• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : ثقافات .
                    • الموضوع : تاملات في القران الكريم ح190 سورة الاسراء الشريفة .
                          • الكاتب : حيدر الحد راوي .

تاملات في القران الكريم ح190 سورة الاسراء الشريفة


بسم الله الرحمن الرحيم

لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً{22}
خطاب الاية الكريمة للرسول الكريم محمد (ص واله) والمعني به المسلمين من وجهة خاصة , والناس كافة من وجهة عامة , ( لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهاً آخَرَ ) , لا تتخذ شريكا لله تعالى , ولا تعبد غيره جل وعلا , فأنك ان فعلت ( فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً ) , ( مَذْمُوماً ) في ألسن العقلاء , ( مَّخْذُولاً ) , لا ناصر لك ولا معين .     

وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً{23}
تبين الاية الكريمة ( وَقَضَى رَبُّكَ ) ان الله تعالى امر بامرين :
1-    ( أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ) : الامر الاول , اوجب الباري عز وجل على كافة المخلوقات العاقلة ان يتفردوا بعبادته .
2-    ( وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ) : الامر الثاني ( وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ) , احسنوا للوالدين لانهما السبب الطبيعي الظاهري لوجودك , ومن الاحسان اليهما ( إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا ) , ان تقدم بهما السن وهما او احدهما في كفالتك ورعايتك , فعند صدور اي شيء منهما قد يضجرك او يجعلهما حملا ثقيلا عليك , عند ذاك :
أ‌)    ( فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ ) : ينهى النص المبارك من اظهار علامات الضجر منهما عليك , مما يشعرهما انهما حملا ثقيلا ولم يعودا مرغوبين , في هذا الامر مراعاة لمشاعرهما .
ب‌)    ( وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ) : ينهى النص المبارك ايضا عن زجرهما , بأي معنى من معاني الزجر .    
بدلا من التأفف والزجر ( وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ) , كلاما جميلا لينا , لطيفا , يبث في دواخلهما ويشعرهما بالراحة النفسية , التي هما في امس الحاجة لها في ذلك السن .      

وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً{24}
تأمر الاية الكريمة ببر الوالدين في محورين :
1-    ( وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ) : المحور العملي , اظهر لهما جانبك الذليل تحننا عليهما ورحمة بهما , بعد تقدمهما بالسن واصابتهما بالعجز او الوهن من المرض وغيره .
2-    ( وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ) :  المحور النظري , ان تدعو الله تعالى لهما ان يرحمهما , كما ربياك مولودا صغيرا , واغدقا عليك شآبيب العطف والحنان .  
في الطبيعة , يلاحظ بان ام الطيور عندما تجلب الطعام لصغارها , فيشرعوا بدورهم برفرفة اجنحتهم بكل تذلل وخضوع , فكلما كان الصغير اكثر تذللا نال طعاما اكثر , كأن الاية الكريمة استعارت هذا المعنى ( وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ) .  

رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً{25}
تقرر الاية الكريمة تقريرين :
1-    ( رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ) : التقرير الاول , الله تعالى يعلم بما يدور في ضمائركم من خير وشر .
2-    ( إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً ) : التقرير الثاني , ( إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ ) , طائعين الله تعالى في كل نواهيه , ومنها عقوق الوالدين , ملتزمين بكل اوامره , ومنها بر الوالدين , ( فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً ) , فأنه جل وعلا غفورا لكل ما بدر وصدر منهم من ذنوب , ( لِلأَوَّابِينَ ) , التوابون المتعبدون , الرجاعون الى الطاعة .       

وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً{26}
الاية الكريمة تأمر بأعطاء :
1-    ( ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) : يرى المفسرون لها وجهين :
أ‌)    كل ذي صلة او من يرتبط بك بعلاقة قرابة .
ب‌)    ذوي القربى هم آل الرسول (ص واله) .
2-    ( وَالْمِسْكِينَ ) : المحتاج .
3-    ( وَابْنَ السَّبِيلِ ) : المسافر المنقطع عن اهله وماله .  
ثم تنهى الاية الكريمة في ختامها عن التبذير ( وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ) , وللتبذير عدة موارد منها :
1-    هو الانفاق في غير طاعة الله تعالى .
2-    تجاوز الحد في الانفاق بشكل يوجب الاسراف .
3-    الانفاق على الامور الكمالية دون الاساسية .  

إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً{27}
تبين الاية الكريمة امرين :
1-    ( إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ) : اي ان المبذرين والمسرفين امثالا او اشباها او على شاكله الشياطين , وهذا منتهى الذم لهم .
2-    ( وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ) : يبين النص المبارك ان الشيطان لعنه الله كثير الكفر والجحود لنعمة المنعم جل وعلا , وكذلك اخوانه المبذرين .    

وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً{28}
تخاطب الاية الكريمة النبي الكريم محمد (ص واله) ( وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ) , عندما تعرض عن المذكورين اعلاه ( ذا القربى – المسكين – ابن السبيل ) , فلم تعطهم شيئا , ( ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا ) , تنتظر رزقا يأتيك , فتعطيهم منه , ( فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً ) , في مثل هذا الحال قل لهم كلاما لينا , او وعدا بالعطاء حين وصول الرزق .
( روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان لما نزلت هذه الآية إذا سئل ولم يكن عنده ما يعطي قال يرزقنا الله وإياكم من فضله ) ."تفسير الصافي ج3 للفيض الكاشاني" .     

وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً{29}
تنهي الاية الكريمة عن امرين :
1-    ( وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ ) : نهي عن الشح والامساك والبخل , حيث لا تعطي ولا تهب شيئا , فتكون بهذه المنزلة ( يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ ) .
2-    ( وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ) : نهي ايضا , اي لا تعطي ولا تهب كل ما عندك , فتكون بذا كمن بسط يده , فلم يبق فيها شيء , فأنك ان فعلت ذلك تكون بمنزلة ( فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً ) , ( مَلُوماً ) , بعض الناس عندما يسألونه (ص واله) العطاء ولم يكن لديه ما يعطيهم , بعد ان بسط (ص واله) كل ما عنده , لا يعذرونه , بل يلومونه (ص واله) , ( مَّحْسُوراً ) , منقطعا لا شيء عندك . 
تبين ان الاية الكريمة تأمر بالوسطية بينهما والاقتصاد بالنفقة .    
كان سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يرد أحدا يسأله شيئا عنده فجاءه رجل فسأله فلم يحضره شيء فقال يكون إن شاء الله فقال يا رسول الله أعطني قميصك فأعطاه قميصه فأنزل الله ولا تجعل الآية فنهاه الله أن يبخل ويسرف ويقعد محسورا من الثياب فقال الصادق عليه السلام المحسور العريان . "تفسير القمي ".
( في الكافي والعياشي عن الصادق عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يسأله أحد من الدنيا شيئا إلا أعطاه فأرسلت إليه إمرأة إبنا لها فقالت إنطلق إليه فاسأله فإن قال ليس عندنا شيء فقل اعطني قميصك قال فأخذ قميصه وأعطاه فأدبه الله على القصد فقال ولا تجعل يدك الآية .
وفي الكافي عنه عليه السلام في حديث ثم علم الله نبيه كيف ينفق وذلك أنه كانت عنده أوقية من الذهب فكره أن تبيت عنده فتصدق بها وأصبح وليس عنده شيء وجاء من يسأله فلم يكن عنده ما يعطيه فلامه السائل وإغتم هو حيث لم يكن عنده ما يعطيه وكان رحيما رقيقا فأدب الله نبيه بأمره فقال ولا تجعل يدك الآية يقول قد يسألونك ولا يعذرونك فإذا أعطيت جميع ما عندك من المال كنت قد حسرت من المال ) . "تفسير الصافي ج3 للفيض الكاشاني" .      

إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً{30}
تبين الاية الكريمة ( إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ ) , يوسعه على من شاء , وفقا لمقتضيات المصلحة , ( وَيَقْدِرُ ) , يضيقه على من يشاء ايضا وفقا الى مقتضيات المصلحة , ( إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ) , الله عز وجل يعلم بواطن وظواهر العباد , ويعلم مصالحهم من مفاسدهم , وما ينبغي لهم وما لا ينبغي , فيوسع الرزق ويضيقه حسب مصالح صلاحهم , كما جاء في الحديث القدسي ( وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك وقال وإني لأعلم بمصالح عبادي ) . "كنز العرفان في فقه القرآن لجمال الدين المقداد بن عبدالله السيوري , تفسير الصافي ج3 للفيض الكاشاني" .        

 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=43763
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2014 / 03 / 12
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 07 / 15