• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : سياحة فكريه ثقافية (8 ) التفكر من العبادات .
                          • الكاتب : علي جابر الفتلاوي .

سياحة فكريه ثقافية (8 ) التفكر من العبادات

 قال تعالى (( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الامثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون )) 21 الحشر
هذه آية واحدة من الآيات الكثيرة في القرآن التي تتحدث عن التفكر ،في آيات وصور وآفاق الله الكثيرة ، والتي ليس لها عد او حصر ، في انفسنا وفي الكون ، وكلها تدعو الانسان ليحرك عقله وفكره فيما يحيط به من آيات وآفاق ، كي ينتهي الى الله تعالى ، وكلها تقود الى الاقرار بالله سبحانه ، وتدعو الى الاستسلام والخضوع والخشوع الى الخالق المدبر الهادي الحكيم الخبير ،انها دعوة كي لا ينسى الانسان ربه وخالقه بل يبقى في تواصل دائم معه حتى يهتدي ويبني صرح الايمان في قلبه ،والتفكر في اللغة التأمل والفكير كثير التفكر، والتفكر هو ان يشتغل او يعمل الفكر ولا يركن الى التقليد الا فيما اوجبه الشرع ، والتعاطي مع المستجدات بالفكر المنفتح ، وعدم القبول فيما يتعلق بالعقائد خاصة الا بالتفكر . والفكر تردد الخاطر بالتأمل والتدبر . وفكر في الامر او تفكر عمل الخاطر فيه وتأمله . قال الامام علي (ع ) : (( نبّه بالتفكر قلبك ، وجاف عن الليل جنبك ، واتق الله ربك )) فهناك علاقة كبيرة بين التفكر والقلب الذي هو موطن الايمان ، فالتفكر هو السبيل للوصول الى الايمان القلبي .ويوجب علماء الاصول الايمان باصول العقائد بالتفكر وجوبا عقليا ،قال محمد رضا المظفر في كتابه عقائد الامامية (( وليس معنى الوجوب العقلي الا ادراك العقل لضرورة المعرفة ولزوم التفكير والاجتهاد في اصول العقائد )) والتفكر عند السالكين هو (( تلمس البصيرة لاستدراك البغية )) كما وردفي كتاب( الاربعون حديثا ) للسيد الخميني (رض)، ويعرف الامام الخميني التفكر (( هو ترتيب الامور المعلومة للوصول الى النتائج المجهولة )) اما الشهيد مطهري فقد ذكر انه ورد في المأثور ان التفكر عبادة ((تفكر ساعة خير من عبادة سنة )) ، ((وتفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة )) ،و (( تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة )) ويعقب الشهيد مطهري على هذا التفاوت في الروايات في موضوع التفكر بقوله(( هذا التفاوت في الروايات ليس دليل اختلاف ،بل لوجود التباين والتفاوت في التفكير ..ونرى ان هذا التفاوت في التفكير نابع من التفاوت بين انسان واخر في مستوى التفكير ، وعبادة التفكر تعد من العبادات الفكرية وهي عبادة روحية صرفة .. وهي ارقى انواع العبادات .فساعة واحدة من عبادة التفكر قد تعادل ستين سنة من العبادة البدنية الخالية من التفكر )) العدل الآلهي ، مطهري
وهذا لا يعني او يفهم من الحديث ان فيه دعوة الى استبدال العبادة البدنية او المالية بعبادة التفكر (( ليس هذا المراد فكل واحدة ضرورية في موضعها ، والمقصود هنا هو بيان ضرورة هذا الامر )) مطهري ، وليس دعوة الى استبدال عبادة محل عبادة اخرى .فلكل عبادة اثرها ونتيجتها في الدنيا والاخرة لان العدل الآلهي يعطي لكل ذي حق حقه ، ولكل عمل نتيجته من الثواب والعقاب .وهذه سنة آلهية لا تبديل فيها لانها تتطابق مع العدل الآلهي المطلق .من هذا يظهر ان عبادة التفكر لا يمكن للمؤمن الساعي الى نيل رضا الله تعالى والحصول على ثوابه ، ان يستهين بها او يحرم نفسه من فضائلها كونها من افضل العبادات ، ولكن ثوابها يختلف حسب درجة مستوى التفكر لكل انسان فتفكر الرسول اوالامام هو غير تفكر العارف او العالم وغير تفكر المؤمنين او سائر الناس الآخرين ، فلكل مستواه في التفكير والتفكر ، ولكل منزلته ودرجته وثوابه ، لكنها كلها مطلوبة لنيل رضا الله تعالى ، لان الرضا هو الهدف الاسمى للانبياء والاولياء وذوي القرب من الله تعالى ، والتفكر (( هو مفتاح ابواب المعارف وخزائن الكمالات والعلوم ، وهو مقدمة لازمة وحتمية للسلوك الانساني وله في القرآن الكريم والاحاديث الشريفة تعظيم بليغ وتمجيد كامل ، كما ان تاركه معير ومذموم )) السيد الخميني (رض)
قال الامام الصادق (ع) (( افضل العبادة ادمان التفكر في الله وفي قدرته )) فالتفكر اضافة الى كونه عبادة فهو اسلوب من اساليب القرآن في بناء الايمان والعقيدة السليمة الراسخة في الانسان ، وبما ان القران الكريم هو كتاب هداية ، فالاساليب التي لجأ القران اليها لهداية الانسان كثيرة لعل اهمها هو اسلوب التفكر ويورد الدكتور داود العطار قي كتابه (موجز علوم القران) ان دعوة القران الى التفكير جاءت بعدة صور منها : التفكير في الخلق كقوله تعالى (( ويتفكرون في خلق السموات والارض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار )) 191 ال عمران ، ومنها التفكير في مبدأ الانسان ومعاده كقوله تعالى (( والله الذي ارسل الرياح فتثير سحابا فسقناه الى بلد ميت فأحيينا به الارض بعد موتها كذلك النشور ))
9 فاطر يعقب العطار على الاية الشريفة بقوله (( فالقران يشير الى ظاهرة طبيعية محسوسة يشاهدها الانسان ، وبالقياس عليها يصور القران لنا امرا معقولا هو البعث يوم القيامة )) هذه بعض صور التفكير في القران الكريم ، وهناك صور اخرى كالتفكير في العلوم الكونية والانسانية ،والتفكير في احداث التاريخ ، والتفكير في النفس ، هذه صور من اسلوب القران في الدعوة الى التفكر الغاية منها بناء الايمان في النفس بناء فكريا عقائديا تبدأ بامور معلومة محسوسة وتنتهي الى امور غيبية نتيجتها ان يشرق القلب بنور الايمان ، لان مستقر الايمان هو القلب .
اما الشهيد محمد صادق الصدر الذي نعيش ذكرى استشهاده هذه الايام ، فالتفكر عنده من المستحبات المؤكدة ، وعنده ان التفكر في الخلق يحقق نتائج كثيرة منها الحث على التفكير كما مرّ، والحث على التفقه كقوله تعالى (( انظر كيف نصرّف الآيات لعلهم يفقهون ))65 الانعام . والحث على النظر والحث على البصر والابصار والحث على استعمال العقل كقوله تعالى (( أفلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها )) 46 الحج . ويعرف الشهيد محمد صادق الصدر التفكر : (( هو حصول الفكرة او الافكار في زمن قليل او طويل ، مع محاولة الاستنتاج منه او عدم ذلك )) كتابه (فقه الاخلاق ) ، وفي هذا الكتاب يذكر السيد محمد الصدر(رض) التفاتة جليلة حيث يقول :(( ان الشائع او المشهود عند الناس ان الفكرة التي هي نتيجة التفكر تكون في الذهن ، الاان الذهن لم يذكره القرآن الكريم اطلاقا ، وانما نسب التفكير الى العقل تارة ، والى اللب اخرى ،والى القلب ثالثة ، والى النفس رابعة
والى الصدور خامسة )) كمثل قوله تعالى :
(( لقوم يعقلون )) 164 البقرة (( أولي الالباب )) 179 البقرة (( لهم قلوب يعقلون بها )) 46 الحج (( او لم يتفكروا في انفسهم )) 86 الروم (( يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور)) 19 غافر
فالتفكر بحد ذاته عباده ، ولكن من الممكن ان تجتمع عبادة التفكر مع العبادات الاخرى ،ويقسم الشهيد محمدالصدر العبادة الى ثلاثة بدنية فلا دخل للفكر فيها الا بشكل ثانوي كالسعي والطواف والمبيت في منى كذلك الصوم ودفع الزكاة ، وعبادة
فكرية كقراءة القرآن والادعية ، وعبادة مركبة من الفكر والجسد كالصلاة .
لكن عندما تجتمع عبادة التفكر مع العبادات الاخرى لاتغني عن عبادة التقكر بذاته
كون عبادة التفكر مطلوبة لذاتها لما لها من الآثار الكبيرة والفضائل التي ترقى بالانسان الى اعلى الدرجات الايمانية .الا ان عبادة التفكر لها مراتب ولكل انسان منزلته في صعود هذه المراتب ، وهناك من التفكر المنهي عنه وهو التقكر في كنه الذت الآلهية ، اما التفكر في غير ذلك فأنه من المستحبات المؤكدة ، يقول السيد الخميني (قدس ) (( ان التفكر في ذات الله ممنوع ..كما جاء في حديث الكافي :من
نظر في الله كيف هو ، هلك ))وهذا والكلام للسيد الخميني ((يستدعي منع فريق من الناس الذين لا تطيق قلوبهم الاستماع الى البرهان وليس لهم الاستعداد للدخول في مثل هذه البحوث ... اما الذين لهم الاستعداد والاهلية ، فيكون من الراجح لهم التفكر بل هو افضل من جميع العبادات )) كتاب ( الاربعون حديثا ) .
والتفكر كمبدأ اسلامي عام هو دعوة لدعم الدين وابقاء الفكر الديني متطورا مع الزمن ، ففي كل عصر يبرز مفكرون اسلاميون يطرحوا فكرا يتوائم مع العصر ويتكلمون بلغته ، وبالتفكر نديم الابداع الفكري الاسلامي ، حيث بناء الايمان القلبي للمؤمن من خلال التفكر بآيات الله تعالى المحتلفة ، والتي تبدأ بالايات التي يحملها كل انسان وما يحيط بالانسان ، فالدين يدفعنا الى ان نتدبر بهذه الايات التي لا عدّ اوحصر لها اذ (( الغرض من التجربة الدينية هو التدبر في اسرارعالم الوجود ورؤية باطن هذا العالم وأزاحة حجب الطبيعة عن البصيرة وشهود العالم العلوي وجمال الحق وفهم حقيقة الوحي والملائكة وكيفية قيام الممكنات بالله تعالى وسريان اسماء الجلال والجمال للذات المقدسة في جميع مراتب الوجود )) عبد الكريم سروش .
التفكر دعوة لتخليص الدين من الجهل والتخلف والخرافة ، التفكر دعوة لنصرة دين الله الحق ، التفكر دعوة للمؤمن ان يتخلص من الغفلة ، اذ يجب ان يكون المؤمن يقظا دائما مشتغلا بعقله وقلبه في التعامل مع آيات الله تعالى ، فالبعيد عن التفكر بعيد عن الايمان الحقيقي الذي يلامس القلب ، اما الغافل فهو الذي ينسى الله تعالى ويهتم بمصالحه الدنيوية فقط ، وتعامل مع الدين وفق هواه ومصالحه ، ولا يفهم من الدين سوى الشكليات والرسوم من دون ان تترك اثرا في قلبه او تحركه نحو الحق المطلق ، في حين يجب ان يكون المؤمن المتدين (( هو الذي بعيش التفكر والهم بالنسبة للمبدأ او المعاد وتستيقظ فيه هموم الحياة والموت وتعمل التجربة القلبية في تلطيف روحه وارواء وجدانه وبالتالي يكون بامكانه بيان هذه التجربة بلغة خاصة .. ان جميع الاشياء آ يات الله ،فالكثير من الناس يرون هذه الآيات ولكنهم لا يعلمون بأنها آيات ، والحقيقة هي كذلك )) سروش
التفكر في آيات الله وفي كلام الله يفتح الآفاق للتنوع ، تنوع الفهم وتنوع الآراء التي فيها حيوية وديمومة لحياة النص وعدم الجمود على فهم واحد (( اختلاف امتي رحمة)) هذا الاختلاف مرده الى التفكر ، والتفكر ايضا يدعونا الى التدقيق في نصوص الحديث والتفريق بين الحديث الصجيح والموضوع ، اما الغفلة فأنها تجعلنا ان نجمد على الموجود من دون تمحيص وتدقيق ، هذا اذا علمنا ان الوضع في الحديث سلاح استخدمه اعداء الاسلام لغرض تشويه صورة الدين الناصعة واظهاره على غير حقيقته وواقعه ، وبدأ الوضع في الحديث منذ عصر النبوة ، وقد تنبه الرسول (ص) لذلك لهذا قال (( من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار )) فالوضع في الحديث اذن حالة خطيرة ، والائمة ( ع) من بعد النبي (ص) تنبهوا لهذه الحالة ، لذلك طلبوا من المسلمين ان يعرضوا الاحاديث المروية عنهم على القران فمن خالف القران فليضرب به عرض الحائط ، من هذا يظهر ان التفكر هو الطريق والسبيل لتحقيق نقاوة الدين وسلامته من الوضع والتزوير ، وهو ايضا دعوة لحرية الفكر حيث تتعدد الافهام والرؤى وتتنوع حسب الزمان والمكان ، وهذه هي الحكمة الالهية في الدعوة الى التفكر اضافة الى فوائده الاخرى ، ولهذا اعتبر التفكر من العبادات والمستحبات المؤكدة ، قال تعالى (( وسخرلكم ما في السموات والارض جميعا منه ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون )) 13 الجاثية
والحمد لله رب العالمين وجعلنا الله تعالى وجميع المؤمنين من العابدين المتفكرين .
 
 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=4520
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2011 / 03 / 31
  • تاريخ الطباعة : 2024 / 03 / 4