• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : الأمن وحقوق الانسان بين زمنين، الدكتاتورية وديمقراطية العراق الجديد .
                          • الكاتب : عبد الرحمن أبو عوف مصطفى .

الأمن وحقوق الانسان بين زمنين، الدكتاتورية وديمقراطية العراق الجديد


بادئ ذي بدء، أن من الثوابت الأساسية غير القابلة للجدل هو دعمنا الكامل لأي جهد رسمي أو غير رسمي في محاربة الارهاب، وما النقد الذي نتوجه به للأساليب والوسائل المعتمدة في محاربة الارهاب أنما يأتي في اطار السعي الدؤوب لتأصيل الجهد الأمني بإرجاعه الى اصوله المهنية والاخلاقية وبما يتفق مع القيم المجتمعية ويسهم في تعزيز وحماية حقوق الانسان في العراق، خاصة وان عنوان الأمم الحديثة هو تحضّر أفراد مؤسساتها الأمنية و رقيّ الوسائل والأساليب المعتمدة في إرساء الأمن ومكافحة الجريمة على اختلاف دوافعها.

تاريخيا، أما حقبة البعث فقد حلّ القمع محل المشاركة السياسية بعد ان تحول النظام السياسي آنذاك الى مجموعة ارهابية مارقة على القوانين الدولية منهمكة في ارسال الرسائل التي تكرّس الخوف في نفوس الناس لتؤكد هيمنتها وقوتها عبر المقابر الجماعية وحفلات الاعدام الجماعي التي لم تسلم منها حتى النساء والأطفال وعلى سبيل المثال الشهيدة بنت الهدى (آمنة حيدر الصدر)، والمناضلة الكردية ليلى قاسم وأسماء كثيرة أخرى.

فأن ظاهرة المحاكم الصورية وانتزاع الاعتراف بالقوة كانت ظاهرة ممنهجة تتبناها الاجهزة الأمنية البعثية يستخدم فيها العنف كوسيلة وحيدة للتعامل مع المتهم على نمط رجال العصابات، ومما يدعو للأسف استمرار هذه الظاهرة المقيتة الى مرحلة ما بعد التغيير 2003، بل ومع النساء في تحدّ فاضح للقيم المجتمعية وكما في المقطع الفيديوي الذي نشرته (هيومن رايتس واتش) والذي يعكس دناءة وخسة الأساليب التحقيقية المعتمدة في السجون العراقية اليوم.

والشئ بالشئ يُذكر، فمن تجربتي الشخصية أستعرض حالتين مررت خلالهما:

 الأولى كنت فيها ضحية في أحد أسوأ سجون البعث صيتاً والمتخصصة في اجراء التحقيقات السياسية وعمليات التعذيب والقتل غير المُعلن والمسمىّ بـ «قصر النهاية»، حيث تعرّضت فيه لأقسى أنواع التعذيب على يد جلاوزة البعث وبإشراف مباشر من مهندس القمع «ناظم گزار»، ومع ذلك فإن سياط البعث وظلام زنازينهم وقيودهم الحديدية لم تسفر عن كشف أسرار كانت في صدري، أطلق سراحي بعدها بالتبادل مع ضباط كبار كانوا أسرى لدى قيادة الثورة الكردية وبالتدخل الشخصي للسيد مسعود البارزاني.

أما الحالة الثانية فهي على العكس تماما حيث كنت فيها أحد المسؤولين الأساسيين لجهاز الپاراستن «جهاز مخابرات الثورة الكردية»، وقد كنا نتوصّل الى أدق المعلومات من المتهم عبر فرضيات التحقيق المستندة على اسس علمية تراعى فيها إنسانية الفرد وكرامته، تارة عبر الأسئلة الايحائية وتارة أخرى البحث عن وقائع دالة مرتبطة بالقضية محل الاستجواب أو الاستدراج النفسي عبر ايقاظ عنصر الخير في كيان المتهم، فالحفاظ على سلامة ارادة المتهم هو السبيل الوحيد للوصول الى معلومات صحيحة والعكس بالعكس. وعلى سبيل المثال.. في عام 1973 أرسل ناظم گزار أحد الاشخاص في مهمة تجسسية الى گلاله (مركز قيادة الثورة الكردية آنذاك)  ويدعى «جيشي مطلگ الفرحان» وقد سبق وصوله معلومات عنه لذلك سهّلنا عملية مروره وتحركاته للتعرف على الشخص المكلّف بالتنسيق معه. وعندما حانت لحظة القبض عليه، تصدّيت للتحقيق معه، مستخدما ماتمت الاشارة له من اساليب علمية ونفسية تحفيزية حتىّ تركته بمفرده في مكتبي بعد ان اعطيته أوراق وقلم وطلبت منه ان يقول بملئ ارادته ما يمكن ان يدفعنا لمساعدته واطلاق سراحه .

 عندما انهى الكتابة كان السطر الأول في اعترافه قد نصّ على ما يلي حرفيا (" سوف أغسل عاري وأريح ضميري بتدوين كل مالدي من معلومات وبما كُلفت به وما طلبه ناظم كزار مني") ومن ثم استرسل ليقول معلومات لم نكن على علم بها، معلومات صحيحة اسهمت في حماية ابرياء والقاء الضوء على عمالة قيادات من احزاب اخرى كانت متجحفلة مع القيادة الكردية في الثورة ضد نظام البعث.. وفعلا تم اطلاق سراحه بأمر من السيد مسعود البارزاني، بعد مجئ والده مسترحما القيادة لإطلاق سراح ولده.

أسرد هذا الموقف للمقارنة بين وسائل واساليب الحالتين ونتائج كل منهما، وكيف ان ظاهرة التحقيق العشوائي المعتمدة على العنف كانت قد امتدت من زمن البعث وللأسف الى ما بعد التغيير وخاصة في فترة حكومة السيد المالكي. ولا نقول ذلك تجنيا بل هذا ما أثبتته الوقائع والمنظمات الدولية وكما هو في الفيديو أدناه.
 
وليس المنظمات الدولية وحدها من أقرّت بذلك، ففي الخطاب الاسبوعي الأخير للسيد المالكي، (اتهم السيد المالكي فيه علنا نقاط التفتيش الأمنية بالإساءة للمواطن وعرقلة حركة السير، وقد عزا السيد المالكي ذلك الى ان البعض منهم يسعى الى خلق فجوة بين الحكومة والمواطن) .. والسؤال الذي يطرح نفسه أين كان المالكي من مبدأ النقد الذاتي الذي لايمكن ان يُفسّر الا انه دعاية انتخابية و نوعاً من التنصل عن المسؤولية خاصة وان حكومة المالكي قد تجاهلت اصوات الخيرين لثمان سنين خلت متمسكا برجل لايعرف ألف باء الأمن كوكيل أقدم لأهم وزارة تعنى بحياة الناس كـ (عدنان الأسدي).؟

أن الثقة بين المواطن والحكومة قد اهتزت بشكل لايمكن أن تعود الى وضعها الطبيعي، وأن هذه الاساليب والمعالجات العشوائية كانت قد خلقت بيئة حاضنة للإرهاب والجريمة المنظمة في العراق، وعطّلت الجهد الشعبي الوقائي في محاربة الارهاب، وأساءت للأحكام الصادرة من القضاء العراقي.

لقد حذر الأمين العام للأمم المتحدة مجلس الأمن الدولي يوم أمس، من "خطورة التحديات السياسية والأمنية في العراق التي ما لم يتم التصدي لها سريعاً قد تؤدي إلى آثار مدمرة ودائمة بالنسبة لاستقرار البلد على المدى الطويل"... ان هذه التحذيرات ناقصة وغير جادة مالم تدرك المنظمة الدولية بأن الحكومة العراقية تستغل علاقاتها الدولية لتأمين نفسها بالدرجة الأساس دون شعبها وان السياسة الأمنية للحكومة قد اصبحت عبئاً كبيرا على الشعب العراقي.

كما ان هذه التصريحات الدولية لا تُعد ذي جدوى بل هي استساغة للخراب الذي يتعرض له العراق، مالم تسهم المنظمة الدولية في اشغال مساحة اكبر في الحفاظ على فرصة العراقيين الأخيرة بالتغيير عبر انتخابات نزيهة قادرة على الاتيان بحكومة تضع حدا للاستخفاف بحياة وكرامة العراقيين، ومالم تأخذ المرجعيات الدينية على عاتقها دورا ميدانيا عبر ممثليها في المحافظات في الاشراف المباشر على الانتخابات عبر آلية تحد من استغلال الحكومة لنفوذها الرسمي في المؤسسات المدنية والعسكرية. فالوقاية خير من العلاج، هذا ان كان العلاج ممكنا فيما لو تكررت ذات الوجوه في مواقع المسؤولية لأربع سنين قادمة.

 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=44145
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2014 / 03 / 21
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 09 / 26