• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : ثقافات .
                    • الموضوع : تحت المطر في ذلك اليوم البعيد.. .
                          • الكاتب : عيسى عبد الملك .

تحت المطر في ذلك اليوم البعيد..

يلتقيان كل صباح، في الساحة التي يتجمع فيها أناس كثيرون وتتشعب طرق. أكثر من مرة، حاول أن يبدأه بالتحية، لكن الآخر، كان يفوت عليه الفرصة، ويسبقه بـ تاك تاك تاك.. هكذا الأولى طويلة، تتبعها الأخريات قصيرات متلاحقة. ينظر في صفحة وجهه الأسمر العريض، وعينيه الضاحكتين، وابتسامته المرحة، ويرد عليه جذلاً.. تاك تاك تاك.. وتنأى الطرق.
لم يعرف أسمه ولم يسأل عنه، فقد صار يعرفه، يعرف مشيته، وابتسامته، وعمق الصداقة في عينيه، وأكثر من ذلك جمله المفيدة تلك، لغته التي تتألف من أحرف ثلاث لا أكثر، هكذا نشأت صداقتهما.
في البداية، كانت تاك واحدة، قصيرة، مترددة، ثم صارت اثنتين وثلاث، وتعددت بعد ذلك واختلفت أنغامها، فمنها المرحة ومنها الحزينة، والمتسائلة والعاتبة أحياناً. أعتاد أن يراه، كما اعتاده، بل أحبه، أحب تاكاته، صاغ منها لحناً كثيراً ما صفر به.
- لي صديق يحييني بـ تاك تاك تاك، قالها مرةً لتلاميذه فضحكوا.يراه من بعيد مقبلاً، يداه في جيبي سرواله، في البدء عاب عليه ذلك، ثم أعجب به، إنه يعدو ومع ذلك تظنه يسير ببطء على خط مستقيم وهمي لا يحيد عنه، وقد يتنحى جانباً إن ضايقته حافلة، لكنه، سرعان ما يعود إليه من جديد.
هكذا سارت صداقتهما، حتى أفتقده ذات يوم.. جالت عيناه في كل اتجاه تباطأ في سيره.. أراد أن ينتظر، فحثته ساعته على الإسراع، إذ ليس في الوقت متسع..
- لقد تأخرت اليوم؟ لنسرع فأنا أيضاً قد تأخرت بالرغم من..
كان السائر إلى جانبه زميلاً له، راح يحدثه، وراح هو يحادث نفسه.
- ترى لماذا غاب؟ اختفى؟ غداً سأنتظره، أسأل عنه، ولكن أسأل من؟. وتنهد أسأل؟ وكيف أسأل و.. غبي، قالها بصوت عالٍ.
- نعم؟ قالها زميله الذي يسير بجانبه، حادةً مستنكرةً.
- عفواً.. لم أقصدك، أجاب بخجل.
- كيف وليس في الطرق سوانا؟
- بل فيه.. رددها كمن يحادث نفسه.
- غيرنا؟ قالها زميله مستغرباً.
- نعم، أجاب بهدوء.
- من؟
- أنت وأنا ونفسي، فهمت الآن؟
- فهمت، والآن أسمح لي فقد تأخرت، قالها زميله وأسرع، ازدواجية هذه أعراضها.
سمعه يتمتم وهو يبتعد.
في الإدارة التي وصلها متأخراً كان زملاؤه ينظرون إليه بطريقة لم يعتدها:
- أنت متعب هذا اليوم، قال له المدير مبادراً.
- فعلاً، أجاب باقتضاب وبرود.
منذ زمن لم يحدث أحداً عن صديقه الذي لا يعرف أسمه والذي لم يعد يراه.
ما الذي أثاره اليوم؟
أهو الشارع الذي تغيرت ملامحه؟ شجرة هنا، محل هناك، أم الساحة التي اختفت، أم ضغط الذكريات في هذا اليوم الكئيب؟
سقط المطر فجأة، أنتفض، أش، أسرع الخطى.. كان المطر يزداد غزارةً وثقلاً، ابتلت ملابسه، لامس البلل جسمه، أحس بالبرد فأرتعش، توقف.. هذا ليس مطراُ بل غضب، قالها بعصبيةٍ وأسرع إلى مظلة تجمع تحتها بعض الناس، كانت آيلة للسقوط.
حشر جسمه بينهم وهو يرتجف.. نفض ملابسه، مسح جبهته بإطراف أصابعه، ثم براحة يده، أزاح عنها الماء ،غسل وجهه ومسحه بظاهر يده، أبتلَّ أكثر.. أراد أن يعطس، فتح فمه لكنه لم يعطس.. هز يده، وابتسم..
عيون ست ترقبه، تتفحصه منذ أن وقف، أربع عيون عن اليمين عينان عن اليسار.. نظر نحو اليمين نحو العيون الأربع التي تتفحصه..
رآها.. غض بصره، سأل نفسه، حاورها كعادته..
- ترى لماذا تنظر إليَّ هكذا؟.. لم يجد جواباً.. حاول تجاهلها.. لم يستطع.. رفع بصره.. ألقى نظرة على أحداهما، كانت تحمل كتباً بلا حقيبة.. ابتسمت له، اضطرب شيء في أعماقه، نظر ثانيةـ أطال النظر.. تأملها، أحس بالحرج.. أغمض عينيه ثم فتحهما.. كانت ما تزال تنظر إليه باسمةً، ارتبك، هذا الوجه الذي يبتسم.. هاتان العينان، هذا الشعر الذي رتب بعناية.
- ترى كيف حشرت بينهم؟ سيعصرونها.. راحت عيناه تلتهمانها ثم فجأة.. ضرب مقدمة رأسه بيده، لا، لا. هم أن يغادر المكان لكن المطر!.. لام نفسه.. هدأها.. تماسك يا رجل، قالها لنفسه.
ذات يوم مطيرٍ كهذا، كانت تقف هناك حيث الفتاة الباسمة ذات الشعر الذي رتب بعناية.. كانت تحمل كتباً بلا حقيبة، وكان يحمل مظلةً وجريدةً، فيها نعي شاعر أحبه..
حاول ان يتجاهلها، تظاهر بذلك، أدركت ما حاول، وحينما التقت نظراتهما ابتسمت له بل كادت أن تضحك وبادلها ابتسامة..
نظر إليها بملء عينيه، أراد معرفة رد فعلها، كانت لا تزال تبتسم بحنان.. دنا منها قليلاً، تحركت هي أيضاً، اقتربا من بعضهما.. أضطرب لكنه حينما نظر في عينيها هدأ..
- ستظل تمطر طوال اليوم، قالت وأردفت سأتأخر.
- خذي المظلة، وقبل أن تقول وأنت قاطعها، أنا لا احتاجها.
- في مثل هذا اليوم؟ وضحكت.
- إذا نتقاسمها.
ضحكت أيضاً، وضحكَ هو، فقد أدرك سخف نكتته.
- في أي اتجاه؟ سألته.
رفع يده وأشار.
- حسناً، نفس اتجاهي، ومظلتك تسع لأثنين، ما قولك؟
وماذا يقول وقد حسمت الموقف بجرأة وذكاء.
- كم اصطدت بها ؟ سألته وهي تسير بجانبه.
- بماذا؟
- المظلة طبعاً، فهذا أنسب وقت للصيد، ونظرت إليه بخبث.
- هكذا إذن فأنتِ صيد؟ ثم أردف خيراً تعمل.
- آه، فاعل خيرٍ أنت إذن؟ وضحكت وضحك لضحكتها.
- أسمعي لا أريد جزاءاً ولا شكورا.
- لوجه الله إذن!
- أبداً، بل لوجه أرغمني على السير تحت المطر وباتجاه مغاير.
- مقطع من قصيدة هذا، أم ماذا يا.. أستاذ؟
- هذا.. ماذا.. يا آنسة. أجاب.. وضحكا.
- بالمناسبة، كم مرة أرغمت على السير باتجاه مغاير؟
كانت لا تزال تمطره بالأسئلة.. لم يجب.. بل تأملها كم هي جميلةٌ رشيقة.
- أهي طريقتك بالمشي هكذا؟ سألها فجأة.
- طبعاً، وكيف تريدني أن أمشي؟
- أنت لا تمشين، قدماك لا تلامسان الأرض.
- تعني أطير؟
- فعلاً.
- حسناً ولكن قل لي من أين جاءتك هذه الفكرة؟ عادت فسألته.
- أنا لا أسمع صوت أقدامك، أما صوت أقدامي، فقاطعته.
- لابد للرجل من التعبير عن رجولته بطريقة ما، أمر بديهي، ثم أردفت، وأنت منهم.
- شكراً وهذه الثانية، أتريدين أن نبدأ تعارفنا بالعراك؟
- هل أبدو عدائية؟
- أبداً، قالها متلعثماً.
- وكيف أبدو إذن؟
- رقيقةً، جميلةً، أنيقة.
- كل هذه الثروة، أمتلكها ولا أدري. علقت على ما قال واقتربت أكثر.
شم عطرها، أحس بحرارة أنفاسها، كاد يسمع صوت لهاثها. برفقٍ مد يده ومسح عن جبينها قطرات من المطر.
- شكراً، ولكني أحبه، قالتها بلطف.
- أتحبين مطراً كهذا؟، سنغرق، قال مستنكراً.
- يسعدني ذلك، ولامست يدها يده فانتفض.
- يسعدك أن نغرق؟
- كثيراً.
وضع يده على كتفها، ..تقابلا
- لم لا أحملك؟
- تحملني، كيف، على ظهرك؟ قالت هذا مداعبة.
- لا.. بين يديّ، هكذا..
آه صرخت، سنسقط.
أعادها إلى الأرض، إذاً لنسرع، وسارا بصمت.. مرت سيارة فجفلا، وعاودا سيرهما.. رفعت رأسها.. حدقت في عينيه ثم:
- لم تجبني على سؤالي؟
- عن تغيير خط سيرك.
صمت، لم يجبها، فغيرت الموضوع وقالت..
- طيب يقولون أنك تقرأ كثيراً؟
- من يقول؟
- وأسلوبك جميلٌ، وأردفت بخبث وخطك أيضاً.
- عم تتحدثين؟ أي أسلوب وأي خط؟
- عنك، قالتها بثقة.
- ماذا تقولين؟ أنا لا أفهم، لابد أنك تقصدين شخصاً آخر.
- أبداً.
- ولكني لا أفهم، لازلت لا أفهم.
- وتكتب الشعر، و... عاشق، هل أزيد؟
- ألا تعتقدين قد تماديت؟ عاشق من؟ سألها.
- تسألني؟
- والله حيرتني، قالها بنفاذ صبر.
- لماذا تنسى الألف والنقاط حينما تكتب؟ مع أني رجوتك أكثر من مرة، أتعبتني، وتقول حيرتك، واستطردت:
- في البدء كنت أجد صعوبة في قراءتها ثم أعتدت قراءتها حتى بلا نقط أو..
لم يتمالك أعصابه، فصاح:
- تقرئين ماذا؟
- رسائلك.
- أية رسائل؟
- الغرامية.
- أسمعي يا آنسة، لابد انك.. أنا لا أعرفك.
- وأنا أعرفك صفحة صفحة.
- عرافة إذن أنت؟
- لا، أنا لا أؤمن بهذه الأشياء، قالت ثم أضافت، وأنت؟
- ما شأنك وشأني؟ لماذا تسألين؟ وزاد انفعاله.
- لماذا؟ تمتمت، لماذا، راحت تحدث نفسها:
لماذا؟
أفرح إن فرحت.
أحزن إن حزنت.
تخنقني ملابسي، إن غبت،
لماذا؟
ألتفتت إليه وقالت:
- بكيت، بكيت كثيراً وأنا أقرأ هذه الكلمات، ساعتها، أردت أن أراك، بل قررت، غبت يومها عن الكلية، غيرت خط سيري باتجاه مغاير، وجئتك أحمل جبلاً من هموم.. قيل لي أنك قد خرجت، كنت متعباً فخرجت..
كان الجميع ينظرون إلي نظرات لم أفهمها، كانوا يتساءلون عن أمر ما حدث ، قلقت حد الفزع ذلك اليوم.
تسمر في مكانه ثم قال لها وهو يحاول أن يهدأ..
- مازلت لا أفهم، شيئاً واحداً أريد أن أفهمه.
- ما هو؟ قالت.
- من أنت؟
ابتعدت عنه قليلاً، واجهته، تغير لون وجهها، رآها ترتجف ليس من البرد هذه المرة، وفجأة تهدج صوتها.
- أنا.. أنا، وفاضت عيناها، وماتت الكلمات.
ناولته المظلة التي كانت قد حملتها عنه، وسارت كالحالمة.
هم أن يقترب منها.
- لا أرجوك، دعني، لنفترق هنا، والآن.
- لكنه المطر، صاح مشدوهاً:
- أعرف انه المطر، أنا بحاجة إليه، شكراً، وانحرفت نحو الرصيف الآخر وسارت باتجاه مغاير.
وقف في مكانه بينما راحت تبتعد غير مسرعة أبداً تتلذذ كمن يستحم بعد عناء طويل.
كان المطر ينهمر بغزارة، أحس برجفة هو الآخر ثم عطس!
في اليوم التالي، وقفت ببابه امرأة في الستين وقالت:
- هذه الأمانة لك يا ولدي.
كانت رسائله في ظرف أنيق معطر، ومعه هذه السطور:
كانت تعبث، وشاركتها أنا الغبية هذا العبث اللئيم.. غشيت عينيه غمامة، ولكنه راح يقرأ.. تألمت كثيراً وآلمني أكثر أنها كانت تعرض رسائلك على الجميع فيضحكن.. فأغفر لي أيها الطيب حد السذاجة..
لم يستطع أن يقرأ أكثر فقد انتابته نوبة من القشعريرة وراح يرتجف.. لكزه أحدهم بكوعه وطلب عفوه.
هز رأسه قليلاً.. ابتسم الرجل اللاكز بأدب، أبتسم هو بخجل..
ترى هل غاب عن الوعي كثيراً.. مسح العرق المتصبب من جبينه، مسح وجهه بيده ورفع رأسه... في الطرف الآخر كانت العينان اللتان على اليسار لا تزالان تتفحصانه، هذه المرة، عينا رجل خيّل إليه انه يعرفه أو يعرف ما بقي منه.. نقل عينيه من الفتاتين حولهما نحو اليسار حيث العينان اللتان لا تزالان تتفحصانه.. بادله ذو العينين المتفحصتين نفس النظرة.. كان الرجل لا يزال يتأمله.. ثم رآه يخطو نحوه، يقترب، خطا هو نحو الرجل.. أقترب منه.. وقفا وجهاً لوجه.. اتسعت عينا الرجل، فغر فاه، اتسعت عيناه هو الآخر وانطلقت منه معقو... وقبل أن يكمل كلامه سمعها.. تاك تاك تاك، نغمته الحبيبة الضائعة.. تلقفت يده اليد الممدودة نحوه بلهفة، أحس حرارة الدم عبر شقوقها.. ابتعدا قليلاً عن بعضهما، تأمل أحدهما الآخر ثم.. تعانقا بعنف.. افترقا.. احتواه صاحبه بنظرة شملته وانطلقت منه.. تاك. متسائلة، مستغربة، حزينة وهو يمد يده باتجاهه مبسوطة يهزها يمنة ويسرى.. أطرق ثم ببطء رفع يده ورسم دائرة في الفضاء.
حرك صاحبه يده من جديد، كمن يرسم علامة استفهام، بدأه من رأسه حتى قدميه ثم صعد إلى الأعلى، وتبع ذلك بحركة أخرى.. أدرك ما يريد صاحبه.. رفع يده وراح يرسم عجلة في الهواء..
أشار صاحبه أن .. فهمت.
أهذا صاحبه؟.. تأمله طويلاً... وجهه حفرته الأخاديد، فم مائل نحو اليسار، عينان غائرتان، حتى أناقته بدت وكأنه قد أهملها منذ زمن طويل..
وبحزن رفع يده ورسم في الهواء علامة استفهام كبيرة، ضغط عند نقطة انتهائها بعنف، ووجه أصبعه نحو صدر صديقه.. ببطء أيضاً رفع صديقه يده وراح يرسم خازوقاً في الهواء.
هز يده، وهز صاحبه يده أيضاً، ربت كل منهما على كتف صاحبه مبتسماً.. تعانقا، ثم.. تعانقت منهما ضحكتان؟
- يا لهما من أخرسين مرحين! قالت الفتاة التي تحمل كتباً بلا حقيبة.
تاك، تاك، تاك.. تكتك.. صديقه جذلاً وهما يسيران تحت المطر الذي بدا انه سيظل يهطل طوال ذلك اليوم البعيد. 



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=45265
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2014 / 04 / 19
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 11 / 22