعية دينية تهدف الى الخروج عن استار الخوف والوصاية والحكم من الآخرين ، مستفيدة من الوضع والانفراج العالمي العام .

الا ان هذه الطبقة السياسية السريعة التوثب ، المندفعة بالخزين الكبير من ارث الظلم والاضطهاد ، لم تنسق عملها على قواعد معروفة توازن بها ادائها ، وفي اولها عجزها عن البرهنة على قدرتها على القيام بحقوق ابناء طائفتها وصيانتها ووضع المناهج لاستقرارها ، لعدم اهتدائها لصيغة عامة مرضية لنيل الثقة والاعتماد ، الا بطريقة الاحزاب الدينية التي غالبا تقع في التناقض بين ما تقتضيه المصلحة الحزبية الضيقة ، وبين ما تتطلبه المرحلة في نيل ثقة قواعدها المقتضية لتجاوز تلك المصالح المحدودة المضعفة للاداء العام والخدمة العامة .

وبذلك عرفت الشيعة بعد ان كانت تلجأ للطبقة العليا من علمائها في مهماتها ، جهةً اخرى وصلت الى مرحلة امساك الحكم وتسيير البلاد ، وهي الاحزاب الدينية الشيعية .

ومن الاول بدا واضحا ان تلك الاحزاب تضطلع بمهمة اخرى غير مهمة العلماء ، وهي محاولة رفع الظلم الخارجي الواقع على ابناء هذا المذهب الواحد ، ومقاومة الاقصاء والابعاد ، وتحسين فرص عيشها وحقوقها ، الا انها ابتليت بما اشرنا اليه ، وآفات اخرى تشترك الاحزاب في الوقوع بمحاذيرها.

وحاولت بعض هذه الاحزاب ان تستقل في مراجعاتها الفكرية وتجتهد لمواقفها وقراراتها وتعتمدها في مواقفها من الاخرين وفي الحكم ، فوقعت في اشكالية اختلاف رؤاها عن رؤى العلماء الكبار كمراجع للناس الذين يشكلون أغلب قواعدها ، كما انهم مراجع لغير المنضوين تحت لوائها ، ممن تدير تلك الاحزاب شؤونهم .

ولكي لا يطول المقال الذي لا نريد له ان يأخذ شكلا متخصصا فقهيا اكثر من كونه ثقافياً مبنيا على اسس عامة واضحة القواعد سلفا ، نلخص رأينا في ضرورة ان لا تخرج تلك الاحزاب والمؤسسات في عملها ومناصبها حتى الحكومية عن مخالفة المرجعية العامة في كليات اتجاهاتها وقراراتها ومن دون الاعتماد على مبدأ ولاية الفقيه العامة ، بل بالمقدار المتيقن من موقع الفقهاء فيما يلي :

1- ان مرجع شؤون المسلمين الشيعة بالاساس هي للفقيه ، فهو الناظر في مصالحهم ، من جهة اعتدال مزاجه وقواه ، وابتعاده عن المنافع الشخصية والفئوية بشكل مطلق ، وعلمه الواسع باسباب التشريع ، واحاطته بتجارب القيادة ، وولاء القواعد الموالية له واعتقادها بقدراته ، وهذا بامكان الأمة ان تتأكد منه وتعلم به ، والعلم حجة كل مطلوب ، ومنتهى كل غرض . بينما الاحزاب بالاضافة الى حداثة تجاربها ، وضُعف مؤهلات أصحابها ، مبتلاة في كثير من احكامها وقراراتها بمراعاة وتقديم مصالحها الخاصة ، فربما ترى رأياً ليس في صالح الامة والشعب ، وان كان في صالحها ، فهي لن تقدم على التنازل او ترك مصالحها الخاصة على حساب مصالح عامة ، أو مصلحة عليا بعيدة الامد والاجل .

وانما كانت قراراتها وادارتها للبلاد ماضية مشروعة ، باعتبار عدم امكان تصدي الفقيه للحكومة الاسلامية التامة ، لاسباب معروفة ، فاختير هذا النظام في ادارة البلاد باعتباره الاقرب لتحقيق المصالح في حالاتها الاعتيادية ، ومادام يتحرى له الطريق الاقرب ، وما لم يتضح للفقيه ان مسلكا ما سيؤدي الى مفسدة واضحة لا يستطيع الحزب والحكومة تفاديها لظرف يرتبط بافراد تلك الحكومة او نظامها الخاص.

ولما كان رعاية مصالح الامة ومجموع الرعية هو الهدف من أي نظام حاكم ذلك كله ، كان المرجع عند الاختلاف بحسب نظر العقل بعد التسليم بمقدمات مؤهلات المرجعية وتقدمها على مؤهلات الأحزاب ، هي المرجعية المتمثلة بالمرجع الاعلى الذي يعد من جهة هذه الجوانب الرئيس المفوِّض لتلك الاحزاب في العمل بمصالح غيرها . وهذه الجهة لا ترتبط بحكم شرعي عدا احراز حكمة وصواب توجهات المرجعية واطلاعها على الجهات التي تؤهلها لذلك . فهي هنا منصب اعتباري عقلائي بوظيفة قررتها التجربة وولاء واخلاص الناس لها، ومؤهلاتها . فعلى الحكومة والحزب طاعتها من باب حكم العقل ، فان الحزب اذا راى صواب القرار النافع للصالح العام ، كان عليه تقريره عقلا وان لم يصدر من جهته . فان تفويض الحكم اليه بالانتخاب وبالطرق الدستورية لا يخوله الاضرار بالمصالح العامة لو انجر طريق عمله وتحالفاته الى نتائج تظهر عواقبها الوخيمة بوضوح على الناس .

2- ان التكليف الشرعي لتلك الاحزاب التي فرضناها شيعية ملتزمة بمنهج رجوع الافراد في افعالهم وتروكهم الى الفقهاء يشمل حتى نشاطاتهم غير الشخصية ، اي التي تتعلق بمن يحكمونهم ، فهم وان كانوا مخولين بمقتضى الامضاء الشرعي للحكم المدني بآلياته الانتخابية وغيرها ، والتي بموجبها كان للحزب وافراد الحكومة حق التشريع والحكم في القوتين التشريعية والحكومية التنفيذية ، الا ان ذلك التخويل والامضاء غايته عدم نقض غرضه الذي من اجله اعطوا ذلك التخويل ، وهو الوصول الى تحقيق مصالح المسلمين في شتى الميادين ، وهذا الحق لم يثبت لهم بالاصالة ، او النصب الخاص والعام من الشارع كما هو واضح ، لكي يقتضي اطلاق نصبهم وتمكينهم متابعة الاخرين لقراراتهم ، وان لم تبدو صالحة ، بل مقتضى ايمان الكيانات السياسية الشيعية بان النصب العام من الشارع لرعاية مصالح الامة هو للفقهاء رضوان الله تعالى عليهم بمواصفات خاصة ، يحتم عليهم عدم مخالفتهم فيما يبتون فيه مما يرون عدم امضائه من تصرفات الحكومة او البرلمان اللذين تكونهما الأحزاب ، إما لمصادمته لمصلحة ، أو افضائه لمفسدة لا يمكن السكوت عنها . فان خالفوا وأصروا، أُعتبروا عاصين مستحقين للعقاب الاخروي ، خصوصا اذا لم يعتقدوا اعتقادا جازما صحة ما يصرون عليه في الامور التي تتعلق بالحكم وادارة البلاد . باعتبار ان الاعتقاد الجازم يرفع المسؤولية عن صاحبه مادام لا يرى قرار غيره وحكمه المخالف له ، له مايبرره علميا وحكميا . واغلب تصرفات الحكومات فضلا عن التشريعات ، هي اجتهادات غير مكتملة الصورة في حال خالفها الفقيه بشدة ، او غير مراعى فيها المصلحة من جميع جهاتها ، وتجثم فوقها المصالح الفئوية وقصور تطلعات اصحابها . فلا يكونوا فيها محققين لجهاتها العلمية الخاصة بها بجميع مقدماتها ، فكيف يمكن ان يكونوا جازمين بها؟

على ان جزمهم ايضا ، لا يرفع عنهم التكليف الشرعي بوجوب متابعة الفقيه فيما خالفهم فيه ، لأن الامر لا يخلو اما ان تكون هناك مقدمات خارجية ليست من صميم عمل الفقيه ، اي مقدمات عقلية غير شرعية ، غابت عن الفقيه فاتخذ منحى في حكمه مغاير لما اتخذته تلك الاحزاب او هيئتها الحاكمة ، او لم يغب شيء ، ولكن كان سبب الاختلاف هو الاجتهاد في الفكر والنظر في ترتيب نتيجة مناسبة على ضوء معطيات تلك المقدمات .

وعلى كلا الوجهين والاحتمالين المرجع هو الفقيه . اما على الاحتمال الاول ، فانه يجب على الحزب او الحكومة بيان تلك المقدمات ، لتصحيح الصورة التي يتخذها الفقيه لسحب المعارضة وتغيير موضوع حكمه ، ولا يجوز دعوى ذلك مجردة بان يدعوا ان المرجع غير محيط بجهة ما ، وذلك لانه من المستحيل بمواصفات المرجع العقلية والنفسية ان تكون المقدمة واضحة بعد احضارها امامه ويكون غيره افضل ترتيبا للنتائج منه ، حتى في المسائل التي تتطلب خبروية في امور حديثة او علمية ليست من اختصاص المجتهد ، لانه من المؤكد سيلجأ الى اصحاب اختصاص يقدمون المشورة ، ويتولى هو القرار والحكم بعدها .

وليس رئيس افضل دولة عالمية في التوازن الفكري والنفسي بأفضل من ذلك الفقيه الجامع لشرائط المرجعية العليا ، لكي يكون قرار ذلك الرئيس حاسما في امور مهمة مصيرية عند العقلاء الذين بنوا الانظمة الحاكمة بعد رجوعه للمستشارين والخبراء فيما لا علم له فيه ، ولا يكون قرار وحكم الفقيه مقبولا مع اعتماده عين الآلية العقلية او العقلائية ، بل يزيد الفقيه عليه انه خبير في الدين الذي ترجع مصالح العباد الدنيوية في كلياتها اليه . ونجد العقلاء في العالم مضطرين للاذعان بحكم الرئيس المدني للدولة بعد ترجيحه رايا طبقا لاستشارات رجحها بالرغم من وجود استشارات اخرى مخالفة !

ويعدونه معذورا لو تبين خطأ قراره فيما بعد ، ما دام قد اتبع الآليات المعروفة في احراز مقدمات القرار واختلاف مراجع تشخيص ذلك بين يديه .

فيدل ذلك على وجود سيرة عقلائية على تقديم قول الرئيس فيما لو اختلف اهل العلم في مقدمات الحكم لديه ، ويصبح ترجيحه هو الحاكم وان كان هو ليس من العلماء في تلك المقدمات .

فمن هنا فان الاحزاب مضطرة الى متابعة المرجع المقرة برئاسته لمصالح العباد حتى في الامور التي مقدماتها خارجة عن اختصاصه بالآلية العقلائية التي ذكرناها . هذا على الاحتمال الاول .

واما على الاحتمال الثاني ، فالمسالة اوضح لأن منصب رئاسة المرجع بعد ان كان متقدما في الرتبة على منصب تلك الاحزاب بإقرارها ، وانها مفوضة في الحكم وليست لها اصالة شرعية ذاتية لعنوانها ، يكون المرجع في الاختلاف هو المرجع ، لانه هو المفوّض لهم ، ولا يعقل تقدم قولهم على قوله فيما اجتهد الاثنان فيه واختلفا ، حتى فيما لا تكون مقدماته او احداها دينية من اختصاص المرجع ، بعد تحريه المقدمات بالطرق العقلائية ، وضرورة رجوع القرار لواحد من المختلفين ، تماما كما في مثال الرئيس الآنف .

3- على تقدير ان التفويض للاحزاب في الحكم والتشريع بالآليات المدنية هو من قبيل العقد المعاملي بين الناخبين وبينهم ، أو بين المرجع وتلك الأحزاب ، كما يرى البعض ذلك ، فان اي عقد يعتبر منتقضا ومفسوخا اذا خالف شرطا ضمنيا ارتكازيا في ذلك العقد حاله حال اي عقد كان فيه شرط ضمني ارتكازي . وذلك الشرط هو عدم مخالفة مقررات الطرف المذكور للمرجع العام ، فان وجوب الوفاء بالعقد لا يشمل ذلك ، وهذا الشرط من جهة الناس مغروز في وجدانهم ، ومرتكز بصورة يكون مأخوذا على من يتعاقدون معه ممن يدير شؤونهم . بل في وجدان كل طائفة او جماعة تدين لشخص وجهة في رعاية مصالحها ، فلا ملزم للمرجع للقبول بمقررات واحكام من هو دونه اذا لم تثبت صلاحيتها للناس الذين هم بمسؤوليته اولاً .

كما يمكن الاستدلال له بالحديث المعتبر \" المسلمون عند شروطهم الا شرطاً حلل حراماً ، او حرم حلالاً . او قول امير المؤمنين عليه السلام \" شرط الله قبل شرطكم \" . بمعنى ان ما كان لله فيه الكلمة ولو بواسطة من لهم الاهلية لذلك بمقتضى تسلسل المناصب الدينية وصولا للفقيه ، مقدم على ما تشترطونه ، ولا تكون شروطكم في معاملاتكم قابلة للوفاء والالزام اذا كانت مخالفة واقعاً او ظاهراً لمن شرط له الله القيام بمصالح العباد . فلا يجب الوفاء للحزب او الحكومة في عقد توظيفهمالادارة البلاد ، اذا كانت بعض مقرراتهما او اصل ترتيب استحواذهما على الحكم مخالفاً لحكم الفقيه المرجع العام .

وهكذا تجد ان على جميع الانحاء التي يمكن تصويرها في علاقة الاحزاب الشيعية الدينية بالمرجعية العامة الدينية في شؤون عملها في الحكم وادارة البلاد ، عقلية كانت او عقلائية او شرعية دينية خاصة ، لا يمكن تحصيل وجهٍ لتقديم قول الحزب والحكومة في شؤون العمل والحكم المدني ، على قول الفقيه المرجع العام ، فيما يختلفان فيه ، حتى على عدم القول بولاية الفقيه العامة . وان الاول محكوم للثاني من جميع الجهات . 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=48493
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2014 / 07 / 14
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 01 / 20