• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : الطنبوري في المطار!! .
                          • الكاتب : د . صادق السامرائي .

الطنبوري في المطار!!

ذات يوم قرر أبو القاسم الطنبوري السفر بالطائرة , وركب سيارة الأجرة وذهب إلى المطار , متشوقا متعجبا وحالما بأنه سيحلق في الفضاء ويرى ظهر الغيوم , ويتمتع بمنظر لم يألفه , أو يعتاد عليه من قبل.

 

وبعد وصوله , حمل حقائبه , ومشى بين المسافرين , وذهب إلى صالة الخطوط الجوية التي سيتقل طائرتها . وبعد أسئلة وصعوبات تمكن من التواصل مع إمرأة في المكتب فأرشدته إلى قطع التذكرة إليكترونيا , وجاء إلى الماكنة وما عرف كيف يستخدمها فاستعان بالمسؤولة عن ذلك , فوضعت جوازه ومررته في المكان المخصص لذلك , لكن الماكنة لا تستجيب إلا بالخط الأحمر , فأوعزت  إليه أن يذهب إلى مكتب التذاكر , فوقف في طابور طويل , وبعد طول إنتظار تمكن من إتمام ما يلزم ويشحن حقائبه , ويحمل ما يمكن حمله بيديه.

 

ومضى عبر خطوط وحواجز حتى وصل إلى موقع التفتيش , فخلع كل ما يلبس إلا سرواله , ومضى عبر أجهزة الفحص والتدقيق , وبعد أن فرغ من ذلك مضى إلى الطائرة , وقبل أن يصعد إليها , تم تدقيق تذكرته , فأشار إليه أحدهم أن يذهب إلى مَن سيقوم بتفتيشه من جديد , قبل أن يصعد إلى الطائرة!

 

وذهب إلى فتاة شقراء , لها سيقان يعجز مايكل أنجلو عن الإتيان بمثلهما , وعينان لا يمكن لليونارد دافنشي أن يرسمهما , وشفتان يستهويان القلوب والنظر.

تسمر أبو القاسم الطنبوري أمام هذه الحسناء , وهي تشير إليه أن أفرغ جيوبك , واخلع سترتك وعمامتك , وقميصك , وما تلف به بطنك , وراحت تتلمسه جزءً جزءً , وهو في نشوة الإحساس بأن جميلة شقراء تداعب بدنه.

فطلبت منه أن يستدير إلى الوراء , ففعل , وراحت تتلمس بدنه مرة أخرى , وهو يتمتع بما هو عليه من أحاسيس!

وطلبت منه أن يستدير مرة أخرى , وراحت تمرر جهازا حول جسمه , وأبو القاسم الطنبوري في حيرة ونشوة ودهشة.

 

وبعد أن فتشت حقائبه وما كان بجيوبه , وكل ما خلعه من ملابس , نظرت إلى حذائه , وطلبت منه أن يخلعه!

قال: ماذا؟

قالت: إخلع حذاءك!

فخلعه متعجبا , وإذا بها تأخذ بفحص الحذاء وتتلمسه , وتدخل يديها فيه , وترفعه وتحدق به  , وتطويه , وتضعه على المنضدة , وترفعه مرة أخرى , وتقلبه وتبقى محدقة بعيونها الرائعة بوجه الحذاء ,  حتى حسبه أبو القاسم الطنبوري قد تحول إلى مرآة!

 

وكم تمنى أن تحدق بوجهه , وتفعل به ما فعلته بالحذاء , وبقيت متسمرة , متحيرةً بأمر الحذاء , وراحت تفكر بفحصه مرة أخرى وأخرى , وتستشير الآخرين , ليعينوها على فك أسرار هذا الحذاء.

وبعد أن نفذ صبر أبو القاسم الطنبوري , قال: هذه "طكاكية"!

وعندما وجدها لا تفهم قوله , قال: طغاغية , وأردف "طخاخية" , ولا زالت لا تفهم.

فأضاف: ألا تأخذينه , وتعطيني أي حذاء تشعرين بأنه أمين , فلا فرق عندي أي قياس ستعطيني , لأن الحذاء سيكون "طقاقية"!

 

قال: يا إمرأة , أريد قندرتي , فما علاقة القندرة بالطائرة؟

قالت: هناك شيئ غريب في هذا الحذاء , لا بد من التأكد؟!

قال: عجيب , ستقلع الطائرة , خذي الحذاء , فلا أريده!

قالت: لا ,  لابد من فحصه مرة أخرى ,  وراحت تتأكد من أن الحذاء سليم , وإنه حقا حذاء وليس شيئا آخر على هيأة حذاء؟

 

وبعد محاولات , ومحاولات , أطلقت صراح حذاء أبو القاسم الطنبوري , فوضعه في قدميه وأسرع إلى الطائرة , وهم يلعن الزمن الذي صار يخاف من الحذاء.

فالحذاء يكفي لإدخال المطارات في حالة إنذار , ويوقف حركة الطائرات , فحذاء كحذاء أبو القاسم الطنبوري لو ترك في باحة مطار عالمي , لدخل ذلك المظار في حالة إنذار قصوى.

تلك حقيقة ما يجري في عصرنا الذي تحول البشر فيه إلى آلات عدوان وإنفجار , بأبدانهم وأفكارهم وملابسهم وحقائبهم , وأحذيتهم.

 

 وتساءل أبو القاسم الطنبوري: لماذا لا نمشي عراة , كما ولدنا , لنعود إلى حيث ابتدأنا؟

فقال لنفسه: سيتم فحصنا بالنواظير في عصر الخوف من البشر!

 

وفي الطائرة أصبح يخاف من حذائه الذي تترقبه الأنظار , وصارت حركاته محكومة بالمراقبة , فأمضى سفرته أسير الهواجس والمخاوف التي أحاطته وأفسدت عليه متعة السفر.

 

وبعد أن هبطت الطائرة , تحير في أمر حذائه , وقرر أن يرميه في أقرب سلة مهملات , ويضع نعليه في قدميه ,  وما أن فعل ذلك حتى أحاطته قوى أمن المطار , وأخذته إلى أماكن التعرية التامة والفحص الأدق والأشمل , فانطلق عاريا لكنهم إتهموه بمخالفة القوانين , ووجهت إليه تهمة الإعتداء على الذوق والأخلاق.

 

وراح يلعن المدنية وما جلبته من أخطار ومخاوف , وتمنى أن يكون على ظهر حماره في درابين المعمورة المسكونة ببشر طيب بسيط , ولكن هيهات , فقد سرقت المدنية إنسانيتنا , وحولتنا إلى أشياء وموجودات وأرقام , وقنابل موقوتة تنفجر حسب التوقيت العدواني الرهيب.

 

رحم الله أبو القاسم الطنبوري , فهل يدري أننا نعيش في زمن طنبوري ( دُنبَهِ بَرَه) شديد , وكأن  البشر صار فيه كالطّنبار؟!!




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=39470
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2013 / 11 / 20
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 12 / 7